مرت في الـ18 من أغسطس (آب) الجاري الذكرى الـ71 لما عُرف باضطرابات الجنوب في أغسطس 1955، أو "التمرد". وهو الطلقة الأولى في حرب السودان الأهلية المتطاولة التي سبقت حتى استقلال السودان في يناير (كانون الثاني) 1956، أي قبل أن تقوم دولة 56 التي هي في مرمى نيران قوات "الدعم السريع".
ومهما قلنا عن هذا التمرد كما سنرى، فإن له حسنة واحدة، فما أن وقع حتى انتدبت دولة الحكم الذاتي (1954-1956) لجنة برئاسة القاضي الفلسطيني ميشيل قطران بالسودان للتحقيق في بواعثه بحسب قانون لجان التحقيق لعام 1954. فاجتمعت بالمسؤولين وشهود العيان في 30 بلدة بالجنوب وزارت ثمانية مواقع منه أخرى،
كما استمعت في الخرطوم لمسؤولين في الحكومة في 23 جلسة. وتركت فينا تقريراً يتيماً حسن التوثيق ما شهدنا مثله على رغم كالحات المقاتل التي ضرجت تاريخنا منذ ذلك الحين. وبدأت الدولة لؤمها حيال ما تقترفه من عنف، أو ما يقع من عنف مضاد،
يوم امتنعت عن التحقيق في مجزرة "عنبر جودة" التي وقعت في يناير 1956 وراح ضحيتها بسبب مطلب نقابي، أكثر من 200 مزارع إثر الاختناق الحراري في عنبر عشوائي بمعسكر القوات المسلحة بمدينة كوستي. وساءت الدولة لؤماً حين صوت البرلمان عام 1987 ضد التحقيق في ما عرف بـ"مذبحة الضعين" شرق دارفور، التي راح ضحيتها مئات الجنوبيين على يد متفلتين من شعب الرزيقات.
وهي الحادثة التي ذاع صيتها لارتباطها بذائعة الرق للجنوبيين، بعد نشر أكاديميين من جامعة الخرطوم كتاباً عنها بعنوان "مذبحة الضعين والرق في السودان". فشاع الكتاب وغاب التحقيق. وأخذ الأكاديمي الجنوب سوداني،
جون يوه، في كتابه "ثورة في جبال الاستوائية، تمرد توريت وتأثيره في السياسة السودانية، 1955-1972" (دار عزة 2009)،
على التقرير أنه اقتصر على النظر في الأسباب الإدارية للتمرد لا بواعثه الاقتصادية والاجتماعية. كما لم يتطرق إلى أدوار للمصريين والبريطانيين فيه. وبعد نظر حثيث في الأرشيف المصري الرسمي والصحافي خلص جون يوه إلى دور مصري معلق على جنب الصاغ صلاح سالم، وزير شؤون السودان.
فأراد الوزير بالتمرد الضغط على حكومة السودان الأولى، التي كانت بيد دعاة الوحدة مع مصر خلال فترة الحركة الوطنية، لتعود إلى تلك الوحدة بعدما قلبت لها ظهر المجن. وكانت خطته من وراء ذلك أن يلوي يد الحكومة لتمتنع عن عزمها إعلان الاستقلال من جانب واحد وأن تلتزم بما جاء في اتفاق الحكم الذاتي (1953) بعقد استفتاء للسودانيين حول الوحدة مع مصر،
قبلوها أم رفضوها. فمتى لم تستجب الحكومة، أثار الجنوب، وقد كسب "حزب الأحرار" الجنوبي لصفه،
في وجهها ليطلب من الحاكم العام الإنجليزي إعلان الانهيار الدستوري الذي فيه القضاء عليها. ولم تنجح مساعي صلاح سالم بعد التمرد لحمل الإنجليز على إصدار ذلك الإعلان. وكان فشلاً له اضطره للاستقالة عن وظائفه في الدولة المصرية. حجر الزاوية في حركة الجنوب القومية يعد الجنوبيون "تمرد" 1955 حجر الزاوية في حركتهم القومية التي انتهت بالاستقلال عام 2011.
ولهم دينهم. غير أن اختيار سلفا كير، نائب رئيس جمهورية السودان آنذاك، وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان،
ليوم الـ18 من أغسطس 2008 عيداً لقدامى المحاربين، أي قبل استقلال الجنوب، فمساءة. فليس في الواقعة ما يشرف محارباً قديماً،
أو جديداً، كانت حربه مع غير محاربين مثله. فلم يقتل في سائر المديرية الاستوائية، مركز التمرد،
سوى سبعة من ضباط وضباط صف "قوة دفاع السودان" الشماليين من جملة 249 قتيلاً مدنياً من التجار والجزارين والمعلمين والموظفين بينهم 15 امرأة و24 طفلاً. من جهة أخرى، لم يكن التمرد مواجهة بين عسكريين شماليين وجنوبيين (جدلاً). فكان المدنيون الجنوبيون رأس سهم في قتل الشماليين ونهب متاجرهم ودورهم،
جنباً إلى جنب مع العسكريين. واتصلت هجمات المدنيين على الشماليين مسلحين بالحراب والنشاب والحريق. وكان لأولئك المدنيين وجود بارز في تعقب الشماليين في سائر بؤر التمرد ليكذب أن تلك الأيام من أغسطس مما يصح الاحتفال بها كيوم لقدامى المحاربين، ناهيك بالاحتفال بها لكآبتها أصلاً.
ولا أعتقد أن قتل المدنيين من رجال ونساء وأطفال مما يحتفل به محارب، ناهيك بضروب التوحش التي اكتنفت موت كثيرهم. إذ قتل التمرد محمد أحمد فضل المولى وزوجته وأربعة أطفال، ولد أصغرهم خلال فترة حبسهم على يد المتمردين في بلدة توريت مركز التمرد.
ونزع مساعد حكيم طفلاً ذا 11 شهراً من رجله، من أمه وضرب به الأرض في بلدة تالي. وأحاط التمرد بملاحظ غابات وأحرقوه وأسرته في بلدة تومالي. وأحرق المدنيون داراً لجأ إليها الشماليون حتى الموت في نفس تومالي،
وقتلوا إسماعيل عبدالغني التاجر وزوجته وابنته فوزية وابناه حامد ومصطفى في بلدة لينيا. وأحرق الأهالي منزلاً لجأ له الشماليون وطاردوا من هرب منهم وقتلوا امرأتين بالحراب في بلد لوكا. وهجمت عصبة من العسكر والأهالي على بنت صغيرة لسيد محمد النذير وطعنوها بالرمح، وأخذوا زوجته وطفلته الأخرى للحبس في بلدة لينيا.
ولم يجد عبدالماجد الشفيع بداً من الانتحار بطلقة من بندقيته لما حاصره المتمردون في مدينة ياي. ولم تخل السيرة الكأداء للتمرد من إشراقات النبل بالطبع. فتضافر جنوبيون من إداريين وشرطة وطلاب لاستنقاذ الشماليين من حولهم بحيلة وشجاعة. وأسهم تجار إغريق وقسس بل حكومات مجاورة في الكونغو في نجدة الشماليين.
فآوى أمباشي من السجون دفع الله عدلان وطبله في السجن في بلدة كتري لإنقاذه. ولاذ الشماليون بمنزل تاجر إغريقي لتأخذهم الكنيسة البروتستانتية للكونغو. وكافأت الحكومة البلجيكية أياً من رعاياها الأفارقة بجنيه استرليني متى جاء بشمالي آمن. ووقف المعلمون والطلاب الجنوبيون يحمون أساتذتهم الشماليين وأسرهم ما وسعهم.
ففي بلدة لينيا كان أحد هؤلاء المعلمين وزوجته على رأس رحلة من طلبة رمبيك الثانوية وجهتها الشمال ساعة اندلاع التمرد. فأحاط بهم 250 من الأهالي بالحراب والنشاب والسهام. ولدى نزول المدرسين طعنوهم بالحراب على رغم ما بذله الطلبة والمدرس الجنوبي. وفي مريدي ضبط الصول ماهليلي نياقو شرطته على رغم تجمع الأهالي بحرابهم.
ووضع حماية لمفتش المركز. فدمغوه بالخيانة. فأخذ بعض المدرسين الشماليين مع ذلك ولاذ بهم إلى قريته. احتفال بـ"جنوسايد" وكان من السقم وبؤس المروءة أن يحتفل سلفا كير بمثل تلك الأيام المضرجة الغبراء عيداً لقدامى المحاربين.
فبعبارة بسيطة كان ما احتفل به هو "جنوسايد" (إبادة جماعية) للشماليين في أدق معاني هذه العاهة البشرية. فتعريف "الجنوسايد" هو "أن تقتل المرء لأنه هو"، أي القتل على الهوية العرقية التي لا يملك المرء حيالها صرفاً ولا عدلاً. فبوسع المرء أن يغير عقيدته السياسية ولكن الشمالي شمالي إلى نهاية التاريخ.
وهذا سبب سحر عنوان كتاب صدر في أعقاب "جنوسايد رواندا" الذي قتل فيه شعب الهوتو شعب التوتسي على الهوية. وكان عنوانه "لن أكون توتسياً في المرة المقبلة" لتبيان استحالة تغيير الجلد العرقي. ولذا لا يعد علماء الجنوسايد مثل ما قام به كل من ستالين، وماوتسي تونغ،
"جنوسايد"، لأنه قتل مجاني لأجل السياسة على فحش أرقامه. فالجنوسايد ليس "لعبة" أرقام الضحايا كما يطرأ للبعض. فيكفي أن تقتل قتيلاً واحداً كراهة في هويته وتكتب عند الله "جنوسايدياً".
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) أما من قارب تمرد 1955 من زاوية التطهير العرقي أخيراً فهو الدكتور كريستوفر تونسل في كتابه "الشعب المختار: المسيحية والخيال السياسي في جنوب السودان" (جامعة ديوك 2021). فجاء منه أن التمرد خرج من بؤرتين: الفرقة الاستوائية من "قوات دفاع السودان"، السابقة للقوات المسلحة السودانية، ومدرسة نيوجيت الوسطى ببلدة لوكا بغرب مديرية الاستوائية.
وكلاهما قام في سياق السياسة الإنجليزية التي رتبت لتجفيف الإسلام واللغة العربية لتحل محلهما المسيحية واللغة الإنجليزية. وهي السياسة التي وجدت صيغتها الرسمية في 1930 ليتخلوا عنها عام 1948 في ملابسات طرأت على بريطانيا ومصر، دولتي الحكم الثنائي، بينما أخرجت الحركة الوطنية الجنوب عن عزلته من الشمال ليتدارك تطورات الحكم الذاتي للسودان التي نشطت.
وكان الإنجليز بيتوا بسياستهم السابقة أن يلحقوا الجنوب بأي من دول شرق أفريقيا. "ذاكرة الأفيال" فكان من قادة التمرد ماركو رومي ودانيال تونقن من "حزب الأحرار" الجنوبي من خريجي مدرسة نيوجنت، ووكيل بلك أمين استرلينو ابويو من جنود "الفرقة الاستوائية". وفي المؤسستين أذكى التبشير المسيحي ما سماه تونسل "ذاكرة الأفيال" بعرض انتهاكات العرب المسلمين للأفريقيين في جنوب السودان وغيرها.
ومن ذلك قول أندرو يو، السياسي الجنوبي "إن البريطانيين كانوا يذكروننا بالمهدي والرق وكل ذلك وقالوا إنهم جاؤوا لاستنقاذ الجنوبيين من الرق. وعليه تبقت هناك كراهية". ورأى تونسل من هذه الزاوية ما مر بنا من توحش التمرد. فقال إن جنود الفرقة الاستوائية في تمردهم كانوا كمن كان في حملة صيد للرجال.
كانت قلوبهم مليئة بالمرارة والحقد تجاه كل الشماليين. وأرادوا من تمردهم لا رد مظالم الحاضر ولكن الثأر لكل المظالم التي اختزونها طوال القرن الـ19. وتحفظ قائلاً إنه بينما يجانب المرء الصواب إذا قال إن المسيحية كانت القوة الدافعة للعنف إلا أنه لا يصح إهمال الرؤية الدينية التي حدت بالبريطانيين لإنشاء القيادة الجنوبية (ومدرسة نيوجنت) في بدايات القرن الـ20 في تحليل تمرد 1955. طلبت الحركة الشعبية بعد اتفاق السلام الشامل عام 2005 من دولة الإنقاذ أن تهتم بالوحدة السودانية وإلا صوتت ضدها في الاستفتاء وانفصلت.
وكانت هذه ضلالة. فـ"الإنقاذ" لم تكن مؤهلة جينياً لتجعل الوطن جاذباً لأي من أهله. وبدا من الحركة الشعبية أنها رهنت وحدة السودان بالجاذبية تقطر من الإسلاميين في الدولة وأعفت نفسها بالكلية عن المخاطرة بها. فلو جعلوا الـ18 من أغسطس ذكرى تكرس لنبل مئات الجنوبيين الذين خاطروا بأنفسهم لاستنقاذ الشماليين من براثن "جنوسايد"،
لقلنا إنهم يعنون بالفعل ما يقولون في حديثهم عن جاذبية الوطن، وإلا كان اشتراط الجاذبية من "الإنقاذ" ليبقوا في الوطن مجرد حسن تخلص.