بعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف من الشلل التام الذي جمّد حركة التجارة في أحد أخطر الممرات المائية، عاد الأمل إلى الاقتصاد العالمي إثر إعلان الرئيس الأميركي التوصل لاتفاق سلام أولي مع إيران ينهي الحرب ويعيد فتح مضيق هرمز فوراً. وأكدت التصريحات الرئاسية أن هذا التطور يمثل ضوءاً أخضر طال انتظاره لأسواق المال والطاقة التي عانت من ارتدادات عنيفة منذ اندلاع النزاع.الأسواق تتفاعل فوراًبدأت الأسواق العالمية في تسعير الانفراجة الجيوسياسية فور الإعلان، حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت 4.5% لتستقر دون 84 دولاراً للبرميل،
مسجلة أدنى مستوياتها منذ الأيام الأولى للحرب. في المقابل، قفزت مؤشرات الأسهم في طوكيو وسيول بنحو 5%، واستعادت سوق العملات المشفرة زخمها مع ارتفاع البتكوين فوق 65600 دولار.آسيا: الرابح الأكبرتُشكل إعادة فتح المضيق طوق نجاة عاجل لمنطقة آسيا،
التي تحملت العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية نظراً لاعتمادها الهائل على إمدادات الطاقة الخليجية. إذ تتجه أكثر من 80% من النفط والغاز الطبيعي المسال الذي يعبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية. خلال أشهر الحرب، هوت العملات الآسيوية وتفاقم التضخم،
وضغط نقص المعروض المادي للطاقة على التوقعات الاقتصادية لدول مثل باكستان وفيتنام والفلبين، التي أعلنت الأخيرة حالة الطوارئ في قطاع الطاقة. حتى القوى الصناعية الكبرى كاليابان وكوريا الجنوبية عانت من ضغوط غير مسبوقة على عملاتها بسبب فواتير الاستيراد المتضخمة. وقد رحب قادة المنطقة بالاتفاق،
واصفين إياه بخطوة كبرى نحو الحل، معربين عن أملهم بضمان ملاحة حرة وآمنة في المضيق.تحذيرات من استمرار الأثررغم التفاؤل، يرفع خبراء الاقتصاد ومحللو قطاع الطاقة راية الحذر، مؤكدين أن عودة التدفقات التجارية لطبيعتها ستستغرق أسابيع أو أشهراً.
فكل يوم قضاه المضيق مغلقاً ضاعف الأضرار الهيكلية وأدى لاضطرابات عميقة في قطاع اللوجستيات.أزمة الغاز الطبيعي المسالتبرز أزمة الغاز الطبيعي المسال كأكثر القضايا تعقيداً، حيث ترتبط أسعاره في آسيا عادة بأسعار النفط مع فجوة زمنية تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر. هذا يعني أن أسعار النفط المرتفعة التي بلغت 100 دولار للبرميل في مارس الماضي لن تنعكس بالكامل على أسواق الغاز إلا خلال الأشهر المقبلة، مما يبقي الأسعار مرتفعة حتى نهاية العام على الأقل.الأسمدة والبتروكيماوياتلا تقتصر أهمية مضيق هرمز على النفط،
بل تمتد لسلع استراتيجية كالأسمدة، حيث توفر دول الخليج أكثر من ثلث المعروض العالمي من سماد اليوريا. تسبب الإغلاق في إفساد ذروة موسم الزراعة في جنوب شرق آسيا (مايو-يوليو)، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي وقد تظهر آثاره لاحقاً هذا العام.
على الجانب الصناعي، واجهت مصانع اليابان وكوريا الجنوبية نقصاً حاداً في النافتا والهيليوم الضروري لأشباه الموصلات، مما يشبه تضرر سلاسل الإمداد بشعيرات دموية تحتاج وقتاً طويلاً للشفاء، وقد يتطلب عاماً كاملاً لاستعادة القدرات الإنتاجية.الهند: انتعاش مرتقببالنسبة للهند،
إحدى أكبر مستوردي الخام عالمياً، يمثل الاتفاق انفراجة مالية ضخمة عبر خفض تكاليف الشحن وأقساط تأمين المخاطر. وقد عبرت ناقلة الغاز الطبيعي المسال "ديشا" المحملة بشحنة قطرية المضيق متجهة شرقاً بعد احتجازها منذ مارس. ينعكس تراجع أسعار النفط إيجاباً على موازنة الهند عبر تقليص فاتورة الواردات،
دعم استقرار الروبية، تضييق عجز الحساب الجاري، وكبح التضخم، مما ينعش قطاعات الطيران والبتروكيماويات والأسمدة واللوجستيات.مخاوف ومستقبل غامضيظل التفاؤل مشروطاً باستقرار المشهد الجيوسياسي وعدم تجدد النزاع،
خصوصاً مع تفاصيل شائكة لم تعلن بعد حول إدارة الملاحة في المضيق. تشير التقارير إلى أن حركة المرور ستخضع لتنظيم مشترك بين طهران وسلطنة عمان، مما قد يثير حفيظة واشنطن. يضاف إلى ذلك أن الاتفاق يطلق مهلة 60 يوماً فقط للتفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني،
مما يضفي صبغة مؤقتة على المشهد. يرى مراقبون أن الأزمة الحالية سرّعت من استراتيجيات تنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة، لضمان ألا يقع الاقتصاد العالمي مجدداً رهينة لهذا الممر الحيوي.