حتى نهاية القرن العشرين، لم تكن خزائن المنتخب الإسباني تضم سوى لقب أوروبي وحيد عام 1964، وكان أفضل إنجازاته في كأس العالم المركز الرابع عام 1950، وهو الترتيب الذي ظل الأعلى لإسبانيا في المونديال حتى عام 2010.

واليوم بعد ربع قرن، تجلس إسبانيا على عرش الكرة العالمية، وتواصل توهجها على المستوى الأوروبي في دوري الأمم، بعد صيف شهد تتويج "لا روخا" بلقبه الثاني في المونديال.

فكيف حدث هذا التحول؟العمود الفقري للنهضة كان أكاديميات الأندية، وفي مقدمتها "لا ماسيا" في برشلونة، التي تحول مبناها في 20 أكتوبر 1979 إلى سكن للناشئين القادمين من خارج المدينة، وتضم اليوم أكثر من 300 لاعب شاب.استثمر البارسا في أكاديميته بسخاء،

إذ بلغت ميزانيتها السنوية 30 مليون يورو، وفق تقرير لكلية هارفارد للأعمال عام 2015، الذي أشار أيضا إلى أن نصف لاعبي برشلونة في سن 18 و19 عاما يدرسون في الجامعة، وهي أعلى نسبة بين كبار أندية أوروبا.اقرأ أيضًالاعب ريال مدريد السابق يرفض العودة للبرنابيو..

وآرسنال وتشيلسي يراقبان"لم تعد لاعبًا استراتيجيًا".. تحذير برشلونة لنجمه يتحقق على أرض الواقعولم تقتصر المنافسة على برشلونة؛ فأكاديمية ريال مدريد "لا فابريكا" تضم نحو 300 لاعب يقيمون داخلها ثلاث سنوات في المتوسط، إلى جانب مدارس أتلتيك بيلباو وفياريال وفالنسيا وإشبيلية. والفارق الجوهري أن هذه الأكاديميات قدّمت الذكاء التكتيكي والمهارة على البنية الجسدية،

فبرز لاعبون مثل تشافي وإنييستا، ربما كانوا سيُستبعدون في مدارس أخرى.وبلغ تأثير "لا ماسيا" ذروته عام 2010، حين أصبحت أول أكاديمية في التاريخ يحتل خريجوها المراكز الثلاثة الأولى في الكرة الذهبية: ميسي وإنييستا وتشافي.الاتحاد الإسباني: فلسفة واحدة من الناشئين إلى الكباروعلى المستوى المؤسسي، ربط الاتحاد الإسباني منتخبات الفئات السنية بفلسفة لعب موحدة،

وأبقى على كوادر فنية ثابتة تتنقل بين الفئات.وجاءت النتائج سريعة، إذ توّجت إسبانيا بلقب أوروبا تحت 19 عاما، في أعوام 2002 و2004 و2006 و2007، فيما أصبحت شريكة إيطاليا في الرقم القياسي لألقاب أوروبا تحت 21 عاما،

بخمسة ألقاب، منها لقبا 2011 و2013 المتتاليان.وتعزز هذا المسار ببنية تحتية مركزية، إذ افتتح الاتحاد "مدينة كرة القدم" في لاس روزاس، يوم 12 مايو 2003،

بميزانية تقارب 46 مليون يورو، لتصبح مقرا دائما لمعسكرات جميع المنتخبات.وعلى صعيد تأهيل المدربين، امتلكت إسبانيا عام 2017 نحو 15,089 مدربا يحملون رخصة "برو" أو "A" من الاتحاد الأوروبي، مقابل 1,796 فقط في إنجلترا،

بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية. والسر في سهولة الوصول: فالحصول على الرخصة "A" في إسبانيا كلّف 960 جنيها إسترلينيا، مقابل 3,645 جنيها في إنجلترا. والنتيجة أن الطفل الإسباني يتلقى تدريبا احترافيا منذ خطواته الأولى.ثمرة البناءوظهرت ثمرة هذا البناء في المنتخب الأول؛ إذ مر 20 لاعبا من أصل 23 في قائمة الفائزين بيورو 2008 عبر منتخبات الفئات السنية الإسبانية،

وتوّج معظمهم بألقاب على مستوى الشباب. وفي مونديال 2010، بدأ 7 لاعبين من برشلونة المباراة النهائية، وسجل لاعبو الفريق الكتالوني جميع أهداف إسبانيا في البطولة،

ثم أكمل الجيل ثلاثيته التاريخية بيورو 2012، ليصبح أول منتخب يحرز ثلاث بطولات كبرى متتالية.وما يميز التجربة الإسبانية أنها لم تنهر بعد اعتزال جيل تشافي وإنييستا. والدليل الأوضح هو المدرب الحالي لويس دي لا فوينتي، الذي تولى تدريب منتخبات الناشئين منذ 2013،

وقاد منتخب تحت 19 عاما للقب أوروبا 2015، ثم منتخب تحت 21 عاما للقب 2019، قبل أن يُرقّى للمنتخب الأول. وتحت قيادته توّجت إسبانيا بيورو 2024،

لتصبح الأكثر فوزا باللقب القاري برصيد أربعة ألقاب.وجاء التتويج الأكبر في يوليو الماضي، حين سجل فيران توريس في الدقيقة 106 هدف الفوز (1-0) على الأرجنتين، في نهائي مونديال 2026 بملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليصبح دي لا فوينتي أكبر مدرب سنا يفوز بكأس العالم عن 65 عاما.

العبقرية الإسبانيةوتتضح عبقرية التجربة الإسبانية أكثر عند مقارنتها بمصير القوى التي كانت تسبقها تاريخيا. فمنذ عام 2008، حصدت إسبانيا لقبين في كأس العالم (2010 و2026) وثلاثة ألقاب أوروبية (2008 و2012 و2024). في المقابل،

اكتفت ألمانيا بلقب مونديالي واحد عام 2014 دون أي لقب أوروبي، ولم تحرز إيطاليا سوى لقب يورو 2021، بينما ظلت إنجلترا بلقبها العالمي الوحيد الذي توجت به عام 1966.وتثبت السنوات الأخيرة أن إسبانيا حوّلت النجاح إلى نظام ثابت: أكاديميات تُعلّم فلسفة واحدة، ومنتخبات فئات سنية تتبع نفس النهج،

وجيش من المدربين المؤهلين، ومدرب للمنتخب الأول خرج من رحم هذه المنظومة. بفضل ذلك، أصبحت إسبانيا أول منتخب يحمل لقبي كأس العالم للرجال والسيدات في وقت واحد،

وأول منتخب يفوز بالمونديال أكثر من مرة في القرن الـ21، بينما تبحث القوى التاريخية مثل ألمانيا وإيطاليا والبرازيل عن طريق العودة.ناقش الموضوعات والأخبار بشكل أعمق فيمنتديات كووورة