منذ اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل 2023، أصبحت التحويلات المالية من الخارج شريان حياة لملايين السودانيين. فما كان يُعتبر قبل الحرب دعماً للأسر أو وسيلة لتحسين مستوى المعيشة، تحول اليوم إلى مورد أساسي يحدد قدرتهم على توفير الغذاء والدواء والإيجار والعلاج والتعليم،

في ظل واحدة من أسوأ أزمات النزوح والانهيار الاقتصادي في تاريخ البلاد الحديث.وخلف عناوين المعارك واتساع رقعة الدمار، تتشكل يومياً قصة أخرى أقل ظهوراً لكنها لا تقل تأثيراً، تنسجها شبكات خفية تبقي المجتمع السوداني على قيد الحياة عندما تتعطل مؤسسات الدولة وتتآكل سبل العيش. فمن دول الخليج إلى أوروبا،

ومن الولايات المتحدة وكندا إلى أستراليا، يتحمل ملايين السودانيين في المهجر عبئاً اقتصادياً وإنسانياً متصاعداً، بعد أن أصبحت تحويلاتهم المصدر الأكثر استقراراً لدخل أسر فقد كثير من أفرادها وظائفهم أو انقطعت رواتبهم أو استنفدوا مدخراتهم.لم يقتصر هذا الدور على إعالة الأقارب، بل امتد إلى تمويل مبادرات مجتمعية لتوفير الغذاء والدواء ودعم مراكز الإيواء والمناطق المتضررة،

في مشهد يعكس انتقال جزء من وظائف الحماية الاجتماعية من مؤسسات الدولة إلى المواطنين أنفسهم. لكن هذه الأموال التي تمثل اليوم شرياناً مالياً حيوياً، تسلك في معظمها مسارات موازية للنظام المصرفي الرسمي. فالمغترب السوداني الذي يسعى إلى تعظيم القيمة التي تصل إلى أسرته يجد نفسه أمام خيارين غير متكافئين: قنوات مصرفية تقدم أسعار صرف تقل كثيراً عن أسعار السوق،

أو شبكات تحويل غير رسمية توفر سعراً أعلى وإجراءات أسرع.في ظل اتساع الفجوة بين السعرين، يصبح القرار شبه محسوم بالنسبة إلى غالبية المرسلين. وهكذا، يتحول قرار فردي تمليه ضرورات البقاء إلى ظاهرة اقتصادية واسعة النطاق،

تغذي السوق الموازية، وتستنزف احتياطات النقد الأجنبي، وتفاقم الضغوط على الجنيه السوداني، ليدخل البلاد في حلقة مفرغة يصبح فيها ما ينقذ الأسر اليوم أحد العوامل التي تعمق هشاشة الاقتصاد على المدى الأبعد.شريان حياةلم تكن تحويلات السودانيين في الخارج بمنأى عن التحولات الاقتصادية والسياسية التي عصفت بالبلاد خلال العقدين الماضيين،

إضافة إلى التغيرات العالمية. فمنذ الطفرة النفطية في منتصف العقد الأول من الألفية، مروراً بالأزمة المالية العالمية عامي 2008 و2009، ثم انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الخرطوم معظم عائداتها النفطية،

وصولاً إلى أعوام الاضطراب السياسي التي انتهت بسقوط النظام السابق عام 2019، ظلت تدفقات أموال المغتربين تتأرجح بين الحاجة الوطنية المتزايدة والسياسات التي أخفقت في استقطابها عبر القنوات الرسمية.يقدر عدد السودانيين المهاجرين والمغتربين بنحو 6 ملايين شخص. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن السودان يمتلك واحدة من أكبر الجاليات في الخارج. وبينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تحويلات السودانيين بلغت أكثر من ملياري دولار سنوياً خلال الأعوام التي سبقت انفصال الجنوب،

لم يسجل بنك السودان المركزي سوى 271 مليون دولار عبر الجهاز المصرفي عام 2018، مما يعكس انتقال القسم الأكبر من التدفقات إلى السوق الموازية. كذلك أعلن جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين في الخارج أن التحويلات الرسمية عام 2019 لم تتجاوز 150 مليون دولار، على رغم اتساع قاعدة السودانيين العاملين في الخارج.ويرى خبراء الهجرة والتنمية أن هذه الفجوة لم تكن نتيجة عزوف السودانيين في الخارج عن دعم بلادهم،

بقدر ما كانت انعكاساً لسياسات اقتصادية اعتمدت لأعوام على الرسوم والجبايات أكثر من بناء الثقة وتوفير الحوافز. فبدلاً من النظر إلى الهجرة على أنها رصيد تنموي ومصدر مستدام للنقد الأجنبي والاستثمار ونقل الخبرات، جرى التعامل مع المغتربين بوصفهم مورداً مالياً قصير الأجل، في وقت ظلوا يطالبون بخدمات وحماية في مجالات التعليم والصحة والإسكان تتناسب مع مساهماتهم الاقتصادية.عام 2020،

خلص تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان "إمكانات تحويلات السودانيين في الخارج" إلى أن التحويلات السنوية التي قدرها بنحو 3 مليارات دولار، تمثل "شريان حياة" للاقتصاد السوداني، ومورداً بالغ الأهمية للعملة الأجنبية ودعم الأسر والاستثمار. وحذر التقرير من أن استمرار تدفق هذه الأموال خارج النظام المالي الرسمي يحرم الاقتصاد من أحد أهم موارده،

داعياً إلى إصلاحات مصرفية ومؤسسية تعيد بناء الثقة بين الدولة وجالياتها في الخارج، وتحول التحويلات من وسيلة للبقاء إلى رافعة للتنمية والتعافي الاقتصادي.نمط التحويلاتإضافة إلى ما أحدثته الحرب من تغيير هيكلي على جسد الاقتصاد السوداني، فإنها أعادت أيضاً تعريف دور السودانيين في الخارج. فالمغترب الذي كان يرسل جزءاً من دخله لتحسين مستوى معيشة أسرته،

أصبح اليوم يتحمل، في كثير من الحالات، مسؤولية إعالة عائلات ممتدة فقدت مصادر دخلها بالكامل. ويشير باحثون في اقتصاد الهجرة إلى أن التحويلات في الدول الهشة تتحول أثناء النزاعات من مورد استثماري إلى أداة للحماية الاجتماعية،

إذ تتجه النسبة الأكبر منها إلى تمويل الغذاء والدواء والإيجارات ورسوم التعليم بدلاً من الادخار أو الاستثمار، وهو النمط الذي بات يميز الحالة السودانية منذ اندلاع الحرب.وتعكس الأزمة الإنسانية المتفاقمة حجم هذا التحول، فوفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين داخلياً 10 ملايين شخص،

فيما تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ملايين آخرين عبروا الحدود إلى دول الجوار، مما جعل السودان يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد التحويلات تغطي حاجات الأسر داخل البلاد فحسب،

بل أصبحت تمول أيضاً كلف النزوح والإقامة في دول اللجوء والعلاج ولمّ شمل العائلات التي فرقتها الحرب.ويوضح الباحث الاقتصادي عمر سيد أحمد أن المغترب السوداني يواجه معضلة يومية، فهو مطالب بزيادة دعمه لأسرته في وقت ترتفع كلف المعيشة في بلدان الاغتراب أيضاً. ويرى أن المشكلة لا تكمن في عزوف المغتربين عن استخدام القنوات الرسمية، وإنما في غياب حوافز مصرفية تجعلها منافسة لشبكات التحويل غير الرسمية من ناحية السعر والسرعة وسهولة الوصول.

ويضيف أن استمرار هذه الفجوة يحرم الاقتصاد السوداني من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، بينما تستفيد منها شبكات السوق الموازية التي أصبحت، بحكم الأمر الواقع، الوسيط الرئيس بين المغترب وأسرته.سوق موازيةيرى مصرفيون أن الاقتصاد الموازي لم يعد ظاهرة هامشية،

بل تحول بفعل الحرب إلى قناة تمر عبرها غالبية التدفقات المالية، في وقت فقد الجنيه السوداني أكثر من ثلاثة أرباع قيمته منذ بداية الحرب، وارتفع سعر صرف الدولار من نحو 600 جنيه سوداني إلى ما يزيد على 3700 جنيه في السوق الموازية. ولا تقتصر آثار هذا التحول على السودان وحده،

بل تمتد إلى دول اللجوء. ففي مصر التي تستضيف أكثر من 750 ألف لاجئ سوداني مسجل، يعتمد آلاف منهم على تحويلات أقاربهم في الخارج لتغطية الإيجارات والعلاج والغذاء، بينما تعوق القيود المصرفية ونقص الوثائق الرسمية وصول كثير منهم إلى الخدمات المالية النظامية.وقال الأمين العام لجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين في الخارج عبدالرحمن سيد أحمد في وقت سابق إن "السودان فقد تدفقات سنوية تراوحت ما بين 4 و6 مليارات دولار بعد اندلاع الحرب،

إذ تحولت نسبة كبيرة من تحويلات المغتربين إلى أسرهم التي لجأت إلى مصر ودول الجوار، بدلاً من دخولها إلى الاقتصاد المحلي، مما فاقم شح النقد الأجنبي وزاد الضغوط على ميزان المدفوعات".وتروي المواطنة فتحية حسين أن أسرتها في أم درمان تعيش على ما يرسله أقاربها في الخارج، لكن الحصول على الأموال كان مكلفاً بقدر صعوبة إرسالها في البداية.

وتوضح "مع انقطاع الاتصالات وانعدام السيولة، اضطررنا إلى اللجوء لوسطاء يقتطعون أحياناً نحو 20 في المئة من قيمة التحويل مقابل تسليمها نقداً، ولكن الآن تصل كاملة ولكن غير كافية مع ارتفاع الأسعار والتضخم". أما أحمد عبدالرحيم،

وهو طبيب سوداني يعمل في إحدى دول الخليج، فيقول إن الحرب لم تترك لأسرته أي مصدر دخل آخر، مضيفاً "أصبحت أحول معظم راتبي شهرياً، ولم أعد أعيل أسرتي فقط،

بل أقارب وأصدقاء فقدوا كل شيء".شبكة أمانعلى رغم كل ما فرضته الحرب من انهيار اقتصادي وتشظٍ اجتماعي، تظل تحويلات السودانيين في الخارج واحدة من أكثر الموارد المالية استقراراً وقدرة على الوصول مباشرة إلى الأسر. ففي الاقتصادات المتأثرة بالنزاعات، تشير خبرات البنك الدولي والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن التحويلات غالباً ما تكون أكثر صموداً من الاستثمار الأجنبي والمساعدات الإنمائية،

لأنها تستند إلى روابط عائلية لا تنقطع بتغير الحكومات أو اشتداد الأزمات.غير أن هذه الميزة لا تعني أنها مورد غير محدود. فكل شهر يمر يفرض ضغوطاً متزايدة على ملايين السودانيين في المهجر الذين يواجهون بدورهم ارتفاع كلف المعيشة واتساع دائرة الأقارب الذين يعتمدون على دعمهم، مع استمرار النزوح وتعطل النشاط الاقتصادي داخل السودان. وإذا استمرت معدلات التضخم وتدهور سعر صرف الجنيه،

فإن القوة الشرائية لهذه الأموال ستتآكل تدريجاً، مما يعني أن المبلغ الذي كان يكفي لإعالة أسرة قبل عامين قد لا يغطي اليوم سوى جزء من حاجاتها الأساسية.ومع ذلك، لا يخلو المشهد من فرص يمكن البناء عليها، فالسودان يمتلك جالية كبيرة في الخارج،

بما تحمله من مدخرات وخبرات وشبكات مهنية تمتد عبر القارات. وإذا نجحت الدولة، في مرحلة التعافي، في استعادة الثقة بالنظام المالي وتوحيد سوق الصرف وخفض كلفة التحويلات وتوسيع الشمول المالي عبر أدوات رقمية حديثة،

فإن جزءاً كبيراً من هذه التدفقات يمكن أن يعود للقنوات الرسمية، ليس بوصفه مصدراً للنقد الأجنبي فحسب، بل رافعة لإعادة الإعمار والاستثمار. وحتى يحين ذلك،

ستظل تحويلات المغتربين تؤدي دوراً يتجاوز قيمتها المالية، فهي تمثل بالنسبة إلى ملايين السودانيين آخر شبكة أمان اجتماعي في بلد أنهكته الحرب، وأحد أهم الجسور التي تربط الأسر بالحياة، وتبقي الأمل قائماً في أن التعافي،

مهما طال انتظاره، لا يزال ممكناً.