تحظى الترجمة الفرنسية الجديدة لرواية «مون تايغر» للبريطانية بنيلوبي لايفلي بعنايةٍ لافتةٍ من الصحافة الأدبية هذه الأيام؛ فقد استقبلتها المراجعات النقدية بحفاوةٍ تكاد تبلغ الإجماع، وأفسحت لها من المساحة ما لا يُفسح عادةً إلا لعملٍ جديدٍ. المفارقة أن الرواية نفسها، على ما لها من مكانة بوصفها فائزةً بجائزة «بوكر»،

مرّت في فرنسا مرور الغريب يوم نُقلت إلى اللغة الفرنسية أول مرة سنة 1989 تحت عنوان «ثعبان القمر». فلم يتوقف عندها أحد، ولم تُثر ضجةً تُذكر، ثم انزلقت إلى النسيان أكثر من 30 سنة كاملة.

وقد كتبت مجلة «ليفر إيبدو»، المتخصصة في شؤون النشر، أن الرواية ظلّت منسيةً منذ ترجمتها الأولى، وأنها «تستعيد اليوم مكاناً مرموقاً بفضل هذه الترجمة الجديدة من إمضاء بول غيفارش».

الجدير بالتأمل في هذا كله ليس لأنها رواية جيدة عادت إلى الواجهة، فذلك يحدث كثيراً، إنما الوسيط اللغوي نفسه، أي الترجمة،

هو الذي صار الحدث الأدبي. فالنص لم يتغير فيه حرفٌ واحدٌ منذ 1987،

وما تغير هو اللغة التي تصل بها إلينا. أين يكمن الفرق؟ ماذا حدث إذاً حتى تمرّ الرواية أول مرة كأنها لم تكن، ثم تعود بعد 39 سنة فتُقرأ كأنها كُتبت البارحة؟

ليس هناك جواب واحد قاطع، بل جملة أسباب يشدّ بعضها أزر بعض. أوّلها أسلوب المترجم نفسه: فقد حملت الطبعة الأولى توقيع ريمون لاس فيرنيا، وهو عَلَمٌ

من أعلام الأدب الإنجليزي في الجامعة الفرنسية، أستاذٌ جليل ومترجمٌ لثاكري وكونراد،

غير أن ثقافته كانت ثقافة أستاذ من الطراز الكلاسيكي، أنيقة رصينة تميل بالجملة إلى الاستقامة والوقار. وهذه فضيلة في كثير من النصوص، لكنها قد تكون عبئاً حين يكون الأصل صوتَ امرأةٍ لاذعة تتكلم بلا استئذان كشخصية كلوديا هامبتون في «مون تايغر»،

ولذا فقد جاءت ترجمته وقد خفتت ما في الإنجليزية من حِدّة وسخرية وتوتر، وحلّ محلّ النبرة الجارحة نثرٌ مصقولٌ لا يجرح أحداً.

ثم يأتي العنوان شاهداً ثانياً: إذ آثرت دار «ستوك» آنذاك أن تُسمّي الرواية «ثعبان القمر»، فاختارت صورةً شعرية غامضة على حساب معنى العنوان الأصلي، وهو اسمٌ تجاري بسيط للفافةٍ طاردة للبعوض تحترق ببطء حتى تصير رماداً؛ بهذا الاستبدال ضاعت الاستعارة التي يقوم عليها الكتاب كله،

استعارةُ الحياة التي تتآكل في صمت. ويبقى سببٌ ثالث لا يقلّ عن سابقيه: وهي الطريقة التي قدّم بها الناشر الرواية سنة 1989، حين عُرضت بوصفها تأملاً أنيقاً في «مسألة الزمن» و«لوحةً ملوّنة» بقلمٍ «مرح ولاذع»،

أي بوصفها تمريناً أسلوبياً بارعاً لا شهادةَ امرأةٍ عن قرنٍ كامل ومحرّماتٍ لا تُقال. كل هذه العوامل وغيرها جعلت رواية البريطانية بنيلوبي لايفلي تمر في حقبة الثمانينات دون أن تترك أثراً. أما اليوم فالنبرة مختلفة تماماً، ففي «ليفر إيبدو»،

وهي المرجع المهني لسوق الكتاب في فرنسا، وصفت الناقدة ماري فوكيه العمل بأنه «فخم»، وأسمت بناءه «حكاية لولبية»، لأن السرد يدور حول نفسه ويعود إلى المشهد الواحد من أكثر من زاوية.

وفي مجلة «كولاترال» الأدبية، تحت عنوان «كاليدوسكوب وجودي»، نقرأ في مايو (أيار) الماضي أن لكلوديا بطلة الرواية «حضوراً لا يُصدَّق»، وأن قصة الحب التي تؤجّل البوح بها إلى آخر الكتاب هي التي «تشحن الرواية بالكهرباء» وتفتح فيها شقوقاً تتسلل منها «شمس القاهرة».

مع ذلك فالكتاب هو نفسه لم يتبدّل، لكن الحكم عليه انقلب رأساً على عقب بعد 40 سنة. هل تشيخ الترجمات؟ المسألة إذاً ليست مفاضلةً بين ترجمة رديئة وأخرى جيدة.

ففي بحث تأسيسي نشر سنة 1990 في مجلة «باليمبسست» (la revue Palimpsestes)، وتحت عنوان «إعادة الترجمة بوصفها فضاءً للترجمة»، توقّف المنظّر الفرنسي أنطوان بيرمان عند مفارقة ما زالت أساس النقاش إلى اليوم: النصوص الأصلية لا تشيخ، أما ترجماتها فتشيخ.

ومن هنا خلص إلى أن الترجمة عملٌ لا يكتمل من المرة الأولى، وأن إعادة الترجمة وحدها قادرة، بين حين وآخر،

على بلوغ ما فات الأولى. وفي العدد ذاته وضع الناقد والمترجم الفرنسي بول بنسيمون تمييزاً صار كلاسيكياً في هذا الباب: الترجمة الأولى تعريفٌ قبل كل شيء، تُدخل كاتباً مجهولاً إلى ثقافة لا تعرفه،

فتخفّف غرابته وتقرّبه من ذائقة قرائه الجدد. أما الترجمة الثانية فتأتي وقد صار الكاتب معروفاً، فتتحرر من عبء التعريف وتنصرف إلى ما في النص من خشونة وخصوصية أسلوبية. ولهذا أسمّت الباحثة إيزابيل كولومبا القرن الحادي والعشرين بـ«عصر إعادة الترجمة».

روايات عادت من الظل الأمثلة كثيرة: أشهرها في فرنسا وإنجاز المترجم أندريه ماركوفيتش الذي أقنع هوبير نيسن، مؤسس دار نشر «أكت سود»، بإعادة ترجمة الأعمال الروائية الكاملة لدوستويفسكي في 10 سنوات. فأعاد ترجمة «المقامر» سنة 1991 ثم «الجريمة والعقاب» سنة 1996،

لتنقلب صورة الروائي الروسي عند الفرنسيين رأساً على عقب، بعد أن كانت المدرسة الفرنسية في الترجمة تميل إلى تنعيم الأصل وتجميل عباراته، حتى خرج دوستويفسكي من بين أيديها أنيقاً مصقولاً، أعاده ماركوفيتش متلعثماً خشناً متوتراً،

أي كما هو في لغته الأم. ولم تكن العملية تصحيحاً لغوياً، بل جاءت تعريفاً جديداً بكاتبٍ ظنّ الناس أنهم قرأوه. ويصحّ الكلام نفسه على «الجبل السحري» لتوماس مان،

حيث ظلّ الفرنسيون يقرأونه منذ 1931 في ترجمة موريس بيتز التي أنجزها في سنة واحدة، إلى أن قدّمت كلير دو أوليفيرا سنة 2016 ترجمةً استغرقت خمس سنوات، أعادت إلى الرواية سخريتها وجرأة حواراتها بعدما هذّبها النص الأول، ونالت عليها جائزة «جول جانان» من الأكاديمية الفرنسية.

وحين دخلت أعمال سكوت فيتزجيرالد الملكية العامة في فرنسا سنة 2011، ظهرت ترجمتان متنافستان لـ«غاتسبي العظيم»: واحدة للروائية جولي فولكنشتاين أثارت جدلاً واسعاً بإفراطها في المعاصرة، وأخرى لفيليب ياوورسكي ضمن سلسلة «لابلياد»، اعتبرها الكثير أفضل ترجمة لرواية «غاتسبي العظيم» على الإطلاق.

وقد لخص هذا الأخير المسألة بعبارة استعارها من بروست، مفادها أن الكتب الجميلة كلها مكتوبة بلغة أجنبية نوعاً ما، وأن هذه اللغة، لا الإنجليزية،

هي ما ينبغي نقله.الترجمة الثانية ليست أفضل من الأولى لأنها جاءت بعدها فحسب، بل لأنها تُنصت إلى النص بعد أن هدأت ضجّة استقباله الأول، فتردّ إليه ما ابتلعته العجلة أو هذّبته الذائقة. وهذا ما حدث لـ«مون تايغر»: لم تُكتب من جديد،

لكنها وجدت أخيراً اللغة التي تليق بها، والقارئ الذي يعرف كيف يُصغي لها.