دخلت الأسواق اليابانية مرحلة جديدة من التقلبات، بعدما قفز الين إلى أعلى مستوياته في نحو ثلاثة أشهر إثر تأكيد طوكيو وواشنطن تنفيذ تدخل مشترك ونادر في سوق الصرف، في خطوة هدفت إلى وقف تراجع العملة اليابانية من أدنى مستوياتها في أربعة عقود، لكنها في المقابل ضغطت على الأسهم والسندات،
وأعادت فتح النقاش حول وتيرة تشديد بنك اليابان للسياسة النقدية. وارتفع الين بما يصل إلى 1.4 في المائة خلال تعاملات الاثنين، مسجلاً 155.20 ين للدولار، وهو مستوى لم يبلغه منذ السادس من مايو (أيار)،
قبل أن يقلص جانباً من مكاسبه ويتداول قرب 156.8 ين. وجاء الصعود بعد ارتفاع العملة 3.8 في المائة خلال جلستي الخميس والجمعة، ما دفع المتعاملين إلى التكهن بإمكان تدخل السلطات مجدداً في السوق. وامتنعت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما عن تأكيد تنفيذ تدخل جديد يوم الاثنين،
لكنها شددت على أن طوكيو وواشنطن لن تترددا في اتخاذ مزيد من الإجراءات إذا اقتضت الضرورة. وكانت قد أكدت أن التحرك المشترك استهدف مواجهة التقلبات المفرطة والتحركات غير المنظمة التي شهدها الين خلال الأشهر الأخيرة. ويعد هذا التدخل أول عملية منسقة بين الولايات المتحدة واليابان لشراء الين منذ عام 1998، كما أنه أول تحرك مشترك واسع منذ تدخلات «مجموعة السبع» عام 2011،
حين باعت دول كبرى الين لمنع ارتفاعه الحاد بعد زلزال تسونامي شمال شرقي اليابان. وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركة الولايات المتحدة في العملية، واصفاً التحرك بأنه «إشارة صداقة» مع اليابان وخطوة مفيدة للاقتصاد العالمي. كما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن لن تتردد في المشاركة في تدخلات مشتركة إضافية،
مؤكداً دعم بلاده للخطوات اليابانية الرامية إلى معالجة الانخفاض الكبير في قيمة الين. وأعطت هذه التصريحات وزناً أكبر للتحرك، إذ رأى محللون أن الرسالة الأميركية قد تكون أكثر تأثيراً من التدخل نفسه، لأنها رفعت تكلفة المضاربة على استمرار ضعف العملة.
وقالت تشارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في «ساكسو»، إن التدخل المنسق دفع المتعاملين إلى إعادة حساب مخاطر بناء مراكز بيع كبيرة على الين، خصوصاً مع ازدياد احتمال تنفيذ جولات لاحقة.
وكان الين قد لامس 163.99 ين للدولار خلال يوليو (تموز)، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1986، قبل أن تقلب التدخلات المشتركة اتجاه السوق. ويعزو محللون ضعف العملة خلال السنوات الأخيرة إلى الفجوة الواسعة بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة،
وارتفاع أسعار النفط، والمخاوف من أن تؤدي خطط الإنفاق التي تتبناها حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى زيادة الدين العام. وأبقى بنك اليابان سعر الفائدة عند 1 في المائة في اجتماعه الأخير، بعد رفعه في يونيو (حزيران) إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً،
لكنه لا يزال أقل بكثير من نطاق الفائدة الأميركية البالغ بين 3.5 و3.75 في المائة. وتدفع هذه الفجوة المستثمرين إلى الاقتراض بالين منخفض التكلفة والاستثمار في أصول أجنبية ذات عوائد أعلى، ضمن ما يعرف بـ«تجارة العائد»، وهو ما يخلق تدفقات رأسمالية إلى الخارج ويضغط على العملة.
وانعكس ارتفاع الين سريعاً على سوق الأسهم. فقد تراجع مؤشر «نيكي 225» بنحو 1 في المائة ليغلق عند 63,754.90 نقطة، بعد أن كان قد هبط خلال الجلسة بما يصل إلى 2.6 في المائة. كما فقد مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 1.1 في المائة ليغلق عند 3,960.03 نقطة،
بعدما تراجع في وقت سابق بأكثر من 3 في المائة. وكانت شركات السيارات الأكثر تضرراً، إذ هبط سهم «تويوتا» بنسبة 3.4 في المائة، وتراجع سهم «سوزوكي» بنسبة 6.7 في المائة.
ويؤدي ارتفاع الين إلى خفض القيمة المحاسبية للإيرادات التي تحققها الشركات المصدرة في الخارج عند تحويلها إلى العملة المحلية، كما يضعف قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. وجاء هذا التراجع بعد جلسة قوية يوم الجمعة، حين قفز «نيكي» بأكثر من 4 في المائة وبلغ أعلى مستوى له منذ 24 يوليو،
بدعم موجة صعود لأسهم التكنولوجيا عقب توقعات قوية من «مايكروسوفت» خففت المخاوف بشأن الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وامتدت الخسائر إلى سوق السندات الحكومية، إذ ارتفعت العوائد مع ازدياد التوقعات بأن يدفع التدخل المشترك بنك اليابان إلى تسريع وتيرة رفع الفائدة. وصعد عائد السندات لأجل عامين،
الأكثر حساسية للسياسة النقدية، بمقدار 5.5 نقطة أساس إلى 1.56 في المائة، وهو أعلى مستوى في ثلاثة عقود. كما ارتفع عائد السندات لأجل خمسة أعوام بما يصل إلى 6.5 نقطة أساس إلى مستوى قياسي بلغ 2.09 في المائة،
فيما صعد عائد السندات لأجل عشرة أعوام إلى 2.83 في المائة. وقال رينتو ماروياما، كبير استراتيجيي العملات والفائدة في «إس إم بي سي نيكو»، إن التدخل المشترك يعني أن اليابان تواجه ضغوطاً كبيرة لدعم الين بأدوات أساسية،
وفي مقدمتها السياسة النقدية، لا بالاكتفاء بعمليات شراء العملة. وتراهن الأسواق الآن على أن بنك اليابان قد يرفع الفائدة مجدداً خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً بعدما حذر للمرة الأولى من احتمال تجاوز التضخم الأساسي هدفه،
وأشار إلى أن المناقشات المقبلة ستركز بصورة أكبر على مخاطر ارتفاع الأسعار. غير أن استدامة مكاسب الين لا تزال موضع شك. فمحللو «باركليز» يرون أن الضغوط طويلة الأجل على العملة لم تختف، فيما أشار اقتصاديون إلى أن تغييراً دائماً في الاتجاه يحتاج إلى تحولات أعمق في مزيج السياسات أو في توقعات النمو العالمي،
وربما إلى تشجيع عودة رؤوس الأموال اليابانية من الخارج. كما تبقى السياسات المالية التوسعية عاملاً ضاغطاً. فخطط تاكايتشي لخفض ضريبة مبيعات الغذاء من 8 إلى 1 في المائة وزيادة الإنفاق الحكومي قد ترفع التضخم وتضيف أعباء جديدة إلى دين عام ضخم، وهو ما قد يحد من قوة الين حتى مع استمرار التدخلات.
وفي المقابل، يمنح تراجع أسعار النفط اليابان بعض الدعم، بعدما هبط الخام بأكثر من أربعة دولارات للبرميل إثر إحجام ترمب عن شن هجوم جديد على إيران، وتفضيله السعي إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز.
ويخفف انخفاض النفط الضغط على اليابان بوصفها مستورداً رئيسياً للطاقة، كما يقلص الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي السريع. وفي المحصلة، نجح التحرك المشترك في كسر الرهانات الأحادية على ضعف الين،
ورفع تكلفة المضاربة ضده، لكنه لم ينهِ جذور المشكلة. فاستمرار قوة العملة سيعتمد على مدى استعداد بنك اليابان لرفع الفائدة، وقدرة الحكومة على ضبط الإنفاق،
واتجاه أسعار النفط والسياسة النقدية الأميركية. ولذلك ستظل الأسواق تراقب ما إذا كان تدخل الأسبوع الماضي نقطة تحول حقيقية، أم مجرد استراحة مؤقتة في مسار طويل من الضعف.