تواصل تقلبات أسواق الصرف وانهيار قيمة الجنيه السوداني إلقاء بظلالها على المواطنين العائدين إلى العاصمة الخرطوم، حيث يواجهون زيادات حادة في أسعار الأدوية التي قفزت بنحو 30 في المائة خلال أسبوعين فقط. ويجد آلاف المرضى وعائلاتهم أنفسهم في مواجهة تعقيدات معيشية متزايدة لتأمين تكاليف العلاج، وسط معدلات فقر قياسية تجاوزت 73 في المائة.وتترقب الأوساط الطبية وشركات استيراد الأدوية حدوث ندرة في العقاقير الأساسية،

بعد أن لجأ بعض الموردين إلى تجميد البيع مؤقتاً لحماية مخزوناتهم. وتتصاعد المطالبات الاقتصادية للحكومة بالتدخل العاجل، وإعادة تفعيل محفظة السلع الاستراتيجية لتمويل قطاع الدواء عبر حصائل صادر الذهب.تعكس قصة الخمسينية مديحة عبد الرحمن واقعاً مأساوياً يعيشه آلاف السودانيين؛ إذ تروي بصوت مخنوق كفاحها المرير لتوفير ثمن الأدوية لوالدها المنوم في العناية المكثفة بعد إصابته بجلطة في الرأس ومضاعفات السكري. وتقول: "استدنت راتب الشهر المقبل كاملاً،

ولكنه نفد قبل شراء قائمة الأدوية... ليس لدينا ما نبيعه". وتوضح أنها عادت مع أسرتها إلى الخرطوم بعد استعادة الجيش للمنطقة، لتجد منزلها منهوباً وخالياً من الأثاث.ارتفاع الأسعار في الصيدلياترصدت جولة ميدانية على صيدليات العاصمة زيادات متوالية تراوحت بين 15 و30 في المائة،

طالت بشكل خاص الفيتامينات وعلاجات الأمراض النفسية وأدوية الخصوبة، مع زيادات أقل نسبياً في أدوية الأمراض المزمنة. وأبدى مواطنون استياءهم من هذه الزيادات، متهمين بعض الصيدليات بتغيير الأسعار بشكل متكرر دون مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي خلقتها الحرب.في المقابل،

أفاد أصحاب صيدليات بأن بعض المرضى باتوا يشترون جزءاً من الوصفة الطبية ويعجزون عن تحمل التكلفة الكاملة، محذرين من لجوء البعض إلى الأعشاب وترك العلاج الطبي، خاصة مرضى السكري والكلى وارتفاع ضغط الدم، لما قد يشكله ذلك من مخاطر صحية.تأثير سعر الصرفأكد الدكتور معز بدوي،

صاحب شركة توكيلات لاستيراد الدواء، أن انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار خلال الأيام الخمسة عشر الماضية أدى إلى زيادة أسعار بعض الأدوية بنسبة 30 في المائة. واقترح عودة الدولة إلى آلية محفظة السلع الاستراتيجية التي تضمن توفير النقد الأجنبي للمستوردين دون اللجوء إلى السوق الموازية، من خلال تخصيص نسبة من حصائل صادر الذهب لتمويل الدواء.تأتي هذه الزيادات في وقت تشير تقديرات إلى أن نحو 73 في المائة من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر،

بينما تجاوز سعر الدولار حاجز 5 آلاف جنيه، مما ضاعف الضغوط على أصحاب الدخل المحدود. ويرى الخبير الاقتصادي محمد الناير أن تراجع قيمة الجنيه ينعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات، وفي مقدمتها الأدوية.حذر أحد مستوردي الأدوية،

طالباً عدم ذكر اسمه، من أن استمرار انخفاض سعر الصرف قد يؤدي إلى ندرة بعض العقاقير، مشيراً إلى أن عدداً من المستوردين أوقفوا البيع مؤقتاً واحتفظوا بمخزونهم انتظاراً لاستقرار السعر، خشية الخسائر.تشديد شروط السدادأوضح الدكتور محمد شرف الدين،

الصيدلاني بسوق الشهداء بأم درمان، أن بعض الشركات المستوردة ألغت نظام السداد الآجل الذي كان يمنح الصيدليات مهلة تصل إلى أربعة أسابيع، واشترطت الدفع النقدي الفوري. وأشار إلى أن أدوية السكري شهدت شحاً مؤقتاً قبل أن تعود للتوفر بأسعار أعلى.في المقابل،

طمأنت الصيدلانية دعاء محمد بتوفر المحاليل الوريدية حالياً بعد فترات نقص حادة. لكن السائق هاشم محمد يشتري شهرياً أدوية السكري والضغط لوالدته، وفوجئ بالزيادات الأخيرة، متسائلاً: "إلى متى يستمر هذا الوضع؟".موقف المجلس القومي للأدويةاستبعد رئيس المجلس القومي للأدوية والسموم،

الدكتور محمد بشير، حدوث ندرة في الأدوية، مؤكداً أن المجلس لا يعتمد أي زيادة جديدة إلا بعد مرور شهر على الأقل للتأكد من استقرار سعر الصرف. ونفى مسؤولية المجلس عن الزيادات الأخيرة،

موضحاً أن تعديل التسعيرة يتم بعد التشاور مع شعبة المستوردين ووزارة الصحة.وأعلن بشير عن عودة 9 مصانع أدوية سودانية محلية إلى الإنتاج الفعلي من أصل 30 مصنعاً دمرت الحرب بنيتها التحتية، متوقعاً استئناف بقية المصانع العمل خلال الأشهر القليلة المقبلة، مما سيسهم في تخفيف الضغط على الاستيراد المرتبط بتقلبات العملة.