أثارت دعوات لتنظيم جلسات توعية حول العنف المبني على النوع الاجتماعي (GBV) في السودان موجة جدل واسعة، بعد اعتراض مجموعات من ناشطين وأفراد عاديين على تنفيذها، معتبرين أنها تحمل مضامين "غير واضحة" وتمس منظومة القيم. وبين رفض علني ودفاع حقوقي تتكشف أزمة أعمق تتعلق بالثقة والوعي وطريقة طرح القضايا الحساسة داخل مجتمع يعيش تحت ضغوط الحرب والتحولات الاجتماعية.

رفض مجتمعي لم تكن ردود الفعل على الدعوات الخاصة بجلسات العنف عادية، إذ تحولت سريعاً إلى موقف جماعي رافض في بعض المناطق، مدفوع بخطاب تحذيري انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، دعا إلى "اليقظة" تجاه ما وُصف بأنه "أنشطة مشبوهة".

يقول طارق النور، أحد الناشطين الاجتماعيين، "لسنا ضد حماية النساء، ولا ضد التوعية في حد ذاتها،

لكن اعتراضنا ينصب على الطريقة التي تُطرح بها هذه المبادرات، إذ يظهر أشخاص فجأة بمصطلحات غير مألوفة بالنسبة إلينا، مثل النوع الاجتماعي، من دون تقديم شرح كافٍ أو تمهيد مناسب،

ومن دون الرجوع إلى المجتمع أو قياداته المحلية. وفي نظري فإن هذا الأسلوب يخلق شعوراً بأن هناك أموراً تُفرض علينا من الخارج". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأضاف النور أن "التجارب السابقة مع بعض المنظمات أسهمت في زيادة حال الحذر لدى الناس، فقد شهدنا برامج طُرحت من قبل،

وكانت تتضمن أفكاراً لا تتوافق مع ثقافتنا، أو لم تكن مفهومة بصورة واضحة، مما جعل لدينا تحفظاً طبيعياً تجاه أي مبادرات مشابهة". وأشار إلى أن "مصدر القلق لا يرتبط بالمحتوى فقط،

بل بالسياق العام أيضاً، فالمجتمع يعيش حالياً تحت ضغوط كبيرة، من حرب ونزوح وانعدام للأمان، لذلك يتم استقبال أي فكرة جديدة بشيء من الشك والريبة".

وبين أن "الحل لا يكمن في المواجهة المباشرة، بل في التدرج، فإذا كانت هناك حاجة للتوعية، فمن الأفضل أن تبدأ من قضايا متفق عليها،

مثل العنف الأسري الواضح، ثم يتم التوسع تدرجاً، بدلاً من طرح مفاهيم كبيرة قد تُفهم بصورة خاطئة منذ البداية". واختتم الناشط الاجتماعي حديثه بالتأكيد على أن هذا الموقف لا يعني رفضاً مطلقاً،

بل هو دعوة لإعادة التفكير في الأسلوب، قائلاً "نحن نرغب في أن نكون جزءاً من أي مبادرة تُطرح، لا أن نكون مجرد متلقين لها". فجوة الوعي ويعكس الجدل الدائر فجوة واضحة في فهم مفهوم "العنف المبني على النوع الاجتماعي"،

الذي تشير تقديرات أممية إلى أنه يطاول واحدة من كل ثلاث نساء في السودان، في صور عدة تراوح ما بين العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي. توضح الناشطة في قضايا المرأة آمنة الطيب، أن "المشكلة الأساسية تكمن في اختلاف تعريف العنف نفسه،

فهناك كثير من الممارسات اليومية لا تُعتبر عنفاً في نظر المجتمع، على رغم أنها كذلك وفق المعايير الحقوقية. فعندما نتحدث عن حرمان فتاة من التعليم، أو إجبارها على الزواج،

أو فرض سيطرة كاملة على قراراتها، فإن المجتمع قد ينظر إلى هذه الممارسات بوصفها أموراً طبيعية، بينما هي في حقيقتها صور من العنف". وتعترف الطيب بأن بعض برامج التوعية لم تنجح في تقليص هذه الفجوة،

بل ربما أسهمت في تعميقها بسبب "اللغة المستخدمة". مضيفة "لقد وقعت أخطاء كثيرة، من بينها استخدام مصطلحات أكاديمية أو مترجمة حرفياً، من دون تبسيطها أو ربطها بالواقع اليومي للناس،

مما يجعل المجتمع يشعر بأن هذه القضايا بعيدة منه أو مفروضة عليه من الخارج". وتؤكد أن التحدي الحقيقي يتمثل في "إعادة صياغة الرسالة" بحيث تكون مفهومة ومقبولة، من دون الإخلال بجوهرها، مقترحة في الوقت نفسه الاعتماد على قصص من داخل المجتمع،

وشهادات حقيقية، بدلاً من الخطاب النظري، قائلة "الناس تتفاعل مع الحكايات القريبة من تجربتها أكثر من تفاعلها مع الطرح المجرد". وأشارت الناشطة في قضايا المرأة إلى ضرورة "إشراك الرجال في هذه الجلسات،

وعدم حصرها في النساء فقط"، موضحة أن "التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إذا اقتصر على نصف المجتمع، بل يتطلب مشاركة جماعية واعية". أزمة ثقة وراء المواقف المتباينة،

تبرز أزمة ثقة عميقة بين قطاعات من المجتمع وبعض الجهات المنفذة للبرامج، وبخاصة تلك المرتبطة بمنظمات دولية. هنا يقول الباحث في الشأن الإنساني حسن إدريس، إن "الشك الحالي ليس وليد اللحظة،

بل تراكم عبر أعوام"، موضحاً أن غياب الشفافية في بعض المشاريع السابقة، أو ضعف التواصل مع المجتمعات المحلية، أسهم في خلق صورة سلبية".

وتابع إدريس "عندما لا يعرف الناس مصدر التمويل، ولا أهداف البرنامج بصورة واضحة، يصبح من السهل تصديق أي رواية مضادة، حتى وإن كانت غير دقيقة.

وتجاوز هذه الأزمة يتطلب تغييراً جذرياً في منهجية العمل، إذ لا يمكن الدخول إلى مجتمع بمشروع جاهز وتطبيقه بصورة مباشرة، بل ينبغي البدء ببناء علاقات، وفهم المجتمع،

والاستماع إلى أفراده، ثم العمل معهم، لا العمل عليهم". وشدد الباحث في الشأن الإنساني على أهمية نشر معلومات مبسطة حول البرامج،

ونتائجها، وتأثيرها، مضيفاً أن "الغموض يخلق بيئة خصبة للإشاعات التي تقود في النهاية إلى الرفض". نساء في الظل وسط هذا الجدل،

تظل النساء الأكثر تضرراً بعيدات من المشهد العلني، على رغم أنهن المعنيات بصورة مباشرة بهذه القضايا. تقول المتخصصة النفسية نسرين عبدالله، إن "هذا الواقع يجعل الجدل الحالي ذا تأثير مباشر في الضحايا،

إذ إن الرسائل المجتمعية الرافضة قد تُفهم على أنها رفض لوجود المشكلة نفسها". واستطردت "الثقة لا تُفرض بل تُبنى، وأفضل وسيلة لبنائها هي العمل مع أفراد من البيئة ذاتها، ممن يفهمون السياق الاجتماعي والثقافي".

مؤكدة على أهمية تحقيق توازن دقيق بين احترام الخصوصية الثقافية وضمان حقوق الأفراد، إذ إن تجاهل أي طرف من هذه المعادلة قد يؤدي إلى فشل كامل في معالجة القضية. وواصلت "الجدل الدائر حول جلسات التوعية بالعنف المبني على النوع الاجتماعي يكشف عن تعقيدات أعمق من مجرد نشاط ميداني عابر، فمن خلال متابعة ردود الفعل المتباينة يتضح أن القضية لا تتعلق فقط بمحتوى هذه الجلسات،

بل بالطريقة التي تُطرح بها، والسياق الذي تُنفذ فيه، ومستوى الثقة بين الجهات المنفذة والمجتمعات المحلية". وأردفت "في ظل واقع مضطرب تتداخل فيه آثار الحرب مع تحولات اجتماعية متسارعة،

يبدو التحدي الحقيقي في إيجاد صيغة توازن بين الحاجة الملحة لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وبين مخاوف مجتمعية حقيقية من التغيير المفاجئ أو غير المفهوم. وبين خطاب حقوقي يسعى إلى التمكين، ومجتمع يبحث عن الاستقرار والطمأنينة،

تظل المساحة المشتركة ممكنة، لكنها تتطلب إعادة نظر جادة في أدوات العمل، ولغة الخطاب، وصورة الشراكة مع الناس".

ورأت المتخصصة النفسية أن "الحل لا يكمن فقط في تنظيم جلسات توعية، بل في بناء منظومة متكاملة تشمل خدمات الدعم النفسي، والإرشاد القانوني، وملاجئ آمنة،

إضافة إلى تدريب كوادر من داخل المجتمع نفسه، لكن عندما ترى المرأة أن المجتمع يعارض حتى مجرد الحديث عن العنف، فإنها تختار الصمت، وهذا هو الأخطر".