يظهر تخطيط الأحياء السكنية في المدن الإسلامية القديمة، الممتدة من آسيا الوسطى إلى شمال أفريقيا، نظامًا عمرانيًا متماسكًا يجمع بين البساطة والبهجة مع مراعاة الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي. وقد خضعت هذه التصاميم لقوانين غير مكتوبة تضمن التوازن بين الفضاءات العامة والخاصة.الأماكن العامة والخاصةكانت الأماكن العامة تتوزع على جانبي الشارع التجاري الرئيسي،
وتشمل الأسواق المركزية المغطاة والمكشوفة، والمساجد الكبرى، والحمامات، وورش الحرفيين.
وتتفرع من هذا المحور أنشطة الأحياء السكنية كالمساجد المحلية والمقاهي، مع ارتفاع ملحوظ في بعض المساكن. في المقابل، كانت الأماكن الخاصة تقع في الحواري الضيقة والمسالك المسدودة،
وتتميز بواجهات منخفضة الارتفاع وفتحات محدودة، مع التزام بارتفاع ثابت للمباني باستثناء المساجد.الرحبات كمناطق التقاءشكلت الرحبات (الساحات العامة) نقاط تلاقٍ للشوارع وتوسطت الأحياء، وكان اتساعها يسمح بوجود الباعة الجائلين، مما أدى إلى تسميتها باسم التجارة السائدة فيها.
كما ضمت بعض الرحبات مرافق عامة مثل الآبار العامة، كما في رحبة مسجد الدرعي بالفسطاط التي احتوت على بئر ماء عامة، مما يعد مؤشرًا على بدايات نظام الأسبلة والصهاريج في مصر.خصائص الأحياء السكنيةكانت الأحياء تمثل وحدات إدارية واجتماعية متماسكة، يسكنها مجتمع متجانس نسبيًا تربطه روابط دينية أو عرقية أو مهنية.
ورغم ذلك، لم تكن الأحياء مقسمة حسب الطبقات الاجتماعية، بل عاش الغني والفقير جنبًا إلى جنب، متشاركين في المرافق العامة.
وكان للحي رئيسه ومجلسه، ويعد وحدة دفاعية في أوقات الاضطرابات، مع إمكانية حراسة بواباته ليلاً. كما اتصلت الأحياء بعضها عضوياً دون فواصل معمارية حادة.وقد راعى التخطيط فصل الكتل المعمارية بفراغات تتصل بشوارع الحي،
لتوفير الضوء والتهوية. هذا النمط، رغم انتشاره لاحقًا في الدول الغربية، كان متجذرًا في التصميم العمراني الإسلامي الذي لم يدرك جدواه وفق خصوصية كل بيئة.
وتميزت المدن الإسلامية بتعدد الأفنية وتداخلها لاستقطاب الحياة الأسرية إلى الداخل، فيما انسابت الأسواق المغطاة كشرايين تربط الأحياء المختلفة.