مع التطور الهائل والمتسارع الذي تقوده مسيرة التحول الرقمي، بات دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في صلب المنظومات السيبرانية للمؤسسات الكبرى والمشاريع الحيوية ضرورة حتمية وليست مجرد خيار إضافي. وتبرز حاجة ملحة لحلول أمنية تتسم بالسرعة الفائقة وسهولة الاستخدام الفعالة لصد التهديدات المتقدمة التي تستهدف مختلف طبقات البنية التحتية والشبكات والتطبيقات وحركة البيانات المتبادلة، في ظل الاعتماد المتنامي على الأنظمة الذكية لتشغيل الأعمال واتخاذ القرارات.
وتؤكد هذه المعطيات أهمية تبني مقاربة شمولية ترصد تفاصيل العمليات وسلوكيات الأنظمة الآلية ضمن واجهة موحدة، ما يضمن اكتشاف الثغرات ومعالجتها مبكراً بكفاءة عالية تدعم استمرارية الأعمال وثقة العملاء. وحول هذه التطورات، تحدثت «الشرق الأوسط» حصرياً مع وسنى بن قاسم،
المديرة العامة لشركة «ترند إيه آي» (TrendAI) في المملكة العربية السعودية، وهي شركة تابعة لـ«ترند مايكرو» (Trend Micro) المعروفة بنظم الحماية السيبرانية التي تقدمها. تطور الأمن السيبراني في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي وقالت وسنى إن «ترند مايكرو» لم تتحول إلى «ترند إيه آي»، وإنما أعادت تقديم أعمالها في مجال الأمن السيبراني المؤسسي،
ما يعكس رؤية واضحة لتطور الأمن السيبراني في ظل الاعتماد المتنامي على الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. ومع دخول الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المهام وتشغيل الأنظمة ودعم اتخاذ القرار، أصبحت الحماية تشمل الشبكات والتطبيقات ومراقبة طريقة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والمهام التي تنفذها والأنظمة التي تتعامل معها والقرارات التي تسهم في اتخاذها. وعلى المستوى العملي،
سيلمس المستخدمون القدرة على إدارة المخاطر وحماية بيئات العمل من خلال منصة موحدة بدلاً من التعامل مع أدوات متفرقة، إضافة إلى توفير رؤية أشمل للمخاطر وفهم سياق استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وفرض الضوابط المناسبة على ما تنفذه المؤسسات، مع الحفاظ على الإشراف البشري في القرارات المهمة. فهم سلوك وكلاء الذكاء الاصطناعي ما يميز «ترند إيه آي» هو أنها تنطلق من رؤية مختلفة لكيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات؛ فالأمر لا يتعلق فقط بتطوير أدوات أكثر ذكاء،
وإنما ببناء منظومة تمنح المؤسسات فهماً أعمق لما يحدث داخل بيئة العمل وكيفية استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والأهداف التي تسعى إلى تنفيذها، ومن ثم وضع الضوابط المناسبة على الإجراءات التي تقوم بها هذه التقنيات مع استمرار الدور الإشرافي للإنسان في القرارات المهمة. * تعزيز القدرات السيبرانية: تجمع «ترند إيه آي» بين استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرات الدفاع السيبراني وحماية أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها. ويشمل ذلك متابعة الأدوات التي يستخدمها وكلاء الذكاء الاصطناعي والبيانات التي يتعاملون معها والأنظمة التي يمكنهم الوصول إليها،
ما يساعد المؤسسات على إدارة هذه البيئات بصورة أكثر أماناً ووضوحاً. الحاجة إلى ضوابط طريقة عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي: وكلما ازدادت قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، ازدادت في المقابل أهمية وضع ضوابط واضحة تحكم طريقة عملهم داخل المؤسسة. فالتحدي لا يرتبط بالوكيل نفسه،
وإنما يمتد إلى كل ما يستطيع الوصول إليه أو القيام به، سواء تمثل ذلك باستخدام الأدوات أو التعامل مع البيانات أو الوصول إلى الأنظمة أو التفاعل مع وكلاء آخرين لتنفيذ مهام مشتركة. * مخاطر تجاوز حدود المهام: ومع اتساع الصلاحيات الممنوحة لهم، قد تنشأ مخاطر تشمل تجاوز حدود المهام المصرح بها وتنفيذ إجراءات غير مقصودة وتسرب البيانات وانحراف الوكيل تدريجياً عن الهدف المحدد له نتيجة غياب الضوابط المناسبة.
وقد تظهر تحديات إضافية عندما يتفاعل أكثر من وكيل معاً؛ إذ يمكن لوكيل لا يمتلك صلاحية معينة أن ينفذ مهمة من خلال وكيل آخر يمتلكها. كما قد تُستغل أدوات الربط بين نماذج الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية لتمرير تعليمات غير مصرح بها تدفع الوكيل إلى تنفيذ إجراءات لم تكن مقصودة. * كيفية التعامل مع الوكلاء: ولهذا، يتم التعامل مع كل وكيل ذكاء اصطناعي بوصفه هوية مستقلة داخل المؤسسة،
مع تحديد صلاحياته بدقة ومتابعة سلوكه بصورة مستمرة والتحقق من الأدوات والبيانات والأنظمة التي يتعامل معها، إلى جانب تطبيق السياسات الأمنية أثناء تنفيذ المهام، تحت إشراف بشري في حال اتخاذ قرارات مهمة. وتقدم «ترند إيه آي» قدرات تتيح إدارة حوكمة الوكلاء من مكان واحد وتحليل سلوكهم أثناء التشغيل،
ورصد التفاعلات التي يجرونها ومنع الإجراءات غير الموثوقة قبل تنفيذها، ما يقلل مخاطر تسرب البيانات أو إساءة استخدام الصلاحيات. مواجهة تحدي البيانات الضخمة والتنبيهات الأمنية ولا يكمن التحدي الحقيقي الذي يواجه المؤسسات اليوم بنقص المعلومات، وإنما في القدرة على تحويل الكم الكبير من البيانات والتنبيهات الأمنية إلى صورة واضحة تمكّنها من اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
ولهذا، تم تطوير منصة «ترند إيه آي فيجين وان» TrendAI Vision One لتجمع هذه الصورة في مكان واحد ومساعدة فرق الأمن السيبراني على اكتشاف نقاط الضعف والمخاطر داخل بيئة العمل ومن ثم ترتيبها حسب تأثرها بالأعمال ودرجة أولويتها، ما يتيح التركيز على المخاطر الأكثر أهمية والتعامل معها مبكراً دون الانشغال بكميات كبيرة من التنبيهات المتفرقة. * حوكمة استخدامات الذكاء الاصطناعي: تدعم المنصة حوكمة استخدامات الذكاء الاصطناعي،
بما يُمكّن المؤسسات من اكتشاف التهديدات مبكراً، وتسريع التعامل معها، وتعزيز جاهزيتها لحماية عملياتها الرقمية واستخدامات الذكاء الاصطناعي بثقة وأمان. * رؤية متكاملة: تجمع عمليات المراقبة والكشف والاستجابة عبر مختلف مكونات البيئة الرقمية،
بما يشمل الأجهزة والشبكات والبيئات السحابية والبريد الإلكتروني وأدوات التعاون وإدارة الهوية والبيانات، الأمر الذي يمنح المؤسسات رؤية متكاملة تساعدها على تحديد الأنظمة الأكثر عُرضة للهجمات وتسريع الاستجابة عند اكتشاف أي تهديد. * اختبار مسار الهجمات: لا يتوقف الأمر عند مراقبة المخاطر الحالية، بل يمتد إلى الاستعداد لما قد يحدث مستقبلاً،
حيث توفر المنصة قدرات متقدمة لاختبار مسارات الهجمات داخل بيئة افتراضية آمنة، ما يساعد المؤسسات على تقييم جاهزية أنظمتها ومعالجة أوجه الضعف قبل أن تؤثر بالعمليات الفعلية. ويعكس حجم الاعتماد عليها الثقة في هذه القدرات؛ إذ تستخدمها اليوم نحو 25 ألف مؤسسة حول العالم، كما يستفيد مستخدموها من حماية استباقية تسبق بقية القطاع بمتوسط ثلاثة أشهر بفضل أبحاث مبادرة «يوم الصفر» Zero Day Initiative.
استراتيجيات الحماية الذكية ودعم التحول الرقمي في السعودية وترى وسنى أن الحماية الفعالة تبدأ بمعرفة ما يوجد داخل المؤسسة بالفعل، ويعني ذلك حصر جميع نماذج وأدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في بيئة العمل، بما في ذلك الأدوات التي قد تُستخدم من دون اعتماد رسمي؛ لأن وضوح هذه الصورة هو الأساس الذي تُبنى عليه بقية إجراءات الحماية والحوكمة. * فهم طريقة استخدام الأنظمة: تأتي بعد ذلك خطوة فهم طريقة استخدام هذه الأنظمة والصلاحيات الممنوحة لها والبيانات والأدوات والأنظمة التي يمكنها الوصول إليها.
ومن هنا، يمكن وضع الضوابط والسياسات المناسبة ومراقبة السلوك بصورة مستمرة، والتأكد من أن كل إجراء يظل ضمن الحدود المصرح بها، إلى جانب بقاء القرار النهائي بيد الإنسان في المسائل المهمة.
* بيئة رقمية مترابطة في السعودية: وأصبحت القطاعات الحيوية تعتمد بصورة كبيرة على بيئات رقمية مترابطة مع التوسع الكبير في استخدام الذكاء الاصطناعي وتطوير الخدمات والأنظمة الرقمية ضمن «رؤية السعودية 2030»، وهو ما يجعل حمايتها عنصراً أساسياً لضمان استمرارية الأعمال والخدمات. وأضافت أننا نشهد في الوقت نفسه تصاعداً في هجمات برامج الفدية وازدياداً في محاولات تسريب البيانات، إلى جانب استهداف البيئات السحابية وأنظمة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها المؤسسات.
* دور الأمن السيبراني: ومن هنا، يأتي دور الأمن السيبراني بوصفه شريكاً في دعم هذا التطور، وليس مجرد وسيلة للتصدي للهجمات، حيث أرست المملكة العربية السعودية معايير متقدمة في هذا المجال من خلال تحديث الضوابط الأساسية للأمن السيبراني وتوسيع نطاقها ليشمل الجهات المرتبطة بالبنية التحتية الوطنية،
إلى جانب تطبيق متطلبات واضحة لمعالجة البيانات وتخزينها وحوكمتها، ما يعكس أهمية أن يسير الأمن السيبراني جنباً إلى جنب مع التوسع في استخدام التقنيات الحديثة. تقدم «ترند إيه آي» منصة ذكية لاكتشاف نقاط الضعف والمخاطر داخل بيئة العمل وحوكمة استخدامات أنظمة الذكاء الاصطناعي نحو بيئة عمل رقمية أكثر أماناً واستباقية للمستقبل وتعمل «ترند إيه آي» على تغيير مفهوم الاستجابة للتهديدات السيبرانية من خلال ترسيخ فكر الاستباقية، بحيث تبدأ الحماية قبل وقوع الهجوم.
* الحاجة إلى رؤية واضحة للمخاطر داخل بيئة العمل: ويتطلب ذلك أن تمتلك المؤسسات رؤية واضحة للمخاطر داخل بيئة العمل حتى يتمكن المتخصصون من تحديد أولويات التدخل العاجل. ويأتي هنا دور منصة «فيجين وان» التي تترجم هذا التوجه عملياً من خلال ترتيب المخاطر وفق تأثيرها في الأعمال ودرجة أولويتها، إلى جانب ما توفره من قدرات متقدمة لاختبار مسارات الهجمات داخل بيئة افتراضية آمنة بما يساعد المؤسسات على تقييم جاهزية أنظمتها ومعالجة أوجه الضعف قبل أن تؤثر في العمليات الفعلية. نجاح المؤسسات في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي: وترى وسنى أن نجاح أي مؤسسة في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على سرعة تبني هذه التقنيات،
وإنما على قدرتها على إدارتها بصورة آمنة ومنظمة؛ فكثير من المؤسسات تمتلك اليوم أدوات ونماذج للذكاء الاصطناعي، ولكنها لا تملك في المقابل رؤية كاملة لكيفية استخدامها أو البيانات التي تتعامل معها أو الصلاحيات الممنوحة لها. ومن هنا، تبدأ الخطوة الأولى نحو الحماية.
* ضوابط تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي: ينبغي بعد ذلك أن تمتلك المؤسسة ضوابط واضحة تنظم استخدام هذه الأدوات، بحيث تحدد البيانات التي يمكنها الوصول إليها والأنظمة التي يُسمح لها بالتعامل معها والإجراءات التي يمكنها تنفيذها، مع مراقبة استخدامها بصورة مستمرة، وضمان التدخل البشري عند اتخاذ القرارات المهمة.
ولا تهدف هذه الضوابط إلى تقييد استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى ضمان استخدامه بطريقة آمنة ومتوافقة مع سياسات المؤسسة ومتطلباتها التنظيمية. * تحدي حجم المعلومات والتنبيهات اليومية: وتضيف أن التحدي لا يكمن في نقص الأدوات الأمنية، وإنما في حجم المعلومات والتنبيهات التي يجب التعامل معها يومياً؛ فمع ازدياد الهجمات وارتفاع مستوى تعقيدها،
أصبح من الصعب على فرق العمل مهما بلغت خبرتها متابعة كل تنبيه بالسرعة والدقة المطلوبتين. ولهذا، يأتي دور الذكاء الاصطناعي في مساعدة الخبراء على استثمار وقتهم فيما يستحق اهتمامهم بالفعل بدلاً من استهلاكه في مراجعة كميات هائلة من البيانات والتنبيهات. تحديد المخاطر الأكثر تأثيراً وأولوية: وانطلاقاً من هذه الفكرة،
تساعد «ترند إيه آي» فرق مراكز العمليات الأمنية على تحديد المخاطر الأكثر تأثيراً وأولوية وربط الأحداث الأمنية بعضها بعضاً لفهم الصورة الكاملة، ومن ثم تقديم التوصيات المناسبة للتعامل معها. كما تدعم المنصة أتمتة عدد من المهام المتكررة، ما يخفف العبء عن المحللين ويمنحهم وقتاً أكبر للتركيز على الحالات المعقدة التي تحتاج إلى خبراتهم وتقديرهم المهني.
حوكمة الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل وتوجه وسنى رسالة إلى القادة التقنيين مفادها أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من بيئة العمل، وسيواصل إعادة تشكيل طريقة عمل المؤسسات خلال السنوات المقبلة. ولذلك، فإن الاستعداد لهذه المرحلة يبدأ ببناء حوكمة واضحة تضمن استخدام هذه التقنيات بصورة آمنة،
مع امتلاك رؤية شاملة لما يجري داخل المؤسسة وفهم المخاطر المرتبطة بها والاستعداد للتعامل معها قبل أن تتحول إلى حوادث فعلية. ومن هذا المنطلق، على المؤسسات التعامل مع الأمن السيبراني بصفته عملية مستمرة تواكب التقدم التقني والتهديدات المتغيرة، وليس مشروعاً يُنفذ مرة واحدة ثم ينتهي.
ومع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تواكبها سياسات الحوكمة وآليات إدارة المخاطر وجهود بناء قدرات فرق العمل، حتى تتمكن المؤسسات من الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي توفرها هذه التقنيات، مع الحفاظ على أمن بياناتها واستمرارية أعمالها وثقة عملائها.