كشفت أعمال المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأولى من القرن العشرين عن أطلال عدة ومنشآت عمرانية مدنية تعود إلى العصر الأموي. تتوزّع هذه المنشآت على نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، وتشكّل سلسلة من الأبنية تتميز في الدرجة الأولى بمعاييرها الهندسية المتطوّرة. تحوّل العدد الأكبر من هذه الأطلال إلى خرائب فقدت حللها الزينية،

غير أن البعض منها حافظ على نقوش فنية جمعت بين أطرزة متوارثة في قوالب مبتكرة، تشهد لفن أموي مدني له أساليبه الخاصة. في هذا الميدان، يبرز بناء يقع في قرية خربة المفجر،

شمال أريحا، يُعرف باسم قصر هشام، نسبة إلى عاشر خلفاء بني أمية الذي قام بتشييده، كما يؤكّد البحّاثة.

خرجت من هذا الموقع الأثري مجموعة هائلة من القطع النحتية، منها قطعة بدت فريدة من نوعها، تمثّل شاباً أمرد، يوصف بالبهلوان.

نُقلت حلل خربة المفجر عند اكتشافها إلى متحف أنشئ خصوصاً لها في القدس الشرقية، وافتتح هذا المتحف في عام 1938، وحمل اسم «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوّل إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، وباتت حلل قصر هشام النحتية من محفوظاته،

ومنها البهلوان الذي يحضر في مجسّمين متوازنين، يبلغ طول كل منهما نحو متر وعشرين سنتيمتراً. يشكّل هذان المجسّمان عمودين لقنطرة تعلوها كما يبدو قبّة ضاع أثرها. تعود هذه القنطرة إلى ركن يُعرف بديوان الخليفة،

وقد وصلت على شكل كتل مهشّمة ومبعثرة، تمّ جمعها بتأنّ، قبل إعادة نصبها في المتحف، ضمن زاوية تحتلّ ركناً أساسياً من أركان هذا المتحف.

تُزيّن واجهة هذه القطعة حلة زينية ثريّة بالتفاصيل، تعتمد على تقنية الجص المنقوش التي شاعت بشكل واسع في العصر الأموي، وقوامها شريطان مقوّسان، يعلوهما شريط أفقي مستقيم.

تعتمد زينة هذه الشرائط على شبكة من الزخارف، تستمد تقاسيمها من العناصر النباتية المحوّرة. يمتد الشريط المقوّس الأول بين سلسلتين من الخواتم الدائرية المرصوصة، وتزيّنه سلسلة من أوراق نبتة الأقنثا،

في صياغة تقليدية محكمة. يستقر الشريط الأفقي الثاني فوق هذا الشريط، وتزينه أغصان لولبية دائرية مورقة تأخذ شكل كرمة زخرفية. تؤلّف هذه الأغصان سلسلة من الخانات الدائرية،

تجمع بشكل متوازن بين أوراق الكرمة المنبسطة، وعناقيد العنب المتدلية. تحضر هذه الورقة في خانة تقابلها خانة تحلّ فيها عناقيد تأخذ شكل أكواز من الحبات المرصوصة، في تأليف يجرّد العناصر التصويرية من ثقلها الطبيعي.

يعلو هذين الشريطين شريط أفقي عريض تزيّنه سلسلة من أوراق الأقنثا المتموّجة. يشكّل هذا الشريط العريض مساحة تستقرّ من فوقها سلسلة من المجسّمات الحيوانية. تحضر أربعة مجسّمات فقدت العديد من مكوّناتها، غير أن واحداً منها حافظ على رأسه بشكل كامل.

يتّضح أن الحيوانات الحاضرة في هذه الكتل المنحوتة تنتمي إلى فصيلة واحدة، وتمثّل وعولاً تجلس أرضاً، رافعة رأسها نحو الأعلى. تتشابه هذه الوعول بشكل كبير،

مع اختلاف بسيط في الوضعيّة، وتتميّز كلّها بأسلوبها الكلاسيكي، كما يشهد تجسيم مفاصل البدن المتقن، وبروز الرأس بملامحه الجليّة التي تحاكي النموذج الحي.

يحدّ هذه الواجهة من كل جهة شاب أمرد، يقف في وضعيّة المواجهة، رافعاً ذراعيه المبسوطتين نحو الأعلى، وكأنه يحمل الشريط الممتدّ أفقيّاً في أعلى هذه القنطرة المزخرفة.

في الواقع، يشكّل هذان الشابان عمودين لهذا البناء، وفقاً لطراز متوارث شاع في أقاليم متباعدة من العالم القديم. في حركة غير مألوفة،

يقف كل شاب على ساق، ويرفع الساق الأخرى نحو الأعلى، ومن هنا جاء تشبيهه بالبهلوان، وبات هذا التشبيه اسماً له.

ملامح الوجه واحدة، وهي الملامح التي تتكرّر في نقوش موقع خربة المفجر، وتشكّل نموذجاً واحداً جامعاً، يظهر في القامات الآدمية المتعدّدة،

بشقيها الذكوري والأنثوي. الوجه كتلة مستديرة كبيرة، تتميّز بخديها المكتنزين. العينان لوزيتان ضخمتان شاخصتان،

يتوسّط كلاً منهما بؤبؤ كبير. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان، مقوّسان ومتصلان. تنساب كتلة الأنف البارز من وسط هذين الحاجبين،

ويظهر تجويف المنخار في أسفلها. الثغر صغير، ويتكوّن من شفتين مطبقتين ترسمان ابتسامة خجولة تسكب على الوجه طابعاً لطيفاً. الصدر عارٍ،

غير أن مفاصله مسطّحة ومحوّرة، تبعاً لطراز يعود إلى العالم الساساني. اليدان منبسطتان، ويُزيّن كلاً منهما سوار عريض يلتف حول المقبض.

تكشف هاتان اليدان عن أصابعهما، وتبدو مرصوصة ومتجانسة، وفقاً للطراز المعتمد. اللباس بسيط للغاية،

ويقتصر على مئزر ذي ثنايا أفقية، يعلوه حزام ينعقد حول الخصر، يتدلّى طرفه في الوسط. يحجب هذا اللباس الحوض،

ويكشف عن فخذين ممتلئتين ومكتنزتين. تشكّل هذه الخصوصية عنصراً من عناصر الجمالية التصويرية الأموية؛ إذ تظهر في العديد من القطع النحتية، كما في العديد من الرسوم الجدارية. تأخذ القامتان المجسمتان شكل منحوتتين ثُبتّت كلّ منهما فوق مساحة ذات تكوين مثّلث،

تتشكّل أطرافها بين الشريط الأفقي والشريطين المقوّسين. تزيّن هذه المساحة شبكة زخرفية تعتمد على الزينة النباتية بشكل خاص، وتشكّل الكرمة التي تمتد بدواليها في كل اتجاه العنصر الأساسي لهذه الزينة. في الخلاصة،

تجمع هذه الواجهة في شبكات نقوشها بين مختلف الأساليب التي أعاد الفن الأموي قولبتها، وتتميّز بحضور مجسّمين آدميين يقفان عند طرفيها في وضعيّة حيّة غير مألوفة. يحضر العنصر الحيواني في أعلى هذه الواجهة، وقوامه صورة الوعل التي اعتُمدت بشكل واسع في هذا الحقل،

كما تؤكّد العديد من الشواهد الأثرية التي خرجت من خربة المفجر، كما من مواقع أموية أخرى معاصرة له.