عاود التضخم في منطقة اليورو الارتفاع إلى ما فوق مستوى 3% للمرة الأولى منذ أكثر من عامين ونصف، في تطور يعيد ملف الأسعار إلى صدارة أجندة السياسة النقدية الأوروبية قبيل اجتماع حاسم لمجلس البنك المركزي الأوروبي الأسبوع المقبل. يأتي هذا الارتفاع في وقت حساس للاقتصاد الذي لا يزال يتعافى بشكل غير متوازن من صدمات الطاقة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية.تسارع مدفوع بالطاقة والخدماتارتفعت أسعار المستهلكين في منطقة اليورو إلى 3.2% في مايو على أساس سنوي، مقارنة بـ3% في الشهر السابق،
متجاوزة بشكل واضح الهدف الرسمي للبنك المركزي الأوروبي البالغ 2%. يعكس هذا التسارع عودة الضغوط التضخمية، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10.9% وزيادة أسعار الخدمات بنسبة 3.5%، في حين بدأت آثار الصدمات السابقة بالانتقال تدريجياً إلى مكونات أوسع من سلة الاستهلاك.يبرز هذا التطور قبل أيام من اجتماع السياسة النقدية المرتقب للبنك المركزي الأوروبي،
المقرر عقده في العاشر والحادي عشر من يونيو، حيث يترقب المستثمرون قراراً جديداً بشأن أسعار الفائدة وسط تسعير شبه كامل لاحتمال الإقدام على رفع إضافي. تأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يكون التضخم أكثر رسوخاً مما كان يُعتقد سابقاً، خاصة مع استمرار تقلبات أسواق الطاقة.مخاوف من ترسخ الضغوط السعريةتشير بيانات التضخم الأساسي،
الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، إلى ارتفاعه أيضاً إلى 2.5% مقابل 2.2% في الشهر السابق، مما يعزز القلق داخل أروقة المركزي الأوروبي. يُنظر إلى هذا المؤشر باعتباره أكثر دقة في قياس الاتجاهات التضخمية المستدامة،
خصوصاً عندما تبدأ الضغوط بالانتقال من الطاقة إلى الخدمات والسلع الصناعية.في هذا السياق، يواجه صانعو القرار في المركزي الأوروبي معادلة دقيقة: التضخم لا يزال أعلى من المستهدف، لكن الاقتصاد الأوروبي يعاني في الوقت ذاته من تباطؤ واضح في النمو وضعف في الزخم الصناعي، مما يحد من قدرة البنك على الاستمرار في دورة تشديد نقدي قوية دون تكلفة اقتصادية مرتفعة.تسعير الأسواق لاحتمالات رفع الفائدةتسعر الأسواق المالية بالفعل احتمال رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في الاجتماع المقبل،
مع ترجيحات بإمكانية تنفيذ زيادات إضافية خلال الأشهر اللاحقة إذا ما استمرت الضغوط السعرية أو اتسعت رقعة انتقالها إلى بقية مكونات الاقتصاد. تبقى هذه التوقعات مرهونة بسرعة تراجع أسعار الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.تعكس تصريحات عدد من صناع السياسة النقدية داخل البنك المركزي الأوروبي ميلاً متزايداً نحو التشديد، وإن بدرجات متفاوتة. فبعض الأعضاء يشددون على ضرورة التحرك السريع لكبح الضغوط التضخمية ومنع ترسخها في توقعات المستهلكين والشركات،
بينما يدعو آخرون إلى نهج أكثر حذراً لتجنب خنق النمو الاقتصادي. حذرت بعض الأصوات داخل المجلس من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يؤدي إلى موجة تضخمية أكثر اتساعاً، خصوصاً إذا بدأت الشركات في تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين بشكل أكبر. في المقابل،
يشير آخرون إلى أن ضعف الطلب وتباطؤ النشاط الاقتصادي قد يحدان من قدرة الشركات على ذلك، مما قد يقلل من حدة التضخم مقارنة بموجة 2022.معادلة نقدية معقدةتعتمد التقديرات الحالية على سيناريو مركب: إذ يُتوقع أن يكون انتقال صدمة الطاقة إلى الاقتصاد أقل حدة من السابق لكن باستمرارية أكثر، وهو ما يبقي التضخم عند مستويات أعلى من الهدف لفترة أطول دون أن يصل إلى مستويات حادة كما حدث في ذروة الأزمة السابقة. من جهة أخرى،
تشير بيانات المسوح الاقتصادية ومؤشرات مديري المشتريات إلى تباطؤ واضح في النشاطين الصناعي والخدمي، مما يعزز المخاوف من دخول الاقتصاد الأوروبي مرحلة نمو ضعيف ممتد. هذا التباطؤ يضع البنك المركزي الأوروبي أمام تحدٍ إضافي، حيث إن تشديد السياسة النقدية في بيئة نمو ضعيف قد يزيد من الضغوط على الشركات والاستثمار.تلعب المدخرات الأسرية دوراً مزدوجاً في هذا السياق: فهي تدعم الاستهلاك على المدى القصير،
لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى عامل حذر إذا تدهورت التوقعات الاقتصادية، مما يضعف الطلب ويحد من قدرة التضخم على الاستمرار بنفس الزخم. عليه، سيكون اجتماع يونيو للمركزي الأوروبي اختباراً دقيقاً لتوازن السياسة النقدية في منطقة اليورو.
فبين ضغوط التضخم التي لا تزال فوق المستهدف ومخاطر التباطؤ الاقتصادي، يتجه البنك نحو قرار قد يحدد مسار السياسة النقدية للأشهر المقبلة، وربما يعيد رسم توقعات الأسواق حول سقف دورة التشديد الحالية وموعد نهايتها.