يشهد قطاع الطاقة في السودان تحولاً مهماً مع عودة الدولة لممارسة دور مباشر في استيراد المشتقات البترولية، بعد أعوام هيمن خلالها القطاع الخاص على هذه النشاطات الحيوية. ويأتي هذا التحول في ظل تحديات اقتصادية متراكمة فرضتها اختلالات أسواق النقد الأجنبي وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد، وتفاقم أزمة الوقود التي انعكست بصورة مباشرة على مختلف الأنشطة الإنتاجية والخدمية في البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن مجلس الوزراء في اجتماعه الطارئ المنعقد الجمعة انخراط الحكومة رسمياً، عبر وزارة الطاقة والنفط، في استيراد شحنات الوقود،

مبرراً القرار بالحاجة إلى ضبط سوق النقد الأجنبي والحد من المضاربات التي ارتبطت بعمليات شراء العملات الأجنبية لتمويل واردات الوقود بواسطة الشركات الخاصة. كذلك جاء القرار في إطار مساع أوسع لاستعادة الاستقرار في سوق الطاقة وضمان انسياب الإمدادات بصورة منتظمة إلى مختلف القطاعات الاستراتيجية. ولا يقتصر هذا التوجه على معالجة أزمة الإمداد الراهنة، بل يستهدف إعادة تنظيم سوق الوقود وتعزيز قدرة الدولة على التدخل في القطاعات ذات الأثر المباشر في الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وقد حظي القرار بدعم مؤسسات الدولة المعنية، مع تكليف وزارات المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأجهزة المختصة بوضع آليات التنفيذ والمتابعة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الإنفاق السنوي على واردات الوقود، الذي قارب 900 مليون دولار خلال العام الماضي،

ووصل سعر غالون البنزين هذا الأسبوع إلى ما بين 27 ألفاً و30 ألف جنيه سوداني (45 و50 دولاراً). اختلالات تاريخية ارتبطت أزمات الوقود في السودان خلال العقدين الأخيرين بجملة من الاختلالات الهيكلية التي ضربت الاقتصاد الوطني، وفي مقدمها تراجع عائدات النفط عقب انفصال جنوب السودان في عام 2011، وانخفاض الإنتاج المحلي إلى مستويات لا تغطي سوى جزء محدود من الطلب،

مما جعل البلاد تعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد لتأمين أكثر من 60 في المئة من احتياجاتها من المشتقات البترولية. ومع تفاقم شح النقد الأجنبي وتدهور سعر الصرف، برزت أزمات الوقود بصورة متكررة، وبلغت ذروتها خلال عامي 2018 و2019 عندما تحولت طوابير المركبات أمام محطات الخدمة إلى مشهد يومي في العاصمة الخرطوم والولايات،

وتسببت في تعطيل حركة النقل والإنتاج والخدمات الأساسية. تتراوح فاتورة استيراد الوقود بين 800 و950 مليون دولار سنوياً (اندبندنت عربية - حسن حامد) وفي خضم تلك الأزمة، اتجهت الحكومة خلال الأعوام الأخيرة من عهد الرئيس السابق عمر البشير إلى توسيع دور القطاع الخاص في استيراد الوقود، ضمن سياسة هدفت إلى تخفيف العبء المالي عن الخزانة العامة وتوفير الإمدادات عبر آليات السوق،

غير أن النتائج العملية لم ترتق إلى مستوى التوقعات، إذ استمرت الأزمات الدورية في الإمداد، وتكررت موجات الشح على رغم مشاركة عشرات الشركات في عمليات الاستيراد والتوزيع، بينما ظلت أزمة توفير العملات الأجنبية والتكاليف المرتفعة للاستيراد تشكل العائق الأكبر أمام استقرار السوق.

واجهت التجربة انتقادات واسعة بسبب ارتفاع هوامش الأرباح وتزايد الأعباء غير المباشرة على الاقتصاد، في وقت لم يلمس فيه المستهلك تحسناً مستداماً في وفرة الوقود أو استقرار أسعاره. وعلى رغم فترات الانفراج الموقت التي شهدها السودان نتيجة وصول شحنات وقود إضافية أو تحسن تدفقات النقد الأجنبي، فإن جذور الأزمة ظلت قائمة،

مما أدى إلى تجددها بصورة دورية. أضرار مباشرة منذ اندلاع الحرب في عام 2023، واجه قطاع النفط والمشتقات البترولية السوداني تحديات كبيرة نتيجة الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، إلى جانب الاضطرابات الأمنية واللوجستية التي أثرت في حركة النقل والتخزين والتوزيع.

وتعرضت منشآت وخطوط إمداد النفط في عدد من المناطق إلى اعتداءات وأعمال تخريب متكررة، شملت خطوط النقل الاستراتيجية ومستودعات التخزين، كان أبرزها خروج مصفاة الجيلي عن الخدمة، وهي المنشأة التي كانت توفر نحو 70 في المئة من احتياجات البلاد من المشتقات البترولية،

مما ضاعف الاعتماد على الاستيراد وجعل السوق المحلية أكثر عرضة للتقلبات الخارجية واختناقات سلاسل الإمداد. ومع انتقال ثقل النشاط الحكومي والاقتصادي إلى مدينة بورتسودان، أصبحت منظومة الإمداد النفطي أكثر ارتباطاً بحركة الواردات البحرية وسلاسل النقل الممتدة إلى الولايات، ما جعل السوق المحلية شديدة الحساسية لأي اضطرابات في عمليات الاستيراد أو التمويل أو الشحن.

وعلى رغم نجاح السلطات خلال فترات متقطعة في احتواء الاختناقات وتوفير الإمدادات، فإن الأزمة ظلت تتجدد كلما واجهت الشركات المستوردة صعوبات تتعلق بالتمويل أو تقلبات أسعار الصرف. ومنذ مايو (أيار) الماضي، عادت أزمة الوقود للواجهة بقوة،

إذ شهدت مدن عدة طوابير طويلة أمام محطات الخدمة بعد توقف بعض الشركات عن استيراد المشتقات البترولية. وأرجعت الشركات موقفها إلى الضغوط الناتجة من تقلبات سعر الصرف في السوق الموازية وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن المرتبطة بالحرب في إيران، مطالبة بمراجعة الأسعار المحلية، بما يضمن تغطية التكاليف وتحقيق هامش ربح مناسب.

جرى تكليف وزارات المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأجهزة المتخصصة بوضع آليات التنفيذ والمتابعة (اندبندنت عربية - حسن حامد) وفي إطار احتواء الأزمة، عقد عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر اجتماعاً مع قيادات وزارة الطاقة والجهات المتخصصة، تنفيذاً لتوجيهات الدولة الرامية إلى تأمين الإمدادات النفطية وكبح الضغوط على سوق النقد الأجنبي. وأعلنت وزارة الطاقة توجيه إنذارات لبعض الشركات التي لم تلتزم بتفريغ الشحنات المتفق عليها،

ورأت أن ذلك أسهم في تفاقم النقص وظهور الصفوف خلال الأسابيع الماضية، كذلك كشفت الوزارة بدء تفريغ باخرة وقود جديدة، بالتزامن مع إعادة تفعيل لجنة التركيبة التسعيرية بمشاركة وزارة الطاقة ووزارة المالية وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، بهدف توحيد الأسعار وضبط السوق ومنع أية ممارسات تؤدي إلى اضطراب الإمدادات أو تفاقم المضاربات.

ضغوط متزايدة يرى المتخصص في قطاع الطاقة أحمد إبراهيم أن أزمة الوقود الأخيرة لا يمكن عزوها إلى تداعيات الحرب وحدها، وإنما ترتبط كذلك بغياب سياسات التحوط الاستراتيجي وإدارة الأخطار في قطاع أصبح يعتمد بصورة شبه كاملة على الواردات. وأضاف "تتحمل وزارة الطاقة والنفط جزءاً من المسؤولية نتيجة استمرار الاعتماد على شركات القطاع الخاص لتأمين الإمدادات من دون بناء مخزون استراتيجي كاف أو وضع بدائل لمواجهة الطوارئ، فقد كشفت الأزمة عن هشاشة نموذج الاستيراد القائم على السوق المفتوحة،

خصوصاً في ظل اقتصاد يعاني شح النقد الأجنبي واضطرابات مستمرة في سعر الصرف". وأوضح إبراهيم أن دخول الدولة كمستورد رئيس عبر قنوات رسمية، وبالتنسيق مع بنك السودان المركزي ووزارة المالية، يمكن أن يسهم في تحويل الطلب على النقد الأجنبي من سوق موازية مضطربة إلى آليات أكثر انضباطاً وشفافية،

بما يحد من الضغوط على سعر الصرف ويعزز استقرار الإمدادات. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على إدارة الملف بكفاءة عالية وتوفير التمويل المستدام وإرساء منظومة رقابية فاعلة تضمن وصول الوقود إلى المستهلكين والقطاعات الإنتاجية. وفي السياق ذاته،

أوردت وكالة السودان للأنباء (سونا) أن الهدف من الخطوة يتمثل في الحد من المضاربات التي تنشط عبر الوسطاء والسماسرة في مراحل الاستيراد والتوزيع، وما يترتب عليها من ضغوط متزايدة على سوق النقد الأجنبي وارتفاع تكاليف الوقود والإنتاج. وتشير التقديرات أيضاً إلى أن فاتورة استيراد الوقود تمثل أكبر بند استيرادي في البلاد من حيث استهلاك العملات الأجنبية، إذ تتراوح بين 800 و950 مليون دولار سنوياً.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تحول نوعي رأت الأستاذة في الجامعات السودانية نفيسة الأمير أن قرار مجلس الوزراء السوداني يمثل تحولاً نوعياً في إدارة قطاع الطاقة والسياسات الاقتصادية، ويعكس توجهاً نحو استعادة الدولة دورها في إدارة أحد أكثر القطاعات تأثيراً في الاستقرار الاقتصادي والنقدي. وأوضحت أن القرار يأتي في ظرف اقتصادي بالغ التعقيد، يتسم بارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية وتزايد الضغوط على إمدادات السلع الاستراتيجية،

وأضافت أن توحيد عمليات الاستيراد تحت مظلة الدولة من شأنه تقليص تعدد القنوات التجارية وتحسين إدارة الموارد النقدية، بما يسهم في تخفيف الضغوط على السوق الموازية، التي ظلت مصدراً رئيساً لتقلبات سعر الصرف. وأشارت إلى أن استقرار إمدادات الوقود يحمل انعكاسات مباشرة على القطاعات الإنتاجية والخدمية،

لا سيما النقل والزراعة والصناعة، مما قد يفضي إلى خفض تكاليف الإنتاج والتوزيع وتخفيف جزء من الضغوط التضخمية. غير أنها شددت على أن هذه الآثار ستظل محدودة ما لم تترافق مع إصلاحات أوسع لمعالجة الاختلالات الهيكلية المرتبطة بسعر الصرف والعجز المالي. ولفتت الأمير إلى أن القرار ينطوي كذلك على أبعاد نقدية ومصرفية مهمة،

إذ يمكن أن يسهم في تقليص الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية، وتعزيز قدرة الجهاز المصرفي على توجيه موارده نحو الأنشطة الإنتاجية. كذلك رأت أن انتظام إمدادات الوقود يمثل عاملاً محورياً في تحسين مناخ الاستثمار، وتقليص الأخطار التشغيلية التي تواجه المستثمرين.

ونبهت الأمير إلى أن نجاح هذه السياسة يظل رهناً بقدرة الدولة على توفير التمويل اللازم بصورة مستدامة وإرساء معايير عالية من الكفاءة والشفافية والحوكمة في عمليات الشراء والتخزين والتوزيع، إضافة إلى إحكام التنسيق بين وزارة المالية ووزارة الطاقة وبنك السودان المركزي والجهات الرقابية. وخلصت إلى أن دخول الدولة المباشر إلى سوق استيراد الوقود قد يشكل نقطة تحول مهمة نحو استقرار الأسواق إذا ما أحسن تنفيذه، ليتجاوز كونه تدبيراً ظرفياً إلى إطار مؤسسي دائم يدعم الاستقرار الاقتصادي ويهيئ الأرضية لتعاف أكثر استدامة.