في ظل تصاعد هجمات الطائرات المسيرة والقصف المدفعي والحصار الخانق الذي تتعرض له مدينتا الدلنج وكادوقلي بولاية جنوب كردفان من قبل "الحركة الشعبية – شمال" وحليفتها قوات "الدعم السريع"، بات المدنيون العالقون في مواجهة مستمرة مع خطر الجوع. وأدى تدمير الجسر الحيوي الرابط بين الدلنج وكادوقلي، الذي كان يمثل شريان الحياة الرئيس لوصول المساعدات،

إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة مخيفة ووضع السكان المدنيين تحت حصار قسري. وأسهم تدهور الوضع الأمني في فشل الموسم الزراعي لأكثر من ثلاثة أعوام، إذ سيطر القلق والخوف على المواطنين خشية التعرض للموت أو الاعتقال، وعجز آلاف عن ممارسة النشاط الزراعي،

وخرجت مساحات كبيرة من دائرة الإنتاج نتيجة عدم توافر التمويل اللازم والبذور المحسنة، وكذلك الأسمدة والمبيدات والمدخلات، فضلاً عن شح الوقود وارتفاع أسعاره. جراء هذه الأوضاع اضطر الآلاف من الأهالي في مدينتي الدلنج وكادوقلي إلى الزراعة داخل المنازل والمساحات الفارغة في الأحياء لتأمين ما يسد الرمق،

في وقت استغل آخرون المساحات الصغيرة حول القرى، أو ما يسمى "الجبراكة"، لتأمين الغذاء وتسويق بقية المحاصيل، لا سيما الذرة والدخن وبعض الخضراوات مثل البامبي (البطاطا الحلوة)،

والبصل والبامية والملوخية والرجلة. سد الحاجة يقول أحمد خضر الذي يقطن منطقة التومات، إن "القلق والخوف يسيطران على المزارعين الموجودين في مدينة الدلنج حال التحرك والشروع في التحضيرات للزراعة من التعرض للموت أو نهب وسلب معداتهم الزراعية، علاوة على التوقيف والاعتقال،

وبخاصة في ظل انتشار المجموعات المسلحة". هكذا بات السكان قادرين على توفير الأمن الغذائي للأسر في ظل الحرب (أ ف ب) وأضاف أن "السكان لجأوا إلى الزراعة داخل المنازل كجزء من ثقافة ونمط الحياة في الأرياف السودانية، إذ تشكل مساحات البيوت الواسعة امتداداً للأرض الزراعية الخصبة في ولاية جنوب كردفان بغرض سد حاجاتهم اليومية من الخضراوات سريعة النمو والذرة". وأوضح خضر أن "الناس وجدوا ضالتهم في تنفيذ هذه التجربة كمخرج من أزمة ندرة الغذاء وارتفاع أسعاره،

إلى جانب توفير الاحتياجات من الخضروات والفواكه". توفير الغذاء بدوره أشار سليمان عوض الذي يسكن منطقة الموظفين، إلى أن "المشكلات الأمنية جعلت المواطنين غير قادرين على الذهاب إلى وجهات عملهم في المشاريع الزراعية البعيدة، إذ لا تزال الطرقات غير آمنة،

فضلاً عن تزايد عمليات النهب تحت تهديد السلاح". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ولفت إلى أن "غالبية السكان اضطروا إلى الزراعة في المنازل والمساحات الفارغة في الأحياء، خصوصاً المطار والقلعة وأقوز وقعر الحجر، وعلى رغم تراجع الإنتاج مقارنة بالمساحات الزراعية الكبيرة،

فإن السكان قادرون على توفير الأمن الغذائي للأسر". ونوه عوض إلى أنه "بعد النجاح الذي لاقته تجربة الزراعة في المنازل وداخل الأحياء وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بدأنا نمد الجيران في الأحياء القريبة ببعض حاجاتهم من الذرة والخضراوات، بعدها ازدادت التجربة رواجاً وسط كثير من الأسر في مواجهة ظروف الندرة والغلاء الطاحن".

حلول وخيارات على الصعيد نفسه، أوضح أبوعاقة الفاتح، من مواطني مدينة كادوقلي، أن "أزمة الغذاء نتيجة إغلاق الطرق وتوقف إمدادات السلع دفعت سكان عاصمة ولاية جنوب كردفان للزراعة في مساحات صغيرة خلف المنازل لتأمين الغذاء وتسويق بقية المحاصيل لشراء حاجاتهم الضرورية".

وبين الفاتح أن "التجربة تعد من ضمن الحلول التي لجأ إليها سكان كادوقلي في ظل ظروف الحرب، وشكلت خياراً جيداً نجح في تأمين حاجات ضرورية لمن تبقى من السكان، واستفاد البعض من عوائدها من خلال توفيرها بالأسواق المحلية، لا سيما محاصيل الذرة والدخن والفول السوداني،

وكذلك الخضراوات على أنواعها". وتابع "تركيز السكان في زراعة الخضراوات انحصر على أنواع سريعة النمو والنضج إلى جانب فائدتها في مثل هذه الظروف، مثل البامية والملوخية والكوسا والبطيخ والخيار، ومعظمها لا تزيد الفترة بين زراعتها وحصادها على الشهرين".

وفرة وبدائل من جانبها أشارت مكارم حسين التي تسكن منطقة تافري، إلى أن "غالبية السكان لجأوا للبحث عن بدائل لسد النقص في الخضراوات باستغلال المساحات الداخلية للمنازل وبعض القطع السكنية الفارغة بين البنايات والمساكن المجاورة". يتحدر غالبية سكان ولاية جنوب كردفان من أصول ريفية ومجتمعات زراعية (أ ف ب)​​​​​​​ وأضافت "بدأت واثنان من جيراني في الحي الزراعة داخل منازلنا ببعض خضراوات سريعة الإنبات والإنتاج مثل الجرجير والعجور والبامية والفجل والشمار والبطيخ، ونجحت التجربة بصورة كبيرة نظراً إلى طبيعة الأرض في جنوب كردفان".

ولفتت حسين إلى أن "انتشار الزراعة المنزلية في الآونة الأخيرة سببه الظروف التي أجبرت المواطنين على البحث عن حلول لأزمة الغذاء المتفاقمة، فيزرع الناس حالياً الذرة والدخن، وكذلك الخضراوات مثل البامية والبامبي والملوخية والجرجير والذرة الشامية وغيرها، وقد باتت متوفرة ولم يعد هناك من يجهد نفسه في البحث عنها".

تنمية ريفية  على نحو متصل رأي الباحث في السياسات الغذائية صلاح مضوي، أن "غالبية سكان ولاية جنوب كردفان ينحدرون من أصول ريفية ومجتمع زراعي، وبخاصة سكان الأحياء التي تتميز بوجود حوش (فناء) واسع، وهم الآن يستفيدون من تلك المساحة داخل بيوتهم لزراعة الذرة والدخن،

وأنواع عديدة من الخضراوات التي لا تحتاج إلى كثير من الخبرة والوقت". ويعتقد مضوي أن "الزراعة المنزلية تسهم في الأمن الغذائي لعديد من الأسر كجزء من عملية التنمية الريفية، وهي بلا شك من ضمن الحلول المريحة، وقد لجأ إليها الناس خصوصاً في الأحياء السكنية،

وشكلت خياراً جيداً نجح في تأمين حاجات ضرورية لمن تبقى من السكان، واستفاد البعض من عوائدها من خلال توفيرها بالأسواق المحلية ولو على نطاق محدود، لكنه قابل للتوسع وقد يمتد ويتحول إلى سلوك دائم حتى بعد انتهاء الحرب لما فيه من فائدة". وأردف الباحث في السياسات الغذائية "فكرة الزراعة المنزلية في شكلها العام وفي ظل ظروف الحرب تدعم الاقتصاد الأسري لذوي الدخل المحدود،

فضلاً عن أن السكان غالباً ما يجدون الحل في الزراعة داخل منازلهم بما يضمن لهم تنوع الغذاء وتقليل الكلف في الوقت نفسه".