أصبحت منصات التواصل الاجتماعي واحدة من آخر المساحات التي يتداول عبرها السودانيون الأخبار، ويتابعون تطورات النزاع وانتهاكاته. فالحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، أضعفت الإعلام التقليدي،
في ظل الانقطاعات المتكررة للاتصالات وصعوبة وصول الصحافيين إلى كثير من مناطق القتال. في الأثناء، تتجه الحكومة السودانية إلى تشديد الإطار القانوني المنظم للنشر الرقمي، ففي الـ22 من يونيو (حزيران) الحالي،
أعلنت إجازة اللجان الفنية للقطاعات الوزارية المشتركة مشروع قانون التعديلات المتنوعة لعام 2026، الذي يتضمن تعديلات على عدد من القوانين، من بينها النصوص المتعلقة بجرائم المعلوماتية والنشر عبر الوسائط الإعلامية. وقال مجلس الوزراء إن التعديلات تستهدف تعزيز تطبيق القانون في مواجهة ما وصفه بالمحتوى الذي يضر بسيادة الدولة والنسيج الاجتماعي،
إلى جانب تشديد العقوبات على جرائم تهريب المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب، والسلع التي تؤثر في الاقتصاد الوطني، مع توفير حماية قانونية للقوات النظامية العاملة في مكافحة التهريب.
وعلى رغم أن النصوص التفصيلية للتعديلات لم تنشر رسمياً حتى الآن، فإن إعلان الحكومة أعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة باستخدام التشريعات ذات الصياغات الواسعة لتنظيم الخطاب العام في الفضاء الرقمي، في وقت يعتمد فيه ملايين السودانيين على المنصات الإلكترونية بوصفها المصدر الأكثر حضوراً للمعلومات، بعد تعطل عشرات المؤسسات الإعلامية وتشتت غرف الأخبار.
يأتي مشروع القانون الجديد في مناخ وصفت فيه منظمات دولية البيئة الإعلامية السودانية بأنها من بين الأكثر خطورة في المنطقة، مما يثير تساؤلات بشأن تأثيره المحتمل على الصحافيين وصناع المحتوى والمستخدمين العاديين، وعلى مستقبل تداول المعلومات في السودان خلال واحدة من أكثر مراحله حساسية. اتساع التأثير لم يكن تنظيم الفضاء الرقمي في السودان وليد الحرب الدائرة اليوم،
بل هو مسار تشريعي بدأ قبل عقدين تقريباً، وتطور بالتوازي مع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها ساحة للنقاش العام والعمل السياسي والإعلامي. أُجيز أول قانون لمكافحة جرائم المعلوماتية في السودان عام 2007، في مرحلة كان استخدام الإنترنت لا يزال محدوداً،
وركز بصورة أساسية على جرائم الاختراق الإلكتروني والاحتيال والوصول غير المشروع إلى البيانات والأنظمة الرقمية. لكن مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي خلال العقد التالي، اتجهت السلطات إلى توسيع نطاق القانون ليشمل المحتوى المنشور عبر الإنترنت، وليس الجرائم التقنية فحسب.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2018، طرحت حكومة الرئيس السابق عمر البشير مشروع تعديلات واسعة على القانون، تضمنت تجريم نشر ما اعتبر "أخباراً كاذبة" أو محتوى يمس النظام العام أو هيبة الدولة، مع عقوبات بالسجن والغرامة.
وأثارت التعديلات آنذاك انتقادات حادة من نقابة الصحافيين ومنظمات حقوقية، التي رأت أن تعريفات الجرائم جاءت فضفاضة وقابلة للتأويل. وأرجأ البرلمان التصويت على المشروع أكثر من مرة، قبل أن يتوقف نهائياً مع سقوط نظام البشير في أبريل 2019.
يعتمد ملايين السودانيين على المنصات الإلكترونية بوصفها المصدر الأكثر حضوراً للمعلومات بعد تعطل عشرات المؤسسات الإعلامية وتشتت غرف الأخبار (أ ف ب) وفي عام 2020، أقرت الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك تعديلات جديدة على قانون مكافحة جرائم المعلوماتية، تضمنت للمرة الأولى عقوبات مشددة على نشر المعلومات التي تعد "مغلوطة" عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وصلت في بعض المواد إلى السجن لمدة تتراوح بين 10 و20 عاماً،
إلى جانب الغرامة، مع تبرير رسمي بأن الهدف هو الحد من الإشاعات وحماية الخصوصية والحقوق الرقمية ومواجهة الابتزاز الإلكتروني وخطاب الكراهية. غير أن هذه العقوبات ووجهت بانتقادات واسعة من خبراء قانونيين ومنظمات مدافعة عن حرية التعبير، الذين رأوا أنها لا تتناسب مع طبيعة جرائم النشر،
وقد تخلق أثراً رادعاً يدفع إلى الرقابة الذاتية. وفي عام 2022، أدخلت تعديلات جديدة حافظت على تشديد العقوبات، لكنها لم تحدد سقفاً زمنياً لعقوبة السجن،
وجعلتها عقوبة وجوبية في عدد من الجرائم، إلى جانب الغرامة الإلزامية التي يحدد قيمتها القضاء. كذلك نصت التعديلات على عدم جواز التنازل عن الدعوى في بعض القضايا إذا كان المجني عليه جهة حكومية أو أحد شاغلي المناصب العامة، وهو ما عدّه قانونيون اتساعاً إضافياً في الحماية الجنائية لمؤسسات الدولة مقارنة بالأفراد.
تحقيق التوازن منذ اندلاع الحرب، وبعد تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى إحدى أهم وسائل تداول المعلومات في البلاد، اتجهت السلطات المتخصصة إلى تفعيل قانون جرائم المعلوماتية في التعامل مع عدد من القضايا المرتبطة بالنشر عبر الإنترنت، حيث أحيل صحافيون ومدونون وناشطون إلى نيابة ومحاكم جرائم المعلوماتية،
وصدر بحق بعضهم أحكام قضائية وفقاً لأحكام القانون. وذكرت الجهات، أن هذه الإجراءات تستهدف مواجهة الجرائم الإلكترونية التي اتسع نطاقها خلال الحرب، بما في ذلك حملات التضليل والاحتيال والابتزاز الإلكتروني وانتحال الهوية وخطاب الكراهية وحماية الأمن العام والحقوق الرقمية.
وجاء ذلك ضمن مسار تشريعي متدرج، ففي أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، طرحت وزارة العدل مشروع تعديل لقانون جرائم المعلوماتية، قبل أن يجيزه مجلس الوزراء،
متضمناً تعريفات محدثة للجريمة الإلكترونية، وتشديداً للعقوبات لتصل إلى السجن سبعة أعوام في بعض الجرائم و10 أعوام في أخرى، مع الجمع بين عقوبتي السجن والغرامة في حالات الإدانة، إلى جانب توسيع بعض صلاحيات جهات إنفاذ القانون في إجراءات التفتيش وضبط الأدلة الرقمية.
وذلك في إطار ما قالت الوزارة إنه تحديث للتشريعات بما يواكب التطورات التقنية والظروف التي فرضتها الحرب. أقرت الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك في عام 2020 تعديلات جديدة على قانون مكافحة جرائم المعلوماتية (أ ف ب) وفي يونيو (حزيران) الحالي، عادت الحكومة لتطرح تعديلات إضافية ضمن مشروع قانون التعديلات المتنوعة لعام 2026، مؤكدة أن الهدف منها تعزيز تطبيق القوانين المتعلقة بجرائم المعلوماتية والنشر الإلكتروني،
إضافة إلى مكافحة الجرائم الاقتصادية وحماية الأمن المجتمعي. أثارت هذه التعديلات نقاشاً في الأوساط القانونية والإعلامية بشأن كيفية تحقيق التوازن بين مكافحة الجرائم الإلكترونية وضمان حرية التعبير، لا سيما أن تطوير التشريعات لمواجهة الجرائم الرقمية يمثل حاجة قانونية تفرضها التطورات التقنية. إلا أن فاعلية هذه القوانين ترتبط بدقة تعريف الأفعال المجرّمة ووضوح النصوص وتوافر الضمانات القضائية الكافية،
حتى لا يؤدي تطبيقها إلى تقييد النشر المشروع أو الحد من تداول المعلومات، خصوصاً في ظل اعتماد شريحة واسعة من السودانيين على المنصات الرقمية. تعميق الفجوة تقول المحامية وصال عبدالله "إلى جانب تعطل أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة وتراجع قدرة الأجهزة العدلية على العمل في عدد من الولايات، برزت أنماط جديدة من الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي شملت عمليات الاحتيال المالي والابتزاز الإلكتروني وانتحال الهوية واختراق الحسابات ونشر المعلومات المضللة والتحريض وخطاب الكراهية،
وهي جرائم اتسع نطاقها مع اعتماد قطاعات واسعة من السودانيين على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي في الحصول على المعلومات وإدارة شؤونهم اليومية". وترى أن هذا الواقع كشف عن حاجة فعلية إلى تحديث التشريعات، نتيجة تعميق الفجوة بين النصوص القانونية القائمة والتطور المتسارع للجريمة الإلكترونية وأساليب ارتكابها. وتؤكد عبدالله أن تطوير الإطار القانوني لمكافحة الجرائم الإلكترونية أصبح ضرورة تفرضها التحولات التقنية والظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، لكنها تلفت إلى أن بعض التعديلات المقترحة تثير تساؤلات قانونية،
لا سيما ما يتعلق بإدخال تعريفات موسعة للجريمة الإلكترونية، واستخدام عبارات عامة مثل "هيبة الدولة" و"الأمن القومي" و"السلم الاجتماعي"، وهي مفاهيم ترى أن تطبيقها يتطلب ضوابط دقيقة حتى لا تصبح محل تفسيرات متباينة أو تؤثر على حرية التعبير والعمل الصحافي. ويقول الناشط الحقوقي أنس كمال إنه تابع التعديلات الأخيرة بقدر من القلق،
خشية أن تؤدي الصياغات الواسعة إلى توسيع نطاق التجريم. ويضيف أن مواكبة التشريعات للتطور التقني ومواجهة الجرائم المستحدثة أمر مشروع، لكن نجاح أي قانون يرتبط بوضوح تعريفاته وتناسب عقوباته وضمانات تطبيقه، بما يمنع استخدامه خارج الغرض الذي شرع من أجله.
ويقر في الوقت ذاته بأن جرائم مثل الابتزاز الإلكتروني والاحتيال وانتهاك الخصوصية والهجمات على البنية الرقمية، تمثل تحديات حقيقية تستوجب أدوات قانونية فاعلة، إلا أن هذه الضرورات، بحسب رأيه،
ينبغي أن تسير بالتوازي مع حماية الحق في التعبير والنشر والحفاظ على استقلال القضاء، بما يعزز الثقة في إنفاذ القانون خلال مرحلة تتسم بظروف استثنائية وتعقيدات أمنية وسياسية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) مسارات محتملة يتيح مسار التشريعات السودانية خلال الأعوام الأخيرة، احتمالات بأن تمتد آثار أي تشديد تشريعي إلى طبيعة البيئة الرقمية،
التي أصبحت خلال الحرب مساحة تجمع بين الإعلام التقليدي والصحافة المدنية والعمل الإنساني والتواصل المجتمعي. يتمثل السيناريو الأول في أن تستخدم التعديلات باعتبارها أداة لتحديث التشريعات ومواكبة أنماط الجريمة الرقمية المستحدثة، مع تركيز التطبيق على الجرائم ذات الطبيعة التقنية، مثل الاعتداء على البيانات والأنظمة الرقمية،
وهو مسار قد يعزز قدرة أجهزة إنفاذ القانون على التعامل مع جرائم أصبحت أكثر تعقيداً خلال الحرب. أما السيناريو الثاني، فيرتبط بكيفية تفسير النصوص المتعلقة بالنشر الإلكتروني، إذا بقيت بعض المفاهيم،
مثل "الإضرار بالأمن القومي" أو "المساس بالنسيج الاجتماعي" أو "نشر المعلومات المضللة"، من دون تعريفات قانونية دقيقة أو سوابق قضائية مستقرة. ففي هذه الحالة، قد تتسع مساحة الاجتهاد في التطبيق،
وهو ما قد ينعكس على الصحافيين وصناع المحتوى والباحثين والمستخدمين الذين يعتمدون على المنصات الرقمية في نقل المعلومات أو التعليق على الشأن العام، خصوصاً في ظل استمرار النزاع وتعقيد البيئة المعلوماتية. وعلى المدى الأبعد، قد يدفع تطبيق القانون إلى بلورة اجتهادات قضائية تشكل مرجعاً لتفسير مفاهيم النشر الإلكتروني والجريمة المعلوماتية،
وهي مسألة تكتسب أهمية خاصة في ظل محدودية السوابق القضائية المنشورة في هذا المجال. وقد تشكل هذه العناصر العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت التعديلات ستقتصر على مكافحة الجرائم الإلكترونية بالمعنى الضيق، أم ستمتد آثارها إلى المجال الأوسع المتعلق بحرية النشر وتداول المعلومات. وبين هذين الاحتمالين،
تبدو الحاجة قائمة إلى إطار قانوني يجمع بين الفاعلية في مواجهة الجرائم الرقمية والوضوح التشريعي، بما يحد من تضارب التفسيرات ويحدد بصورة أدق الحدود الفاصلة بين المسؤولية الجنائية والممارسة المشروعة لحرية التعبير، في بيئة رقمية مرشحة لمزيد من الاتساع بعد توقف الحرب وإعادة بناء المؤسسات.