يشهد الوضع العملياتي في السودان توسعاً جغرافياً للنزاع واشتباكات مستمرة وتحشيداً متبادلاً بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في محاور عدة رئيسة تشمل شمال كردفان وشمال وغرب دارفور وإقليم النيل الأزرق، وذلك من خلال تكثيف الهجمات بالطائرات المسيرة، وسط مخاوف إنسانية متسارعة وحصار يهدد حياة المدنيين في تلك المناطق. وبحسب مصدر عسكري بالجيش،
فإن مسيرة تتبع لـ"الدعم السريع" أطلقت أمس الخميس أربعة صواريخ على مدينة الطينة في ولاية شمال دارفور المتاخمة للحدود مع تشاد، مشيراً إلى أن القصف استهدف أنحاء واسعة من المدينة. يأتي ذلك في وقت أفادت تقارير بأن الجيش وقوات الجماعة يواصلان تحشيداً موسعاً على الحدود السودانية - التشادية، متوقعة حدوث مواجهات عسكرية بين الطرفين داخل منطقتي الطينة وكلبس الحدوديتين مع تشاد،
في ظل تفاقم الوضع الإنساني نتيجة تحول الممرات الآمنة إلى نطاق للتصعيد العسكري. وعبر ناشطون محليون عن قلقهم من انعكاس التحشيد العسكري على الوضع الإنساني قائلين "من المؤسف أن الأحوال في المناطق الحدودية بصورة عامة مأسوية، وفي نهاية المطاف سيدفع المدنيون ثمناً فادحاً بالحرمان من الرعاية الصحية والغذاء ومياه الشرب". وتخضع الطينة لسيطرة الجيش وتشكيلات مسلحة من إقليم دارفور متحالفة معه،
وتحتضن آلاف النازحين الفارين من الحرب في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور ومناطق واسعة من الإقليم. في حين شهدت مدينة كلبس التابعة لولاية غرب دارفور، وتبعد 130 كيلومتراً من مدينة الجنينة عاصمة الولاية، تبادلاً للسيطرة عسكرياً بين طرفي النزاع حتى استعادتها قوات "الدعم السريع" في منتصف يوليو (تموز) الجاري.
وكانت منظمة "أطباء بلا حدود" قد حذرت في مايو (أيار) الماضي من تزايد الهجمات بالطيران المسير على الحدود بين السودان وتشاد، مؤكدة أن مخيمات طبية تابعة لها استقبلت عشرات المصابين. غارة جوية في محور إقليم النيل الأزرق، أشارت مجموعة "محامو الطوارئ" إلى مقتل عدد من الأشخاص جراء غارة جوية شنتها طائرة مسيرة تابعة للجيش استهدفت تجمعاً للنازحين في هذا الإقليم الواقع في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد،
الذي يشهد منذ أشهر عدة مواجهات بين الجيش وتحالف "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، تسببت في موجات نزوح واسعة صوب مدينة الدمازين عاصمة الإقليم. وقال بيان أصدرته المجموعة إن "طائرة مسيرة تابعة للجيش، قصفت فجر أمس الخميس،
تجمعاً لمدنيين نازحين في منطقة البادية الجنوبية بولاية النيل الأزرق، مما أسفر، وفق المعلومات الأولية، عن مقتل وإصابة عشرات،
معظمهم من النساء والأطفال"، ونوه البيان إلى أن الضحايا قد فروا من المواجهات الدائرة بين القوتين، التي تسببت في نزوح آلاف المدنيين من مناطقهم، وتشتيتهم وحرمانهم من المأوى والمراعي ومصادر كسب العيش،
في ظل غياب شبه كامل للمساعدات الإنسانية والإغاثة العاجلة. وأفادت بأن الهجوم يأتي في سياق تصاعد الانتهاكات في حق المدنيين، واستمرار استهداف المناطق المأهولة بالسكان ومواقع النزوح، بما يعكس إخفاق أطراف النزاع في الوفاء بالتزاماتها القانونية بحماية المدنيين وتحييدهم عن الأعمال العدائية،
مطالبة بوقف الهجمات التي تستهدف المدنيين، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في هذه الجريمة، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة عاجلة وآمنة إلى النازحين والمتضررين،
وتأمين ممرات إنسانية تكفل حمايتهم. تقدم ميداني في السياق، أكد وزير الدفاع الفريق حسن داؤود كبرون أن الجيش وحلفاءه أحرزوا تقدماً ميدانياً في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وألحقوا خسائر كبيرة بـ"الدعم السريع"،
وقال كبرون في تصريحات صحافية إن "المعركة مستمرة حتى القضاء التام على الجماعة وتأمين كامل تراب الوطن"، مشيراً إلى أن الجيش ماض في تنفيذ مهماته العسكرية بخطى ثابتة "مستنداً إلى عزيمة منسوبيه وثقة الشعب السوداني"، ولفت إلى أن "الدعم السريع" تعيش حالة من التوهان والتشظي وهي في أضعف حالاتها منذ اندلاع النزاع الذي دخل عامه الرابع، مبيناً أن "أعمال النهب والسرقة التي تنفذها في بعض مناطق كردفان ودارفور تمثل مؤشراً إلى تراجعها وضعف قدراتها الميدانية".
وأوضح وزير الدفاع أن الجيش يتمتع بمعنويات عالية في ظل الانتصارات الساحقة التي حققها على جبهات القتال كافة، معرباً عن ثقته في تحقيق مزيد من المكاسب الميدانية في المرحلة المقبلة. إسقاط تهم حقوقياً، أنهت الدائرة الابتدائية الرابعة بالمحكمة الجنائية الدولية الإجراءات ضد القيادي في "حركة العدل والمساواة" السودانية عبدالله بندة،
وأبطلت أمر القبض الصادر في حقه، بعد موافقتها على طلب الادعاء سحب التهم الموجهة إليه في قضية الهجوم على قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في حسكنيتة بإقليم دارفور عام 2007، وذكرت المحكمة في بيان أن "الدائرة الابتدائية الرابعة قررت إنهاء الإجراءات بعد إعادة النظر في قرار سابق كانت قد رفضت بموجبه طلب الادعاء سحب التهم"، وأفادت بأن الدائرة رأت في وقت سابق أن الادعاء لم يثبت تدهور الأدلة إلى الحد الذي يمنع إحالة القضية إلى المحاكمة،
لكنها خلصت لاحقاً إلى أن المضي في المحاكمة، على رغم رفض الادعاء تقديم قضيته، يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة والفعالة، ونوهت المحكمة إلى أن قرار إسقاط التهم لا يمنع الادعاء من إعادة فتح القضية مستقبلاً ورفع اتهامات جديدة في حق بندة في شأن الوقائع نفسها أو وقائع مشابهة إذا توفرت الظروف القانونية لذلك.
وعقدت المحكمة جلسة علنية في الـ21 من يوليو الجاري، أعلن خلالها الادعاء رسمياً سحب التهم، فيما أتيحت للدفاع وممثلي الضحايا فرصة تقديم ملاحظاتهم، كما أمرت المحكمة بنشر نسخ علنية من المذكرات المتعلقة بقرار سحب التهم تعزيزاً لمبدأ الشفافية.
وكان عبدالله بندة يواجه ثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب، شملت القتل العمد أو الشروع فيه، وتوجيه هجمات ضد أفراد ومنشآت تابعة لقوات حفظ السلام، والنهب،
على خلفية الهجوم الذي استهدف بعثة الاتحاد الأفريقي في منطقة حسكنيتة بشمال دارفور في الـ29 من سبتمبر (أيلول) عام 2007. وأحالت المحكمة القضية إلى المحاكمة في مارس (آذار) عام 2011، في وقت صدر أمر قبض في حق بندة في سبتمبر عام 2014 بعد تخلفه عن حضور المحاكمة، وظل طليقاً منذ ذلك الحين.
وتعد قضية حسكنيتة واحدة من القضايا التي فتحتها المحكمة الجنائية الدولية بعد إحالة مجلس الأمن الدولي ملف دارفور إلى المحكمة عام 2005، على خلفية الانتهاكات التي رافقت النزاع المسلح في الإقليم منذ عام 2003. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تصاعد حمى الضنك صحياً، تصاعد انتشار حمى الضنك في مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق بصورة لافتة، إذ سجلت 681 إصابة مؤكدة وأكثر من 600 حالة اشتباه منذ يونيو (حزيران) الماضي،
في وقت تكثف فيه السلطات الصحية حملات مكافحة البعوض، وسط شكاوى من ارتفاع كلفة الفحوص ونقص بعض الأدوية. وبحسب مدير الإدارة العامة للطوارئ ومكافحة الأوبئة بولاية النيل الأزرق بلال الضو قجة "سجلت المستشفيات حالة وفاة واحدة بينما يجري التقصي في شأن وفيات أخرى وقعت داخل المجتمع"، وأوضح أن أكثر المناطق تأثراً تشمل أحياء النصر الشرقية والنصر الغربية والثورة وأركويت،
إضافة إلى قشلاقات الجيش، مشيراً إلى أن السلطات بدأت منذ الـ16 من يوليو تنفيذ خطة لمكافحة الوباء عبر إزالة مواقع توالد البعوض داخل المنازل وتنفيذ حملات رش بالمبيدات في الأحياء الأكثر تضرراً، مع توسيع الحملة لتشمل مدينة الرصيرص كبرى مدن الولاية، ونوه إلى أن السلطات وفرت 150 فحصاً سريعاً وزعتها مجاناً على المستشفيات الحكومية ومستشفى "الشرطة" ومستشفى "السلاح الطبي".
وأشارت تقارير محلية إلى أن الإصابات تتزايد بصورة ملاحظة، إذ يوجد اكتظاظ في المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة، إلى جانب أعداد كبيرة من المرضى الذين يتلقون العلاج داخل منازلهم. وتشهد ولايات سودانية عدة تزايداً في الإصابات بحمى الضنك خلال موسم الأمطار،
مع ارتفاع كثافة البعوض الناقل للمرض، في وقت تدعو السلطات الصحية المواطنين إلى إزالة مصادر المياه الراكدة والتوجه المبكر إلى المرافق الصحية عند ظهور أعراض الإصابة. وكانت منظمة الصحة العالمية قد صنفت السودان ضمن الدول الأكثر عرضة لتفشي حمى الضنك في الإقليم، مشيرة إلى أن موسم الأمطار،
إلى جانب النزوح وتراجع خدمات مكافحة البعوض، يزيد من احتمالات انتشار المرض في ولايات عدة، بينها النيل الأزرق، داعية إلى تكثيف حملات الرش،
وتحسين الترصد الوبائي، وتوفير وسائل التشخيص والعلاج. المسار الأكثر مهنية وسط هذه الأجواء، أفادت الحكومة السودانية بأن الولايات المتحدة تجاهلت مقترحاً لإرسال خبراء أميركيين للتحقق من مزاعم استخدام الجيش لأسلحة كيمياوية خلال حربه ضد "الدعم السريع"،
وأبدت الخارجية السودانية استغرابها لتجاهل واشنطن ونكرانها عملية انخراطها مع حكومة بلادها، أكثر من عام، في آلية ثنائية مشتركة خصصت لبحث هذه المزاعم من دون أن تقدم خلالها أي دليل مادي أو فني يثبت صحة ادعاءاتها. وذكرت في بيان أن "حكومة السودان اقترحت من خلال الآلية المشتركة إرسال خبراء أميركيين إلى السودان للتقصي الميداني والتحقق المباشر من مزاعم استخدام الجيش أسلحة كيماوية،
إلا أن الجانب الأميركي امتنع عن الاستجابة لهذه الدعوات". وأشار البيان إلى أن إرسال خبراء كان يمكن أن يمثل المسار الأكثر مهنية وموضوعية للتحقق من المزاعم، غير أن واشنطن اختارت فرض عقوبات وصفها البيان بالأحادية على السودان استناداً إلى اتهامات لم تقدم في شأنها أي دليل، كما أنها لم تلجأ إلى الآليات والإجراءات المنصوص عليها في الاتفاق لإثبات مزاعمها.
وأكد البيان أن العقوبات الأميركية استندت إلى اعتبارات سياسية لا إلى حقائق قانونية أو فنية، لافتاً إلى أن التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية التي ادعت فيها أن لجنة التحقيق السودانية لا يمكن أن تكون بديلاً للتحقيقات التي تجريها منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، تمثل محاولة لتبرير العقوبات الأحادية استناداً إلى هذه المزاعم.