أدت تداعيات الحرب الدائرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لنحو 41 شهراً إلى تدافع السودانيين للعمل في مجال التنقيب عن الذهب ليتضاعف عددهم إلى 6 ملايين شخص يتوزعون جغرافياً على 800 موقع في مختلف مناطق البلاد. ويأتي هذا التدافع رغم الكوارث المتلاحقة التي شهدتها مناطق استخراج الذهب عقب انهيار المناجم التي باتت مصيدة لأرواح المعدنين الذين يمارسون العمل في مناطق نائية وجبلية باستخدام وسائل تقليدية، فضلاً عن عمليات التلوث الكيماوي القاتل، وغياب الرعاية الصحية وقواعد الأمان،
مما يفتح الباب أمام احتمالات تزايد نسبة الضحايا، وبخاصة في مناطق "الدعم السريع". ويعد السودان من أكبر منتجي الذهب في قارة أفريقيا، لكن الغالبية العظمى تنتج بواسطة آليات بدائية،
وفي مناطق غير رسمية وآبار مهجورة ثم تهريبه لاحقاً إلى خارج البلاد، في وقت تؤكد مصادر حكومية أن الحرب أدت إلى تعقيد عمليات الرقابة على عمليات إنتاج وتصدير الذهب في ظل توقف مؤسسات حكومية عن العمل مع غياب عدد من الموظفين، وهو ما انعكس سلباً على قدرة الدولة على متابعة مواقع التعدين. سلسلة انهيارات وتعد حوادث التنقيب العشوائي عن الذهب في السودان مأساة إنسانية واقتصادية متكررة تحصد أرواح العشرات بانتظام،
فأحدث واقعة تمثلت في انهيار خمس آبار متلاصقة في منجم الزرع التقليدي بمنطقة الرقيق في محلية النهود بولاية غرب كردفان أسفرت عن 83 قتيلاً و50 مصاباً، مما أدى إلى اتخاذ البئر مقبرة جماعية لهم في واحدة من أسوأ كوارث التعدين التقليدي في البلاد، فيما أكدت المعلومات المتداولة أن مياه الأمطار التي تسربت إلى الآبار المتقاربة أدت بدورها إلى انهيار المناجم. ولم تكن كارثة منجم الزرع الأولى من نوعها،
بل واحدة من سلسلة انهيارات شهدتها مناجم الذهب في البلاد، فقد شهد منجم أم فكرون الواقع بمحلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان حادثة انهيار أدت إلى مصرع 13 معدناً بينما أصيب 6 آخرون إثر انهيار عدد من آبار مهجورة. فيما لقي ستة من عمال تعدين حتفهم بعد انهيار منجم للتنقيب العشوائي في منطقة كليتي في ولاية البحر الأحمر شرق البلاد، فضلاً عن انهيار بئر في وادي حلفا بالولاية الشمالية،
رغم صدور قرار باغلاقه بعد تقييمات فنية أثبتت خطورته. تنشط 60 شركة في الاستكشاف والتنقيب (اندبندنت عربية - حسن حامد) ولا يقتصر التنقيب عن الذهب في السودان على القطاع التقليدي، وإنما تنشط حوالى 60 شركة تمثل جهات حكومية وخاصة وأجنبية تعمل في مجالات الاستكشاف والتنقيب، وتستحوذ على النسبة الأكبر في الإنتاج بينما تتوزع هذه الشركات في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني في شمال وشرق ووسط وغرب البلاد،
وأخرى في مناطق سيطرة "الدعم السريع" في إقليمي دارفور وكردفان. ورغم الحرب سجل السودان العام الماضي أعلى معدل في الإنتاج بلغ 70 طناً، وفقاً لتقارير رسمية. اقتصاد الحرب في المقابل،
أشار مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن الذهب أصبح مصدراً رئيساً لإيرادات الأطراف المتحاربة، موضحاً أن عائداته أصبحت شرياناً لتأجيج الصراع المسلح وتحول ثروات السودان إلى اقتصاد مغذٍ للحرب. وإزاء هذا الواقع، فرض الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات مرتبطة بتجارة الذهب في السودان شملت حظر وشراء واستيراد الذهب السوداني ومنع تصدير مادتي الزئبق والسيانيد اللتين تستخدمان في عمليات الاستخراج.
أقصر الطرق من جانبه، يقول أحد العاملين في مجال التعدين يدعى أحمد الخبير إن "ظروف الحرب التي أفقدتني مهنتي في مجال الزراعة في ولاية جنوب كردفان، دفعتني إلى العمل في مناجم الذهب في شمال السودان، إذ إنني أعول أسرة ممتدة تستوجب أن أعمل من أجل تأمين احتياجاتها اليومية مهما كلفني الأمر،
مما جعلني أقطع آلاف الكيلومترات بحثاً عن مصدر للرزق، ولم أجد أمامي في ظل تعطل المصانع وفشل المواسم الزراعية غير مناجم الذهب التي تعد أقصر الطرق للدخل السريع إذا ما حالفني الحظ، رغم إلمامي بأنها محفوفة بالمخاطر". وأضاف الخبير "عندما بلغت وجهتي تفاجأت بأن الآلاف من الشباب السودانيين الذين شردتهم الحرب يعملون في هذا المجال،
والأرقام لا تقف عند الولاية الشمالية وحسب، بل تتوزع في كل منطقة يسمع بأنها زاخرة بالذهب من دون الالتفات إلى المخاطر أو إمكانية التعرض للموت". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وزاد المتحدث "مناجم الذهب عادة تقع في مناطق نائية وجبلية مليئة بالصخور وتفتقر إلى أبسط مقومات السلامة، في حين يتم التنقيب بوسائل تقليدية،
علاوة على استخدام مواد تتسبب في الإصابة بأمراض خطرة مثل السرطانات والفشل الكلوي، إذ يعمل في البئر الواحدة أكثر من 50 معدناً، وأحياناً تكون هناك اختناقات غير التعرض للدغات العقارب والثعابين". ومضى العامل قائلاً "الأشخاص الذين اختاروا العمل في مجال التنقيب عن الذهب،
يأملون في تحسين أوضاعهم والخروج من الواقع الذي فرضه الصراع المستمر، بعدما تكبد ملايين السودانيين أزمات إنسانية بفقدان مصادر أرزاقهم". موجات غلاء في المنحى ذاته، أوضح الباحث والمهتم بقضايا البيئة ياسين التهامي أن "الحرب التي اندلعت على نحو مفاجئ جعلت الاقتصاد السوداني يتراجع من مرحلة الهشاشة إلى الانهيار الفعلي،
إذ توقفت سلاسل الإمداد وحركة التجارة والنقل بين الولايات وتعطلت المصانع وفشلت المواسم الزراعية، وتحول ملايين السودانيين إلى نازحين مع تفشي البطالة في ظل فقدان أنشطتهم الاقتصادية، إلى جانب ارتفاع الأسعار بعد أن أصبح الاقتصاد يدار عبر السوق السوداء، مما فاقم موجات الغلاء وإحداث شلل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن".
وبين التهامي أن "هذه التداعيات جعلت شريحة واسعة من المواطنين تتوجه إلى مناجم الذهب في مناطق متفرقة من البلاد من دون النظر إلى الآثار السلبية التي من الممكن أن تحدث بممارسة استخراج الذهب من طرق تقليدية، فضلاً عن استخدام مادتي الزئبق والسيانيد اللتين تقودان إلى الموت البطيء من دون مراعاة شروط السلامة". شريحة واسعة من المواطنين تتوجه إلى مناجم الذهب (اندبندنت عربية - حسن حامد) ويرى المتحدث "أن عمليات التنقيب يجب أن تصاحبها إجراءات واشتراطات تحفظ أرواح البشر، إذ ينبغي أولاً إجراء مسح قبل عملية التنقيب عن الذهب لتحديد نوع الصخور قبل تفتيتها لتفادي الانهيار الذي أصبحت حوادثه متكررة في الأسابيع الأخيرة،
فضلاً عن إجراء رصد للمياه الجوفية التي تسهم في إضعاف التربة وتزيد من مخاطر الانهيار". ولفت الباحث والمهتم بالقضايا البيئية إلى أن "الحفر لاستخراج الذهب في ظل الحرب أصبح مغامرة محفوفة بالمخاطر، إذ إن أي خلل غير مرئي في الأرض المتمثل في ضعف البنية الصخرية بسبب وجود شقوق صخرية، إلى جانب استخدام خام السيانيد والزئبق يسهمان إلى حد كبير في إزالة الدعامة الطبيعية للصخور،
غير المياه الجوفية التي تساعد بشكلٍ كبير في تقليل تماسك التربة، فهذه العوامل تحول البئر إلى انهيار مفاجئ يهدد الأرواح". ونوه التهامي إلى أن "الأمر يستدعي إجراء دراسات حتى يكون هناك تخطيط لعمليات الحفر بواسطة شركات متخصصة، لا سيما أن نشاط التعدين باعتباره استثماراً طويل الأجل في ظل تردي الأوضاع المعيشية،
لا سيما أن استخراج الذهب عبر المعدنيين التقليديين أصبح المصدر الوحيد لدخل الدولة بعد أن فقد السودان جزءاً كبيراً من موارده النفطية، مما دفع أعداداً كبيرة من السودانيين، وبخاصة فئة الشباب التوجه للعمل في مجال التنقيب".