لم يعد البحر الأسود مجرد ساحة مواجهة عسكرية بين موسكو وكييف، بل تحول مجدداً إلى بؤرة خطر رئيسية تهدد تجارة الغذاء العالمية. فمع تصاعد الهجمات على الموانئ والسفن وارتفاع تكاليف التأمين، تترقب الأسواق انطلاق أكثر من 60 مليون طن من القمح من روسيا وأوكرانيا مجتمعتين خلال الموسم الحالي.

وتشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية إلى أن صادرات روسيا قد تصل إلى نحو 47.5 مليون طن، مقابل نحو 14 مليون طن لأوكرانيا. وفي خطوة لتهدئة الأوضاع، عرضت أوكرانيا،

عبر طرف ثالث، وقف الهجمات المتبادلة على السفن المدنية في البحر الأسود، في محاولة لتخفيف الضغط على طرق التصدير، غير أن موسكو لم تُظهر حتى الآن أي استعداد لقبول هدنة مماثلة.

وتأتي هذه المبادرة بعد موجة تصعيد حادة في يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، استهدفت موانئ وسفناً على جانبي البحر. أوديسا... شريان اقتصادي تحت النار يمثل البحر الأسود لأوكرانيا الطريق الأرخص والأكثر قدرة على تصدير المنتجات الزراعية.

ففي عام 2025، تعاملت الموانئ الأوكرانية مع 82.2 مليون طن من البضائع، كانت المنتجات الزراعية في المقدمة بنحو 44.2 مليون طن، أي أكثر من نصف حركة الموانئ،

مع صادرات وصلت إلى 55 دولة. ومنذ تشغيل الممر البحري الأوكراني في سبتمبر/أيلول 2023، نقل الطريق أكثر من 190 مليون طن من البضائع، بينها أكثر من 110 ملايين طن من الحبوب.

وتكشف الأرقام حجم صعوبة تعويض موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني بوسائل بديلة. ففي أول شهرين من عام 2026، عالجت الموانئ الأوكرانية أكثر من 15 مليون طن، استحوذت موانئ «أوديسا الكبرى» على 14.5 مليون طن منها،

بينها 8.5 ملايين طن من الحبوب، في حين لم تعالج موانئ الدانوب سوى 1.1 مليون طن، منها 221 ألف طن فقط من الحبوب. وتُظهر هذه الفجوة أن الطرق النهرية والسكك الحديدية تظل شبكة أمان محدودة؛ فهي أكثر تكلفة،

ولا تستقبل السفن الكبيرة نفسها، وتحتاج وقتاً أطول للوصول إلى الأسواق الخارجية. الضربات تصل إلى بوابة روسيا لم تعد المخاطر مقتصرة على أوكرانيا، فقد تسببت هجمات حديثة على نوفوروسيسك،

مركز تصدير الحبوب الروسي الرئيسي على البحر الأسود، في توقف عمليات منشآت للحبوب، وأدى ذلك إلى قفزة فورية في أسعار القمح العالمية. وارتفعت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو بنحو 3 في المائة بعد اضطراب الميناء،

ما يعكس حساسية الأسواق لأي تهديد للإمدادات الروسية. وإذا تعرضت صادرات البلدين للاضطراب في الوقت نفسه، فإن السوق أمام تهديد مزدوج لاثنين من أكبر موردي القمح في العالم. التأمين...

ضريبة حرب إضافية تظهر الفاتورة الاقتصادية بوضوح في سوق التأمين البحري، إذ تجاوزت أقساط مخاطر الحرب الإضافية على بعض الرحلات في البحر الأسود 1 في المائة من قيمة السفينة في يوليو/تموز، وقد تصل في حالات إلى 1.5 في المائة، ارتفاعاً من مستويات أقل بكثير قبل موجة التصعيد.

وهذا يعني أن سفينة قيمتها 50 مليون دولار قد تتحمل علاوة حرب إضافية تتراوح بين 500 ألف و750 ألف دولار للرحلة الواحدة، قبل احتساب الوقود والتأخير وتكاليف التشغيل. وتدفع المخاطر بعض ملاك السفن إلى تجنب المنطقة بالكامل، فيما يطلب آخرون أجور شحن أعلى.

وتحذّر تقديرات أممية من أن هذه الزيادات تنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء؛ فقد رجحت في الموجة الأولى من الاضطراب أن يؤدي ارتفاع أسعار الحبوب والشحن معاً إلى زيادة أسعار الغذاء للمستهلكين عالمياً بنحو 4 في المائة، نصفه تقريباً ناجم عن تكاليف النقل وحدها. أسعار الغذاء دخلت الأزمة من موقع مرتفع يأتي التصعيد الجديد فيما أسعار الغذاء العالمية مرتفعة أصلاً. فقد بلغ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة 131.1 نقطة في يوليو/تموز،

وهو أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، مع ارتفاع أسعار الحبوب 3.4 في المائة خلال الشهر، وقفزة أسعار القمح 5.8 في المائة. وكان المؤشر قد سجل 130.3 نقطة في يونيو/حزيران،

بزيادة سنوية 1.7 في المائة، رغم انخفاض أسعار الحبوب آنذاك بفضل توقعات وفرة الإمدادات من البحر الأسود. وهذا الانعطاف الحاد بين الشهرين يكشف سرعة تأثير المخاطر العسكرية في السوق خلال أسابيع. ومع أن المخزونات العالمية توفر حماية جزئية،

فإن الخطر الأكبر يتعلق بالتجارة الفعلية وتوقيت وصول الشحنات. فقد تكون الأسواق مزوّدة بكميات كافية من القمح إجمالاً، لكن تعطّل ميناء رئيسي أو تأخر السفن أو تضاعف كلفة التأمين يكفي لرفع الأسعار أمام المستهلكين النهائيين. الشرق الأوسط في مقدمة المتأثرين تتصدر دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قائمة الأكثر تأثراً بأي اضطراب جديد.

فمصر من أكبر مستوردي القمح عالمياً، وتشير التقديرات إلى واردات قد تصل إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026-2027، بعد 15.5 مليون طن في الموسم السابق. كما رُفعت توقعات واردات السودان إلى 2.8 مليون طن،

والسعودية إلى 4.2 مليون طن. وأي زيادة محدودة في سعر القمح أو الشحن ستتحول إلى عبء بمئات الملايين من الدولارات على فواتير الاستيراد، خصوصاً في اقتصادات تدعم الخبز أو تواجه ضغوطاً على العملات الأجنبية. وتكفي التجربة السابقة لإظهار أهمية الممرات الآمنة؛ فمبادرة حبوب البحر الأسود التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا بين 2022 و2023 سمحت بتصدير نحو 32.9 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا،

وذهبت نسبة كبيرة من شحنات القمح إلى الدول النامية والأقل نمواً. وساهمت المبادرة، مع تحسن الإمدادات، في خفض أسعار الغذاء العالمية بنحو 22 في المائة من ذروتها.

لذلك يتجاوز عرض الهدنة الأوكراني الحالي البعد العسكري، إذ يختبر مدى قدرة البحر الأسود على البقاء ممراً تجارياً موثوقاً. وحتى الآن، لا تشير التطورات إلى عودة سريعة للاستقرار: الموانئ تتعرض للهجمات،

وأقساط التأمين مرتفعة، وأسعار القمح أكثر حساسية للأخبار العسكرية، بينما تعتمد عشرات الدول على إمدادات البلدين. ومع كل يوم إضافي من التصعيد،

تنتقل تكلفة الحرب تدريجياً من السفن والموانئ إلى موائد المستهلكين حول العالم.