في خطوة مفاجئة، تم الإعلان عن «جائزة باسكال»، وهي الأولى من نوعها في فرنسا التي تُمنح لعمل أدبي تم تأليفه بالاشتراك بين بشري وذكاء اصطناعي. وتأتي الغرابة من أن الفرنسيين من أشد الرافضين للتدخل الآلي في الإبداع البشري،

فما بالك بتتويجه! ويأتي هذا الإعلان بعد جدال طويل أثاره وصول رواية الهايتي- الكندي ثيلسون أوريليان، صاحب رواية «كان هذا أو الموت» الصادرة عن «دار غراسيه للنشر» إلى نهائيات جائزة «غونكور» لتُتَّهم بعد ذلك بأن غالبيتها كُتبت رقمياً، وتُستبعد كلياً،

وسط صدمة وارتباك في الأوساط الأدبية. وكأي جائزة أدبية، ستعمل لجنة تحكيم متخصصة، تكون هذه المرة مؤلفة من خمسة أشخاص،

بينهم نقاد صحافيون وكتاب، على قراءة الأعمال، المولدة آلياً وبشرياً، وتحديد الفائز.

أما أولوية اللجنة، فهي «تقييم الجودة الجمالية والسردية والأسلوبية للمخطوطات، بشكل مستقل تماماً». وتُقدَّم نسخة الرواية التي يُشترط ألا تكون صادرة سابقاً عن دار نشر،

مع استثناء النشر الذاتي على منصات كـ«أمازون»، من خلال الموقع الإلكتروني، ويحدد صاحبها بشفافية تامة اسم البرنامج الذكي الذي استخدمه كي يتمكن من كتابة نصه. وحسب الإعلان فإن كل النماذج الذكية مسموح بها،

ولا يوجد تقييد على الكُتَّاب. كما أن النص يُشترط أن يكون أدبياً، ولكن ليس من الضروري أن ينتمي إلى الجنس الروائي. فقد يكون سيرة ذاتية أو نصاً مفتوحاً؛ بل تُشجَّع بشكل خاص الأعمال غير الروائية،

كالسير الذاتية، والمذكرات، وحتى المقالات الطويلة. وليس من الواضح إن كانت مشاركة الكاتب للذكاء الاصطناعي في الكتابة،

يفترض أن تقتصر على طرح الأسئلة على الآلة، وتوجيه النص، أم أن يعمل على الصياغة، وتوليد الأفكار،

وإعادة توليف النص. ولم يخبرنا بيان الجائزة من يملك مهارة كشف مدى تدخل الآلة، وما هو الجهد البشري المبذول في النص؟ فكل هذا لا يزال ضبابياً،

ويُنتظر أن يسيل كثير من الحبر في مقبل الأيام. ثمة اعتراف بأن مهمة لجان الجائزة لن تكون سهلة؛ لأنها في مواجهة تقنيات تتطور كل يوم، وهذا بحد ذاته يحتاج متابعة وفهماً حثيثين. تم الإعلان عن الجائزة يوم 21 من الشهر الحالي،

وبدأ موعد تسليم الروايات للدورة الأولى، وينتهي في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكما في الجوائز التقليدية، يتم اختيار قائمة أولية تضم عشرة مرشحين،

قبل الإعلان عن الفائز في أوائل ديسمبر (كانون الأول)، الذي ستهتم الجائزة بنشر عمله وتأمين تغطية إعلامية واسعة النطاق له، بالتزامن مع حفل توزيع الجوائز. كما تُنشر الفكرة الأولية للعمل الفائز بموافقة المؤلف،

لإثراء النقاش حول الكتابة المشتركة. شارك في تأسيس الجائزة كل من فيليب رودريغيز وألبين سيرفيان وجيل مينتري، وهم رواد أعمال في مجال التكنولوجيا. رودريغيز هو شريك مؤسس في شركة الاستشارات الخاصة بعمليات الاندماج والاستحواذ «أفولتا»،

ويعتبر شخصية بارزة في صناعة العملات المشفرة وتقنية «البلوك تشين»، وسيرفيان هو الرئيس السابق لمجلة «تيتو» ورائد أعمال في مجال الإعلام الرقمي، أما مينتري فهو يدرِّس في جامعة هارفارد وجامعة باريس 1 بانتيون- سوربون، ولكنه -وهذا الأهم- شارك في تأسيس منصة «إليكتيس» للتصويت الإلكتروني.

ومعرفة هوية المؤسسين ومهنهم البعيدة عن الأدب قد تفسر جرأتهم في خوض واحد من المجالات الحساسة بالنسبة للفرنسيين، أي الكتابة والإبداع، وخلط كل ذلك بالذكاء الاصطناعي، وأيضاً الجوائز الأدبية التي حظيت باستمرار بمكانة واحترام كبيرين.

فما هو مطروح الآن معاكس تماماً للمزاج الفرنسي، وللرؤية الفرنسية للأدب بشكل خاص. نقرأ على موقع الجائزة شرح مسهب: «فهي تعطَى لنص كُتب بالفرنسية، بصرف النظر عن جنسية كاتبه أو مكان إقامته»،

بمعنى أنها فرنكوفونية، والنص الأدبي يتراوح طوله بين عشرة آلاف وخمسين ألف كلمة. يذكِّرنا المنظمون على موقعهم الإلكتروني بأن «(جائزة باسكال) ليس هدفها قياس ما إذا كانت الآلة ستتفوق على الكاتب»؛ بل تهدف إلى تسليط الضوء على خمسة أهداف: توسيع آفاق التقدم البشري، وتطبيق الذكاء الاصطناعي،

ودمج التقاليد الفرنسية للجوائز الأدبية مع صناعة الذكاء الاصطناعي، والشمولية الثقافية من خلال الذكاء الاصطناعي، وقياس قدرات الذكاء الاصطناعي في الأدب. أما العمل الأدبي فلا بد من أن يكون مفيداً،

أو يهدف إلى التنبيه بشأن أحد التحديات البيئية أو الاجتماعية أو الأخلاقية المعاصرة، أو المساعدة في حله «بطريقة مبتكرة». تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت جزءاً من ورش الكتابة، والعمل على المخطوطات،

والتأليف بشكل غير مباشر. لذا فإن «جائزة باسكال» تطرح السؤال بصوت عالٍ: «كيف يمكن أن يصبح العمل الفني عندما يتعاون المؤلف مع الآلة؟» وما يريدونه أيضاً هو مراكمة التجربة، ورؤية تطور المؤلفات من سنة إلى أخرى، وبالتالي قياس ما تتيحه الآلة من تحولات في بناء النص الأدبي.

وحسب ما تسرب فإن جاك أتالي، المستشار السابق للرئيس الراحل فرنسوا ميتران، سيكون ضمن لجنة هذه الدورة. وهو أمر لم يؤكد بعد.

ولكن ما أُعلن عنه أن الجائزة لا تشترط وجود ناشر، وأنها تتولى بنفسها نشر النصوص التي تختارها بعد فوزها. ويستفيد أصحاب المشروع من غياب قانون فرنسي ينظِّم هذا النوع من النشاطات الأدبية. وبالتالي حتى لو لم تكن الفكرة لها ما يكفي من المؤيدين وسط النخبة،

فلا يوجد ما يمنع طرح مثل هذه الجائزة؛ خصوصاً أنها لا تشترط في المتقدمين أن يكونوا كتاباً محترفين. هذا يعني أن المشاركين سيكونون على الأرجح مجهولين من قبل القراء، وربما من التكنولوجيين المهرة، أكثر مما هم من عشاق اللغة وجهابذتها.

وتأتي هذه الجائزة في وقت يدين فيه المبدعون استخدام الذكاء الاصطناعي، ويطالبون بتطبيق قواعد وضوابط صارمة. ووصفت منصة «ليفر إبدو» الفرنسية التي تعنى بالكتب والنشر الجائزة بأنها أحد تداعيات «زلزال أوريليان». وللتذكير فقط،

فالحديث هو عن كاتب رواية «كان هذا أو الموت» الذي فاز بجائزة «فناك» ثم وصل إلى أعتاب أهم جائزة أدبية فرنسية هي الـ«غونكور» في سبتمبر (أيلول)، وبدأ اتهامه بأن غالبية روايته كُتبت بالذكاء الاصطناعي. أثار الخبر ما يشبه الفضيحة؛ إذ كيف فات هذا الأمر ناشره الكندي، ومن ثم «غراسيه» واحده من أعرق دور النشر الفرنسية.

وبسبب نكران الكاتب المستمر، بقيت قضيته موضع تجاذب، ودخلت فيها اتهامات بالعنصرية كونه ملوناً، إلى أن قررت لجنة الجائزة استبعاده نهائياً.

وحارت المكتبات بين أن تواصل عرض روايته أو تسحبها من واجهاتها. ولم يضع حد للبلبلة سوى تأكيد ناشره مؤخراً بأن الكتاب ليس صناعة بشرية خالصة. وتأتي «جائزة باسكال» بعد هذه الجلبة، وكأنها رد غير مباشر على الأصوات القوية الرافضة للاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أما لماذا أُطلق اسم عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال على الجائزة، فلأنه المفكر الغربي الوحيد الذي كان رائداً في مجال الأجهزة الميكانيكية، ومتقناً للغة في وقت واحد. ويستعير أصحاب المشروع أقوالاً لكاتبهم،

منها: «كلما ازدادت فطنتك عثرتَ على أشخاص أكثر تميزاً». لا تُمنح هذه الجائزة لمجرد كتاب جديد: «بل تُكرَّم الأعمال التي تُضيف مختلفاً، ولا تُعيد إنتاج صيغة سبق إنتاجها. وتسعى (باسكال) إلى استكشاف ما تُتيحه الآلات الذكية من إمكانات في مجال الإنتاج الفكري المفيد والفعَّال الذي يُسهم في الحفاظ على البشرية وبيئتها»،

هذا على الأقل ما يعدنا به أصحاب المشروع.