في أحد أحياء أم درمان، تقف سامية إسحاق أمام متجر صغير تقارن بين أسعار تغيرت في أيام قلائل. تمسك بهاتفها لتراجع صورة قديمة لقائمة مشترياتها وتقول: "الأشياء ذاتها اشتريتها قبل أسبوع بنصف السعر تقريباً". فالمشكلة لم تعد في غلاء الأسعار فحسب،
بل في سرعتها، مما يجعل التخطيط للحياة اليومية شبه مستحيل.لم يعد المواطن السوداني يواجه تضخماً تقليدياً بل حالاً من التضخم اليومي، مما يضطره إلى إعادة تشكيل سلوك الاستهلاك من أجل البقاء. الارتفاع المتسارع للتضخم لم يعد ظاهرة تدريجية،
بل تحول إلى قفزات متلاحقة في الأسعار خلال فترات زمنية قصيرة، مما أربك الأسواق والمستهلكين.يقول المحلل الاقتصادي مأمون الطيب إن التضخم في بيئات النزاع يختلف عن الأنماط التقليدية، إذ يرتبط بعوامل غير مستقرة مثل انقطاع الإمدادات وتقلب سعر الصرف، مما يؤدي إلى زيادات سريعة وغير متوقعة.
ويضيف أن الأسواق أصبحت تتفاعل بصورة لحظية مع أي تغير في توافر السلع أو كلفة النقل.ويشير الطيب إلى أن غياب الرقابة الفعالة على الأسواق أسهم في تفاقم المشكلة، إذ يقوم بعض التجار بتسعير السلع بناءً على توقعات مستقبلية وليس على الكلفة الفعلية. كما أن تقلب سعر العملة المحلية أمام الدولار ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، التي تشكل نسبة كبيرة من الاستهلاك اليومي.دخل متآكلمع تسارع الأسعار،
تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بصورة يومية، إذ لم تعد الدخول الثابتة قادرة على مواكبة الزيادات المتلاحقة. توضح الباحثة الاقتصادية رشا عبدالله أن أخطر ما في التضخم الحالي أنه يضرب الطبقة الوسطى بصورة مباشرة، إذ تتحول بسرعة إلى فئة هشة غير قادرة على تغطية حاجاتها الأساس.
وتستطرد أن كثيراً من الموظفين يعتمدون الآن على أكثر من مصدر دخل لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.وتزيد عبدالله أن الأجور في معظم القطاعات لم تشهد زيادات تتناسب مع التضخم، مما أدى إلى فجوة متزايدة بين الدخل والإنفاق. فقدان الوظائف بسبب الحرب زاد من الضغط على الأسر، خاصة في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية فعالة.
وتتابع أن بعض الأسر بدأت في استخدام مدخراتها أو بيع ممتلكاتها لتغطية النفقات اليومية، وهي حلول قصيرة الأمد قد تؤدي إلى أزمات أعمق لاحقاً.تكيف يوميفي مواجهة هذا الواقع، يطور المواطنون استراتيجيات يومية للتكيف مع التضخم، تراوح بين تقليل الاستهلاك والبحث عن بدائل أرخص.
يؤكد الباحث الاجتماعي حسن محمد أن الأسر أصبحت تعيد ترتيب أولوياتها يومياً، إذ يجري الاستغناء عن سلع كانت تعد أساساً في السابق. كما أن تقليل عدد الوجبات أو استبدال مكونات الطعام ببدائل أقل كلفة أصبح أمراً شائعاً.ويتابع محمد أن ظاهرة الشراء بكميات صغيرة جداً، أو ما يعرف بالشراء اليومي،
أصبحت سلوكاً عاماً، نتيجة عدم القدرة على التخزين أو الخوف من تغير الأسعار. كذلك انتشرت ممارسات مثل تقاسم الكلف بين الأسر أو الاعتماد على الدعم المجتمعي. ويزيد أن النساء يلعبن دوراً محورياً في إدارة هذا التكيف،
من خلال ابتكار طرق لتقليل النفقات أو إيجاد مصادر دخل إضافية، مثل الأعمال المنزلية أو البيع عبر الإنترنت.ويختم الباحث الاجتماعي حديثه قائلاً إن هذه الاستراتيجيات تعكس قدرة المجتمع على الصمود، لكنها في الوقت ذاته مؤشر إلى عمق الأزمة، إذ تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من التنازلات.بدائل نقديةمع فقدان الثقة في العملة المحلية،
يتجه بعض المواطنين والتجار إلى استخدام بدائل نقدية، مثل الدولار أو التحويلات الرقمية، كوسيلة للحفاظ على القيمة. يشير المحلل المالي عادل إبراهيم إلى أن التضخم المرتفع يدفع الأفراد إلى البحث عن أدوات تحفظ قيمة أموالهم،
خاصة في ظل التذبذب الكبير في سعر العملة. التعامل بالدولار أصبح أكثر شيوعاً في بعض المعاملات، خاصة في السلع ذات القيمة العالية.ويردف إبراهيم أن التحويلات من الخارج تلعب دوراً مهماً في دعم الأسر، إذ يعتمد كثير من السودانيين على أقاربهم في الخارج لتأمين حاجاتهم.
كما أن بعض التطبيقات الرقمية بدأت تستخدم كوسيلة بديلة للتحويلات المالية. ويلفت إلى أن انتشار هذه البدائل قد يؤدي إلى مزيد من ضعف العملة المحلية، ويعقد جهود استقرار الاقتصاد في المستقبل.ويرى المحلل المالي أن الحل يتطلب سياسات نقدية واضحة تعيد الثقة في النظام المالي، وتحد من تقلبات الأسعار مع دعم الفئات الأكثر تضرراً من التضخم.