في السودان، بعض المناطق استعادت شيئاً من حياتها بعد أعوام من الحرب المشتعلة في البلاد قرابة 42 شهراً، فهناك أسواق فتحت أبوابها ومدارس استأنفت الدراسة، وخدمات عادت تدرجاً،

لكن خلف هذه المشاهد سؤال آخر، هل عادت الحياة فعلاً أم عاد جزء من النشاط فقط؟ بالنسبة إلى كثير من الأسر، لا تبدو العودة بهذه البساطة.

فهناك من وجد منزله متضرراً، ومن عاد بلا مصدر دخل، ومن بقي أطفاله في مناطق النزوح بسبب التعليم، بينما يظل آخرون عاجزين عن العودة بسبب ارتفاع كلف المعيشة أو غياب الخدمات.

معادلة صعبة في ظل ارتفاع كلف الإصلاح وتراجع مصادر الدخل، تتحول ملكية المنزل إلى عبء يمنع بعض الأسر من استكمال العودة والاستقرار، فبعض الأسر عادت إلى مناطقها لتجد أن البيت الذي خرجت منه على عجل لم يعد كما تركته، إذ أصبح غير قابل للسكن لما لحق به من خراب ودمار جراء الحرب.

المتخصص في مجال الإسكان وإعادة الإعمار مصعب سعيد قال إن "المشكلة تكمن في قدرة الأسرة على التعامل مع الضرر الذي أصاب المنزل، فقد تكون الأسرة عادت بالفعل إلى منطقتها، لكنها لا تملك المال لإعادة تأهيل المنزل، فتضطر إلى استخدام جزء منه فقط أو مشاركة المسكن مع أقارب،

بينما تؤجل إصلاح الأجزاء الأخرى. وفي حالات أخرى، يكون الضرر كبيراً إلى درجة تجعل العودة غير ممكنة أصلاً، لذلك يجب النظر إلى السكن باعتباره أحد الشروط الأساسية للعودة المستدامة".

وتابع سعيد، "إذا عاد الشخص إلى منطقة لا يستطيع فيها توفير منزل آمن، أو لم يجد المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، فإن عودته قد تكون موقتة وقابلة للانتكاس،

والأسر التي فقدت مصدر دخلها خلال الحرب تواجه معادلة صعبة، فهي مطالبة بإصلاح منزلها في وقت تكافح فيه لتوفير الطعام والتعليم والرعاية الصحية، ولهذا فإن قياس أعداد العائدين وحده لا يعطي صورة كاملة عن واقع العودة". العمل والدخل عودة الأسواق وفتح المحال لا تعني بالضرورة أن الأسر العائدة استعادت قدرتها على كسب الدخل،

فالحرب أوقفت أعمالاً ومهناً كثيرة، وألحقت أضراراً بالمشاريع الصغيرة ومصادر الرزق، بينما يواجه بعض العائدين ارتفاعاً في كلف المعيشة ونقصاً في فرص العمل، لذلك،

قد يجد الشخص نفسه أمام خيار العودة إلى منطقته، من دون أن يجد فيها مصدر دخل يكفي لتثبيت حياته من جديد. يقول المحلل الاقتصادي السر سليمان إن "قدرة الأسر على العودة لا ترتبط بتوفر المسكن وحده، وإنما بقدرتها على تأمين دخل منتظم بعد العودة"،

موضحاً أن "فقدان الوظائف والمشاريع الصغيرة خلال الحرب جعل استعادة النشاط الاقتصادي شرطاً أساساً لاستقرار الأسر". عودة الأسواق وفتح المحال لا تعني بالضرورة أن الأسر العائدة استعادت قدرتها على كسب الدخل (أ ف ب) وأضاف سليمان أن "بعض الأسواق قد تستعيد الحركة التجارية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع السكان استفادوا منها، إذ تختلف القدرة على الاستفادة من النشاط الاقتصادي بحسب المهنة ورأس المال ومكان العمل وحجم الطلب،

فعودة المحال التجارية، على سبيل المثال، قد تعني عودة النشاط إلى المنطقة، لكنها لا تعني أن العامل الذي فقد وظيفته أو صاحب المشروع الذي خسر رأس ماله قادر على بدء العمل من جديد".

وبين المحلل الاقتصادي أن "الأسر العائدة تواجه في الوقت نفسه كلف السكن والغذاء والتعليم والعلاج والنقل، مما يجعل غياب مصدر دخل مستقر عاملاً قد يدفعها إلى تأجيل العودة أو العودة لفترة موقتة قبل المغادرة مرة أخرى". عودة مؤجلة حتى عندما تتمكن الأسرة من الوصول إلى منزلها، لا تعني العودة بالضرورة استعادة حياتها السابقة،

فبعض المنازل تحتاج إلى إصلاحات أساسية قبل أن تصبح صالحة للسكن، بينما تعجز الأسر عن توفير كلف الترميم، فتجد نفسها أمام خيار البقاء في النزوح أو العودة إلى منزل غير مكتمل الصلاحية. تشير أسرة عبدالباقي محمد نور،

التي عادت إلى منطقتها بعد فترة من النزوح، إلى أن "العودة إلى المنزل لم تكن كما توقعت، بعدما وجدت أن الأضرار التي لحقت بالمنزل خلال الحرب جعلت السكن فيه أمراً صعباً". وتوضح أن "إصلاح الأضرار بدا في البداية ممكناً،

لكن ارتفاع أسعار مواد البناء وكلف العمالة جعل عملية الترميم أكبر من قدرتها المالية"، لافتة إلى أن بعض الأضرار لا تقتصر على الشكل الخارجي للمنزل، وإنما تشمل أجزاء أساسية تحتاج إلى إصلاح قبل أن يصبح المكان آمناً ومناسباً للسكن. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وزادت "كنا نعتقد أن أصعب مرحلة هي أن نترك بيتنا وننزح،

لكن بعد العودة اكتشفنا أن الرجوع إلى البيت ليس دليلاً أننا نستطيع العيش فيه". واضطرت الأسرة إلى تأجيل بعض أعمال الإصلاح والاكتفاء بالحد الأدنى الذي يسمح بالإقامة، فيما لا تزال أجزاء أخرى من المنزل بحاجة إلى ترميم. وترى أن كثيراً من الأسر قد تواجه المشكلة ذاتها،

خصوصاً تلك التي فقدت مصادر دخلها خلال الحرب. وترى الأسرة التي عادت أخيراً إلى منزلها أن "امتلاك المنزل ليس كافياً وحده للعودة والاستقرار، ما لم تتوفر القدرة على إعادة تأهيله ليصبح صالحاً للحياة من جديد". توفير الأساسيات لا تنتهي مشكلة الأسر المتضررة بمجرد إصلاح الجدران أو استبدال الأبواب والنوافذ،

فالعودة إلى منزل متضرر تحتاج إلى أكثر من عملية ترميم، خصوصاً في المناطق التي خرجت من الحرب وهي تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية ومصادر الدخل. العامل في مجال التسويق العقاري حامد ياسين أوضح بدوره أن "أي أسرة فقدت جزءاً من ممتلكاتها أو مصادر رزقها خلال الحرب، فإن توفير المال لإصلاح المنزل قد يأتي على حساب حاجات أخرى،

مثل الغذاء والتعليم والعلاج، مما يجعل عملية إعادة بناء الحياة داخل المنزل أكثر تعقيداً من مجرد إصلاح الأضرار المادية". ويرى ياسين أن "إعادة تأهيل المساكن لا ينبغي أن تنظر إليها باعتبارها عملية إنشائية منفصلة، لأن صلاحية المنزل للسكن ترتبط بوجود الخدمات الأساسية وقدرة الأسرة على تحمل كلف الحياة بعد العودة،

فبعض الأسر قد تتمكن من إصلاح جزء من المنزل، لكنها تظل عاجزة عن العودة بصورة مستقرة إذا كانت المنطقة تفتقر إلى المياه أو الكهرباء أو الخدمات الصحية والتعليمية". واستطرد أن "إصلاح المنزل، حتى في حدوده الأساسية،

يمثل خطوة أولى للأسرة بعد العودة، على رغم وجود حاجات أخرى مرتبطة بمصدر الدخل وتوفير متطلبات المعيشة". ويرى العامل في مجال التسويق العقاري أن "بعض الأسر تحاول العودة تدرجاً إلى منازلها، لكن استكمال هذه العودة يرتبط بقدرتها على تحمل كلف الإصلاح،

إلى جانب توفر الخدمات والدعم في المناطق المتضررة. ومع صعوبة توفير هذه الحاجات، تظل عودة بعض الأسر واستقرارها في مناطقها مرتبطة بقدرتها على إعادة ترتيب حياتها وتوفير أساسيات المعيشة".