صدر عن إحدى دور النشر المصرية كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة بلغة عذبة وشعرية لعدد من المشاريع الشعرية الإبداعية، مركزاً على جماليات القصيدة العربية وتحولاتها.ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة، وأنساق لغوية وجغرافية متعددة،

من بينها تجارب محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع،

وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني،

وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز،

وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد،

وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.ويشير القصاص في مقدمته إلى أنه كتب هذه القراءات على مدار سنوات فرحاً بالشعر والشعراء،

معتمداً على خبرته كشاعر بوصلة أولى للنظر بعين القارئ والناقد معاً. ويرى أن هذه النماذج تشكل تمثيلاً مرضياً لمتابعة الحركة الشعرية العربية، ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، منذ مرحلة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.ويؤكد الناقد أن المشكل الأساسي الذي يواجه هذه الشعرية هو أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي»،

مما أنتج نظرة عقلانية للشعر باعتباره فناً خالصاً لذاته. ويضيف أن الصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، بل هي ابنة الروح في ومضها وهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري. ويرى أن جوهر الشعر يكمن في جعلنا نحس بحريتنا وحداثة قابعة في داخلنا،

علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة.وعلى الرغم من إيمانه بضرورة التجريب، يتوجس القصاص من الأفكار الوافدة من بيئات أخرى، ولا يثق في الأيديولوجيا التي غالباً ما تنطوي على خطاب زائف.

ويتساءل: لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟حلمي سالم: الشعر ينتصر على المرضويتناول القصاص تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان مريضاً استثنائياً.

أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر. ومع اشتداد ضراوة المرض، تخلى عن العداء له واتجه إلى مصادقته،

وهي الفكرة التي جسدها في ديوانيه «مديح جلطة المخ» و«الثناء على الضعف». بنى حلمي استراتيجيته على التسامي، معتبراً المرض مجرد محطة، رغم إدراكه أنها المحطة الأحرج.

ظل يقاوم بشراسة ليؤجل لحظة الوصول إلى حيث ينتهي الجسد وتنفتح الروح على حياة أخرى.وثبت حلمي صورة العائلة في المشهد الشعري، متعاملًا معها كحقيقة حية في طبقات الجسد والروح والتاريخ. في قصيدة «تحليل دم» يستحضر أسرته قائلاً: «قلت لشقيقة النهر أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان عيون القطط ورائحة «زاهية» رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء» وبسببي حفظت مستشفيات القطر».فاضل السلطاني: هاجس التحولويتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، حيث يرى القصاص أن هاجس التحول يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه.

في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة»، يتنوع هذا الهاجس مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً. ويكشف الهاجس في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان،

حيث البصري والحسي ضلعان يلتقيان في نقطة الذروة، صانعة تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.الدال المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين محدد.

يطالعنا النص الذي يستهل به الشاعر القسم الأول: «هل تذكرين؟ كنتِ في وسط الصورة وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض وكنت أحار كيف أميز العازف من العزف؟ والراقص من الرقص؟ كنت تجلسين وسط الصورة لاهية عن الموسيقى عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد صورة في إطار وكنت أحار كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟ لكنك كنت تبتسمين لاهية عن اللحظة وهي تكبر خلف الإطار».رفعت سلام: أحجار اليقين والإرادةأما تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها شعريته، وتعبّر عن موقفه من العالم والواقع.

تشكل هذه الأحجار متوالية نصية تتمتع بالصلابة والوضوح، إذ لا يقين من دون الوثوق به ولا إرادة تدل عليه. انحاز رفعت منذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود،

متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته لأنه ينطوي على مساحة يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك في صناعة النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة قد تشارف الجنون والمغامرة التي تهدد بنسف النافذة نفسها. وظلت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على هم التجريب الذي انصب على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص،

كفضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز ضمن حقول دلالية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح.