في إحدى أسواق أم درمان، ثاني مدن العاصمة السودانية المثلثة، يقف محمد جمال، موظف في الأربعين من عمره،
متأملاً أسعار السلع التي تتغير بوتيرة متسارعة، ويقول: "لم تعد رواتبنا تكفي لأيام قليلة، فكلما ارتفع سعر الدولار ارتفعت معه الأسعار، حتى أصبح التخطيط لمتطلبات الحياة اليومية أمراً بالغ الصعوبة".
تعكس هذه الصورة واقع أزمة متفاقمة في السودان، إذ يواصل الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية، على رغم تدخلات البنك المركزي لمحاولة ضبط سوق الصرف. وبين سياسات الضخ ومحاولات التهدئة،
تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة هذه الإجراءات على تحقيق استقرار فعلي في ظل تعقيدات اقتصادية متزايدة.يعتمد البنك المركزي في سياسته الحالية على توفير النقد الأجنبي لتمويل الواردات عبر البنوك، في محاولة لتقليل الضغط على السوق الموازية. يؤدي هذا الإجراء نظرياً إلى الحد من لجوء المستوردين إلى السوق السوداء، وبالتالي تخفيف الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية.
إضافة إلى أن تمويل الاستيراد من الاحتياطات الرسمية يسهم في حماية ما تبقى من النقد الأجنبي، ويدعم استقرار سعر الجنيه على المدى القصير. لكن هذه السياسة تظل، بحسب متخصصين في الاقتصاد،
محدودة التأثير، خاصة في ظل ضعف الاحتياطات الأجنبية وغياب تدفقات مستدامة من العملات الصعبة.يقول المحلل الاقتصادي هيثم فتحي إن "تمويل الاستيراد من الاحتياطات الرسمية يمنع تهافت المستوردين على السوق السوداء، ويدعم قيمة الجنيه السوداني، لكنه يظل إجراء مكلفاً إذا لم يكن مستنداً إلى موارد مستدامة من النقد الأجنبي".
ويضيف أن "تثبيت سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه من خلال ضخ مزيد منها في السوق المحلية يظل خياراً مكلفاً، كما أنه عرضة للمضاربات، إذ يتأثر المضاربون بالأخبار المتعلقة بتدخل البنك المركزي فيتجهون إلى التخلص من الدولار موقتاً قبل أن تعود الضغوط مجدداً". ويصف هذا النمط من التدخلات بـ"الإدارة بالأدوات المحدودة"،
حيث يحاول البنك تحقيق التوازن في سوق شديدة التعقيد باستخدام موارد محدودة، في وقت تتزايد الضغوط على العملة المحلية بصورة مستمرة.في المقابل، تظل السوق الموازية، أو ما يعرف بالسوق السوداء،
العامل الأكثر تأثيراً في تحديد سعر الصرف في السودان. فهذه السوق لا تخضع للرقابة الرسمية، وتنشط فيها عمليات المضاربة التي تسهم في رفع سعر الدولار بصورة مستمرة. ويشير فتحي إلى أن "السوق السوداء لا تختفي بمجرد صدور قرار إداري،
بل تنكمش أو تتمدد وفق الفارق بين السعر الرسمي وسعر التوازن، أو عندما يكون الوصول إلى الدولار عبر القنوات الرسمية محدوداً". ويرى أن المضاربات على الدولار تمثل أحد أبرز التحديات المالية التي تواجه الاقتصاد السوداني، إذ تدفع إلى زيادة ظاهرة الدولرة،
أي الاعتماد المتزايد على الدولار كوسيلة للادخار والتبادل، مما يضعف الثقة في العملة المحلية. ويضيف أن المضاربات ليست ظاهرة جديدة، لكن خطورة الوضع الحالي تكمن في اتساع نطاق هذه الأنشطة وغياب القدرة على قياس حجم الأموال المتداولة فيها بدقة،
نظراً لكونها خارج الاقتصاد الرسمي.لا يمكن فهم أزمة سعر الصرف في السودان بمعزل عن السياق الأوسع الذي يمر به الاقتصاد، إذ تتداخل عوامل هيكلية عدة تسهم في استمرار تدهور الجنيه. وتأتي الحرب في مقدمة هذه العوامل، حيث أدت إلى تعطيل الإنتاج،
وتراجع الصادرات، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية الاقتصادية. كذلك يعاني الاقتصاد من ضعف النظام المصرفي، وغياب الثقة فيه،
مما يدفع الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج القنوات الرسمية، أو تحويلها إلى عملات أجنبية. إلى جانب ذلك، يسهم غياب سياسات مالية منضبطة في زيادة حجم السيولة النقدية،
وهو ما يفاقم الضغوط على سعر الصرف.يؤكد المحلل المصرفي لؤي عبدالمنعم أن "الاعتماد على الدعم الخارجي، مثل الودائع من الدول الشقيقة، قد يوفر متنفساً موقتاً، لكنه لن يكون حلاً دائماً.
فأية خطوة فيها اعتماد كامل على الخارج من دون أن تتبعها خطوات داخلية كافية تكون مثل الباب الذي يجلب الريح، بمعنى تدوير الأزمة من جديد". ويلفت إلى أن مواجهة الأزمة تتطلب سياسات مالية وائتمانية ونقدية متكاملة، تعمل على تقليل الطلب على الدولار في السوق الموازية،
وتعزيز الثقة في الاقتصاد المحلي. ويشير إلى أن الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي، مثل توفير العملة الصعبة عبر نوافذ البنوك، أسهمت بالفعل في إحداث تراجع نسبي في أسعار العملات الأجنبية خلال الفترة الأخيرة،
لكن هذا التأثير يظل محدوداً ويحتاج إلى استمرارية وإجراءات موازية.في ظل هذه التعقيدات، يظل المواطن السوداني هو الطرف الأكثر تأثراً بتقلبات سعر الصرف، إذ تنعكس أية زيادة في سعر الدولار بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات. ومع استمرار تدهور الجنيه،
تتراجع القدرة الشرائية بصورة حادة، مما يزيد من الضغوط المعيشية على الأسر. ويوضح عبدالمنعم أن مواجهة جشع بعض التجار لا تتوقف بمجرد وجود وديعة أو تدخل موقت، بل تتطلب سياسات مالية وائتمانية ونقدية متكاملة،
وشراكة حقيقية بين البنك المركزي والحكومة، لا سيما وزارة المالية، إلى جانب دور وزارة التجارة في ضبط الأسواق والسيولة النقدية.