سقط بودلير وهو في عز الشباب، لم يتجاوز السادسة والأربعين. أصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ.
ومع ذلك، خلّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بالشعر انفجاراً،
وعاش من أجله وله، ولم يكن له هدف آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلق مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول.
وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر، جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة.لكن سارتر،
في كتابه الرائع عن بودلير، يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات.
وحبه للبؤس والانحطاط جعله يتعلق بالزنجية البشعة حنة دوفال، عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. كان يتمنى بناء حياة عائلية ودافئة لكنه فشل فشلاً ذريعاً،
فعاش متسكعاً هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، لكنه عجز عن إكمال أي عمل. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة،
لكنه بقي متردداً ستة أشهر قبل أن يقرر زيارة أمه في هونفلير، التي لا تبعد عن باريس أكثر من مئتي كيلومتر. باختصار، كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».في الواقع،
مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي، الجرح العميق الذي دمره من الداخل وفجره تفجيراً. لم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته.
كان بودلير متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات، لم يحزن عليه كثيراً، بل ربما سعد،
معتقداً أن أمه ستكون له وحده. وبالفعل قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين، قبل أن يضرب القدر ضربته: في صبيحة أحد الأيام، أبلغته أنها ستتزوج من الجنرال جاك أوبيك،
الذي أصبح لاحقاً الحاكم العسكري لمنطقة باريس والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير الخبر، جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض،
وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة له. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت،
كان هذا الطفل المدلل ساذجاً، يعتقد أن العالم كله خير وسعادة. وفجأة اكتشف أن الشر موجود في قلب العالم، ينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة.
منذ ذلك الوقت، حدث صدع في أعماقه النفسية، ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة.
لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة،
مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة، ولن يغفر لها فعلتها.
ولذلك راح يصرخ في وجهها: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً،
إذ تزوجت أمه بعد وفاة والده، فحقد عليها وعلى زوجها تماماً مثل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس، لدرجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها.
وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً، لأنه عاش التجربة المرة نفسها.ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد، لا فكاك منها.
مؤخراً، سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع تجاوز طفولتي، لم أستطع التصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته،
من يُشفى منها؟ وهذا شخص ناجح تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن التصالح مع طفولة أصولية غياهبية أو كارثية فجائعية؟كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟
لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم،
قوي العضلات، يوحي بالقوة لمن يراه أول وهلة. ولكن إذا تمعنا فيه عن كثب، وجدناه مسحوقاً من الداخل أو مدمّراً تماماً.
كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران». كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً، ولا خلاص.
طيلة حياته لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي. كان يجلد نفسه بنفسه يومياً. أليس هو القائل: «أنا الطعنة والسكين، أنا الضحية والجلاد،
أنا لقلبي مصاص الدم»؟ وهو القائل أيضاً: «من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا،
يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟
من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».عضت الحياة بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه في طفولته، لولا تلك الصدمة القاتلة،
هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟
لماذا لا نجامله ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. لكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان،
وإلا فعلى الدنيا السلام. هذا ما كان يعتقده بودلير في قرارة نفسه، وما عبر عنه في قصائده مرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات، لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان.من جهة أخرى،
لو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد، بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي.
وأخيراً، ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً، من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل قصيدة فكاهية مرحة: «زوجتي ماتت أنا حر / أستطيع أن أشرب على كيفي / عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي / كانت زعقاتها تمزق أعصابي / أنا سعيد كملك متوج / أنا ملك الملوك / يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها / أعيش أجمل لحظات حياتي / أغني على كيفي / الهواء نقي والسماء ساطعة / عشنا صيفاً مشابهاً / عندما كنت مغرماً بها» إلخ.