لم تعد قضية المخدرات في السودان مجرد ظاهرة اجتماعية صحية تنطوي على تجاوزات جنائية، بل باتت مهدداً جدياً للأمن القومي، إذ تحولت تجارة وتهريب المخدرات بل وإنتاجها إلى جبهة حرب أخرى موازية، وتحدٍ تتسع أخطاره في مواجهة شبكات منظمة تستغل بيئة الحرب لتوسيع نشاطها،

وبخاصة بعدما حولت الحرب السودان من ممر لعبور المخدرات إلى مركز لإنتاج وتصنيع الحبوب المخدرة. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار عمليات إغراق السودان بمختلف أنواع المخدرات عبر التهريب مع تفش كبير في تعاطيها، كذلك كشفت حملات الأجهزة الأمنية عن قفزات مرعبة في حجم المضبوطات خلال الفترة الماضية، تقدر بمئات الكيلوغرامات من مختلف أنواع المخدرات،

وبخاصة حبوب الكبتاغون والهيروين والكوكايين والنيرفاكس الخطرة. إغراق وتدمير في معرض مساعي التصدي لتفاقم قضية المخدرات، دعا رئيس الوزراء، كامل إدريس،

في اجتماع ضم الأجهزة الأمنية والوزارات المتخصصة مطلع يونيو (حزيران) الجاري، إلى تفعيل المجالس والبرامج المختصة بمكافحة المخدرات والتركيز على التوعية المجتمعية. في رسالة مقتضبة في مناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات في الـ25 من يونيو الجاري، قال وزير الداخلية،

الفريق بابكر سمرة، إن "المضبوطات الأخيرة كشفت عن أجندة خبيثة للميليشيات المتمردة لإغراق عقول الشباب بالسموم وتدمير النسيج الاجتماعي السوداني من الداخل". أكد سمرة وضع خطة وطنية شاملة بتنسيق محلي ودولي لمكافحة المخدرات والتصدي لانتشارها، متهماً الميليشيات المتمردة بالإسهام الكبير في انتشار وترويج وتعاطي المخدرات من خلال إدارتها لأكبر مصنع لإنتاج الكبتاغون بطاقة تصل إلى 700 مليون حبة بمنطقة الجيلي شمال الخرطوم خلال فترة الحرب،

إضافة إلى العثور على كميات كبيرة من المخدرات بالمناطق التي كانت تسيطر عليها عقب تحرير الخرطوم. تحولات واتهامات وأكدت إدارة مكافحة المخدرات أنها رصدت استغلال بعض المجموعات لصفتها النظامية كغطاء لتسهيل تحركاتها ونشاطها الإجرامي بالتورط في عمليات ترويج وبيع المواد المخدرة داخل الخرطوم. وقالت الإدارة إن أجهزتها المتخصصة رصدت تحركات لتلك المجموعات وأعدت ملفات متكاملة في شأن المتورطين تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وكشف بيان لشرطة ولاية البحر الأحمر عن توفر معلومات حول نشاط مجموعة من المتفلتين يرتدون زياً خاصاً بالقوات النظامية يقومون بترويج أنواع مختلفة من المخدرات والمؤثرات العقلية بسوق ليبيا بمدينة بورتسودان.

وقال البيان إن قوة مشتركة من مكافحة المخدرات، الاحتياطي المركزي والطوارئ والعمليات والمباحث الفيدرالية والولائية والخلية الأمنية، دهمت أماكن المشتبه فيهم، ووقع اشتباك مسلح معها أسفر عن مقتل اثنين من العناصر المتفلتة وإصابة فردين من إدارة مكافحة المخدرات واحتراق عربة تتبع لمكافحة المخدرات.

كشفت حملات الأجهزة الأمنية عن قفزات كبيرة في حجم المضبوطات خلال الفترة الماضية تقدر بمئات الكيلوغرامات من مختلف أنواع المخدرات​​​​​​​ (أ ف ب) تحديات وتورط من جانبه، عزز المدير التنفيذي لمحلية أم درمان، سيف الدين مختار، اتهامات إدارة المخدرات باتهام جهات مسلحة لم يسمها،

بالضلوع في التفلتات الأمنية والترويج للمخدرات والشيشة والتعدي على محطات الوقود في المناطق الطرفية، بالإضافة إلى تورطها في ظاهرة اختطاف المواطنين. وأكد سيف الدين خلال تنوير صحافي أن انتشار المخدرات والانفلات الأمني والتسول والتشرد من التحديات التي تواجه المحلية في مرحلة ما بعد الحرب، معلناً إلغاء قانون 2025 والاستعاضة عنه بقانون 2026 الذي يجرم الشيشة وإيقاف التصاديق لمحال التعاطي،

وإزالة عدد من الكافيهات المخالفة. متفلتون وخارجون من الضفة الأخرى، قالت "حركة العدل والمساواة" إن أي تجاوزات أو ممارسات فردية لا تمثل القوات المشتركة أو أي من التشكيلات العسكرية المساندة، مشدداً على أن مرتكبيها يجب أن يخضعوا للمساءلة القانونية أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها ولا أحد فوق القانون.

ودعا المتحدث الرسمي باسم الحركة، محمد زكريا، الأجهزة الأمنية إلى التعامل بحزم مع جميع المتفلتين والخارجين عن القانون، مؤكدة أن سيادة القانون يجب أن تطبق على الجميع من دون استثناء،

حفاظاً على الأمن والاستقرار ومنع أي محاولات لزعزعة الجبهة الداخلية، محذراً من حملات تستهدف بث الفرقة بين مكونات معركة الكرامة عبر استهداف القوات المشتركة أو المستنفرين أو التشكيلات المساندة. قفزات مرعبة وتشير بيانات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية وتقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2025، إلى قفزات مرعبة في حجم المضبوطات من مادة الآيس كريستال في السودان،

إذ ارتفعت خلال ثلاثة أعوام فقط، من 41 كيلوغراماً في 2022 إلى 318 كيلوغراماً في 2025، بزيادة نحو 675 في المئة.  كذلك جرى خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى مايو (أيار) الماضي،

ضبط 11.7 مليون حبة من الكبتاغون، 62 في المئة منها في ولايات الخرطوم والجزيرة ونهر النيل، ذات الثقل الديموغرافي والتعليمي للبلاد. إجمالاً تقدر أوزان المخدرات بأنواعها المختلفة المضبوطة خلال الفترة من 2025 وحتى منتصف يونيو (حزيران) 2026،

بنحو 3.3 طن من مخدر الآيس والشابو و199 كيلوغراماً من الهيروين و557 كيلوغراماً من الحشيش و105 كيلوغرامات من الكوكايين. كذلك سبق أن ضُبط مصنع بالخرطوم بحري في فبراير (شباط) 2025، يضم مواد خاماً تكفي لإنتاج 700 مليون حبة كبتاغون و976 ألف حبة كبتاغون جاهزة، فضلاً عن ضبط 19 مختبراً لتصنيع الحبوب المخدرة خلال عام 2023.

خطة وطنية شاملة بتنسيق محلي ودولي لمكافحة المخدرات والتصدي لانتشارها (أ ف ب) حملات ومضبوطات على صعيد التعاطي، تشير تقديرات وزارة الصحة الاتحادية إلى ارتفاع عدد المسجلين بمراكز العلاج من 7.400 حالة في 2021 إلى 29.600 حالة حتى الربع الأول من 2026، بينما تتحدث التقديرات غير الرسمية عن 340 ألف متعاطٍ، تتراوح أعمار 78 في المئة منهم ما بين 15 و29 سنة،

و61 في المئة منهم طلاب في الجامعات والمعاهد العليا. وفي ظل التكثيف الواسع للحملات الأمنية المشتركة التي تقوم بها الشرطة والجمارك والجيش وجهاز الاستخبارات خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت بصورة ملحوظة كميات المخدرات المضبوطة، وبخاصة في ولايات الخرطوم والبحر الأحمر والجزيرة وكسلا ونهر النيل.

مئات الكيلوغرامات وأعلنت إدارة مكافحة المخدرات بولاية الخرطوم عن إحباط ترويج شحنات ضخمة من المواد المخدرة تحوي على 1500 قندول من مخدر "البنقو" المحلي إضافة إلى 23100 حبة من مخدر "النيرفاكس" في محليتي أم درمان وشرق النيل. وأسفرت حملات ملاحقة شبكات تهريب المخدرات تخللتها اشتباكات مسلحة في الأسابيع الماضية، عن ضبط 430 كيلوغراماً من مخدر "الآيس" بولاية البحر الأحمر. وخلال الشهر ذاته،

شهدت ولاية الجزيرة عملية أمنية كبيرة لقوة مشتركة أسفرت عن مقتل اثنين من عناصر جهاز الاستخبارات العامة وإصابة 13 من أفراد القوة المنفذة للمطاردة، جرى خلال العملية ضبط عربتين محملتين بالمواد المهربة تشمل نصف مليون حبة مخدرة وكميات من السجائر والأدوية البشرية. نزف وخسائر في السياق، يقدر المحلل والأكاديمي الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات محمد عوض محمد متولي الكلفة الاقتصادية المباشرة لنزف المخدرات بنحو 2.1 مليار دولار سنوياً موزعة بين خسارة إنتاجية تقدر بـ940 مليون دولار،

وكلفة للعلاج والأمن والقضاء تصل إلى 710 مليون دولار، إضافة إلى خسائر مستقبلية في رأس المال البشري تُقدر بـ450 مليون دولار بحسب نموذج الخسارة التراكمية للبنك الدولي. يتابع "يفرض المنهج العلمي في مقاربة حرب المخدرات الانتقال من إدارة الأزمة إلى هندسة الحصانة المجتمعية، إذ يشير تحليل الواقع إلى أن البلاد أمام تهديد مركب عابر للقطاعات يضرب الأمن القومي في مقتل عبر تدمير رأس ماله البشري،

ويستنزف الاقتصاد الكلي عبر 2.1 مليار دولار سنوياً، ويقوض النسيج الاجتماعي بتفكيك حوالى 1.740 أسرة سنوياً بالعنف المباشر". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) خريطة طريق يطرح الأكاديمي خريطة طريق للاستجابة لتحدي المخدرات على أساس عقيدة دفاعية هجومية متكاملة تقوم على خمسة مرتكزات يديرها مجلس الأمن والدفاع، وتبدأ بالردع الاستباقي عبر إنشاء القيادة الموحدة لمكافحة المخدرات وقانون طوارئ يمنحها سلطة الضبط والتحري والتتبع المالي الإلكتروني،

مع مراقبة مسارات التهريب الصحراوية بالأقمار الاصطناعية بهدف خفض التهريب بنسبة 60 في المئة خلال عام، إلى جانب التجفيف المالي عبر وحدة للاستخبارات المالية بالبنك المركزي تقوم بتتبع وتجميد الحسابات المشبوهة، لخنق دورة غسيل أموال المخدرات المقدرة بـ340 مليون دولار سنوياً. يشدد كذلك على ضرورة رفع المناعة المجتمعية بزيادة ساعة النشاط الشبابي الأسبوعية من 2.3 ساعة حالياً إلى سبع ساعات خلال 18 شهراً،

وإلزام كل محلية بتوفير ثلاثة ملاعب ومركزين للتدريب المهني لكل 10 آلاف شاب، وإنشاء هيئة قومية للتعافي تضطلع بالعلاج والتأهيل وزيادة طاقتها الاستيعابية من 600 إلى 3 آلاف سرير، مع بروتوكول علاجي موحد يستهدف رفع نسبة التعافي المستدام من 18 في المئة إلى 55 في المئة خلال ثلاثة أعوام. ردع وتتبع يشدد الأكاديمي على أهمية الردع التشريعي من خلال تعديل القانون الجنائي وتشديد العقوبة بما يصل إلى الإعدام وإقرار العلاج الإلزامي،

مع نشر أسماء كبار المهربين في الصحيفة الرسمية بعد الإدانة. ويرى متولي ضرورة وضع آلية للتتبع الدوائي، تلتزم بموجبها وزارة الصحة الاتحادية بموجهات صارمة لصرف وصفات مادتي "الترامادول" و"البريجابالين"، إذ تؤكد التقارير أن 70 في المئة من "الترامادول" المساء استخدامه يتسرب من القطاع الصحي الرسمي،

لإغلاق هذا المسار بأسرع ما يكون. يعتقد الباحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية أن الخريطة المقترحة من شأنها جعل السودان دولة محصنة طاردة، وتخفض معدل الانتشار وسط السكان من 2.1 في المئة إلى 0.4 في المئة بحلول 2029، كذلك يوفر على الخزانة العامة 1.6 مليار دولار من الخسائر السنوية.

هيبة الدولة وضمن مساعي كبح الانفلات الأمني والحد من انتشار المخدرات، أصدرت لجنة ضبط الأمن وفرض هيبة الدولة، برئاسة وزير الدفاع الفريق حسن داود كبرون، مطلع هذا الأسبوع،

جملة من القرارات الفورية شملت تسيير دوريات أمنية مشتركة ونصب حواجز في جميع محليات الولاية والتعامل الحاسم والمباشر مع كافة التفلتات الأمنية وحظر حمل السلاح ومنع استخدام الدراجات النارية تماماً داخل العاصمة. وأوصى اجتماع لجنة إخلاء ولاية الخرطوم من القوات المقاتلة وجمع السلاح، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان، الفريق عبدالخير عبدالله ناصر،

بالتنسيق بين الأجهزة النظامية لتنفيذ خطة الإخلاء وملاحقة منتحلي صفة القوات النظامية وتأمين معابر ومداخل العاصمة.