لم تستثن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 أحداً، فالجميع يعانون بطريقة أو بأخرى، لكن فئة بعينها تضررت بصورة خاصة، وهم المعاشيون.

إذ يشهد هؤلاء تلاشي القيمة الحقيقية لثمرة عملهم أي معاشاتهم التقاعدية، التي باتت تتقلص أمام الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراكم الالتزامات المالية. وقد دفعهم هذا الوضع ليجدوا أنفسهم يعيشون تحت خط الكفاف، مثقلين بالديون،

ومعتمدين على مساعدات إنسانية متقطعة. لقد وجد المعاشيون أنفسهم في قلب أزمة إنسانية مزدوجة، فإلى جانب تحديات التقدم في السن والأمراض المزمنة، اضطر كثر إلى اللجوء نحو دول الجوار،

وعلى رأسها مصر، هرباً من ويلات الحرب وظروف المعيشة القاسية، أو سعياً إلى مواصلة تلقي العلاج. ومع ذلك،

فإن التأخير المستمر في صرف معاشاتهم تركهم بلا دعم يمكنهم من مواجهة هذا الواقع الجديد والقاسي. وبعد مرور عام على الحرب، رفع المعاشيون مذكرة إلى رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان،

مطالبين بتدخله العاجل لمعالجة معاناتهم وزيادة معاشاتهم التقاعدية. وأوضح رئيس اتحاد المعاشيين السودانيين صلاح عوض أن المذكرة تسلط الضوء على الظروف المعيشية المتدهورة التي تواجهها هذه الفئة، وهي أوضاع تفاقمت بسبب تعليق صرف المعاشات، وضآلة المبالغ الشهرية المدفوعة،

وتراكم المستحقات غير المدفوعة من أعوام سابقة، مثل منح الأعياد المعتادة. كذلك تشير المذكرة إلى جملة من المظالم الأخرى، منها عدم صرف مكافآت نهاية الخدمة عن فترة 14 شهراً،

وتعطل إجراءات تسوية معاشات من تقاعدوا خلال فترة الحرب، وهؤلاء لم يتلقوا معاشاتهم بعد، بينما يرزحون تحت وطأة مزدوجة تتمثل في الحرب وصراع البقاء. وتتطرق المذكرة أيضاً إلى سوء إدارة صناديق المعاشات من الهيئات الاستثمارية،

مما حال دون استفادة المعاشيين من موارد كان من الممكن أن تضمن لهم ولأسرهم مستوى معيشياً كريماً. تقاعد مبكر أصدرت حكومة ولاية الخرطوم، عبر وزارة المالية والاقتصاد والاستثمار التابعة لها، توجيهاً بإنهاء الخدمة الفعلية للمتقاعدين،

وتحديداً أولئك الذين كانوا يعملون سابقاً في ديوان الخدمة المدنية، ممن سبق إحالتهم إلى التقاعد. ووصفت الولاية هذا الإجراء بأنه جزء من جهود إعادة تنظيم كوادر الخدمة المدنية وتسهيل الهيكلة الإدارية وإعادة توزيع الموظفين لمعالجة نقص العمالة. وينص التوجيه على استخراج "شهادات إخلاء طرف" لكل متقاعد،

وصرف مستحقات نهاية الخدمة، وإخلاء سبيلهم رسمياً من وحداتهم الإدارية، واستبعادهم فوراً من أية لجان أو مهام موكلة إليهم. وفي وقت سابق،

حذرت مجموعة "محامو الطوارئ" من تنفيذ توصيات قد تؤدي إلى إحالة عدد كبير من الموظفين إلى التقاعد المبكر وإلغاء عدد كبير من الوظائف في القطاع العام. وأعربت المجموعة، في بيان صحافي، عن قلقها البالغ "إزاء القرار الصادر في أبريل الماضي،

بناء على توصية من مجلس الوزراء، بتشكيل لجنة تتولى دراسة أوضاع موظفي الحكومة الاتحادية واقتراح تدابير لتقليص حجم الخدمة المدنية. ويأتي ذلك في أعقاب تقارير حول توصيات اللجنة، التي تتضمن إحالة أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعد المبكر وإلغاء نطاق واسع من وظائف القطاع العام".

وأضافت المجموعة "يضع هذا النهج آلاف الأسر في مواجهة خطر فقدان مصدر دخلها، في وقت تتضاءل فيه فرص العمل، وتنهار الخدمات الأساسية، وتتزايد معدلات النزوح واللجوء،

مما يفاقم الظروف المعيشية الهشة أصلاً لكثيرين". كذلك أشارت إلى أن أي حديث عن مزايا أو تعويضات مرتبطة بالتقاعد المبكر يظل أمراً مشكوكاً فيه للغاية، بالنظر إلى التجارب السابقة منذ اندلاع الحرب. وفضلاً عن ذلك،

فإن الانهيار الحاد في قيمة العملة وتسارع معدلات التضخم يواصلان تآكل القيمة الحقيقية لأي مستحقات مالية، مما يحد من قدرتها على توفير حتى الحد الأدنى من الحماية لسبل العيش. يبلغ عدد المتقاعدين في السودان نحو 500 ألف شخص بحسب مؤسسة التنمية الاجتماعية (وسائل التواصل) زيادة معلقة وفقاً لمؤسسة التنمية الاجتماعية، يبلغ عدد المتقاعدين في السودان نحو 500 ألف شخص،

منهم نحو 150 ألفاً يقيمون في ولاية الخرطوم، و20 ألفاً في ولاية الجزيرة. وتمثل النساء ما يقرب من 60 ألفاً، أي 30 في المئة،

من إجمالي عدد المتقاعدين في البلاد. وفي أغسطس (آب) 2025، تعهد وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية معتصم أحمد صالح بتحسين أوضاع المعاشيين من خلال تطبيق زيادة بنسبة 15 في المئة على مستحقاتهم، وهي زيادة كان قد أقرها سابقاً رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك،

لكنها ظلت معلقة من دون صرف منذ عام 2023. وقد قوبل هذا الإعلان المتجدد بتحفظات من جانب المعاشيين، الذين يؤكدون أنهم يستحقون هذه الزيادة منذ ذلك الوقت ويرون أنه ينبغي احتسابها على أساس تراكمي لعامي 2024 و2025، مع الأخذ في الحسبان تعديلات الرواتب التي أجريت خلال تلك الأعوام.

وقد حددت موازنة عام 2026 الحد الأدنى للمعاش الشهري بـ450 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل 46 دولاراً أميركياً يضاف إليه بدل قدره 80 ألف جنيه، أي ما يعادل خمسة دولارات. ومع ذلك،

صرح اتحاد المعاشيين بأنهم لم يتلقوا شيئاً. ويعزى التفاوت الكبير بين أدنى وأعلى قيمة للمعاشات إلى حقيقة أن المعاش في السودان يحتسب بنسبة 80 في المئة من الراتب الأخير للفرد، وعلى مدى الأعوام الثلاثة الماضية، قدم اتحاد المعاشيين أكثر من 12 مذكرة إلى الفريق البرهان،

ورئيس الوزراء كامل إدريس، يطالبون فيها برفع الحد الأدنى للمعاش كمرحلة أولى. وجاء في مذكرة يونيو (حزيران) العام الماضي "معاش شهري باتت قيمته اليوم أقل من ثمن كيلوغرامين من السكر".  كذلك نظموا أيضاً وقفة احتجاجية أمام مجلس الوزراء،

شارك فيها أكثر من 200 معاشي، معظمهم تجاوزوا سن الـ70. وإضافة إلى ذلك، رفعت النقابة دعوى قضائية ضد وزارة المالية بسبب عدم تطبيق القانون الذي ينص على أن يبلغ المعاش التقاعدي 80 في المئة من الراتب الأخير للموظف.

وعلى رغم صدور حكم قضائي لصالح المعاشيين، إلا أن وزارة المالية لم تقم بتنفيذ الحكم، متذرعة بـ"نقص السيولة". تفاقم الصعوبات من المفارقات أن موظفي الصندوق القومي للمعاشات يواجهون هم أيضاً ظروفاً صعبة،

فقد أعلن أحمد خضر، الأمين العام للنقابة العمالية التي تمثل موظفي الصندوق، نجاح إضراب شامل في جميع مكاتب وفروع الصندوق في أنحاء السودان، مؤكداً أن هذا التصعيد سيستمر حتى تتحقق المطالب كافة.

وتتمثل المطالب الرئيسة للموظفين في تحقيق مساواة فورية في الأجور والمزايا مع العاملين في "هيئة استثمار الضمان الاجتماعي" والوقف الفوري للاستقطاعات من الرواتب، التي تصفها النقابة بأنها غير قانونية، مشيرة إلى أن هذه الاستقطاعات تصل إلى 40 في المئة من إجمالي الراتب. وتشمل المطالب الأخرى تحسين بيئة العمل وتطوير مرافق الصندوق وتوفير الموارد الأساسية اللازمة لتسهيل تقديم الخدمات للمتقاعدين،

كذلك يطالب الموظفون بإنصاف المشمولين بقرار مجلس الوزراء رقم 108، وضمان استعادة كامل حقوقهم، إضافة إلى إيجاد حل عاجل لأوضاع الموظفين في ولايتي دارفور وكردفان، بما يضمن صرف رواتبهم ومستحقاتهم المالية في الوقت المحدد.

أما بالنسبة إلى المعاشيين، فتتمثل أبرز مخاوفهم في عدم كفاية المعاشات التقاعدية وتأخر صرفها في مواعيدها، إذ شهدت بعض البنوك تأخيراً في معالجة المدفوعات، مما يفاقم المعاناة التي يواجهونها.

وعقب اندلاع الحرب، واجه موظفو الصندوق عقبات حالت دون عودتهم لأماكن عملهم، حتى بعد تسوية أوضاعهم ووصولهم لاستئناف مهامهم. وفضلاً عن ذلك،

فإنه عند صدور القرار الوزاري الذي دعا الموظفين للعودة للعمل، واجهوا عراقيل إضافية أعاقت قدرتهم على مباشرة مسؤولياتهم المهنية. فقد جرى تجميع الموظفين القادمين من إدارات ومواقع مختلفة، بما في ذلك بحري وأم درمان والمقر الرئيس للصندوق وولاية الخرطوم،

في مرافق ضيقة وغير ملائمة. وتشكل أزمة المواصلات أيضاً تحدياً إضافياً للعاملين، في ظل نقص وسائل النقل المتاحة واضطرارهم إلى تحمل الأعباء المالية لشراء الوقود، مما يزيد من تفاقم الصعوبات التي يواجهونها على مستوى ظروفهم المعيشية والمهنية.

كشف الاتحاد العام لمتقاعدي الخدمة المدنية عن توقف خدمات الرعاية الطبية والتأمين الصحي لنحو 230 ألف متقاعد (وسائل التواصل) مناشدات مستمرة توقعت سمية حسين، وهي معلمة متقاعدة أمضت نحو 31 عاماً في قطاع التعليم، أن تكون أعوام تقاعدها هادئة ومريحة. لكنها وجدت نفسها بدلاً من ذلك عالقة في دوامة من المعاناة،

جعلتها تتساءل عن جدوى الأعوام التي كرستها للخدمة العامة. تصف سمية شعورها بالعجز، فهي محاصرة بين السعي إلى تلبية احتياجاتها الأساسية، وبين حقها في الحصول على معاش تقاعدي.

وتشير إلى أن المبلغ الذي تتقاضاه لا يكاد يوازي عناء الساعات الطويلة التي تقضيها في الانتظار أمام شبابيك البنوك، وهو وضع يزداد سوءاً عند تعطل الخدمات المصرفية عبر الرسائل النصية. وتضيف حسين أن جميع المناشدات التي رفعت إلى الجهات المعنية، للمطالبة بتعديل المعاشات التقاعدية لتواكب معدلات التضخم،

وانخفاض قيمة العملة الوطنية في مقابل الدولار، وتآكل القوة الشرائية للمعاشات، لم تلق أية استجابة أو اهتمام. وفي سياق متصل،

يوضح عبدالكريم عثمان، وهو متقاعد من قطاع النقل البري، أنه يعاني مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، مشيراً إلى أن معاشه الشهري لا يكفي حتى لتغطية نفقاته الطبية،

ناهيك بالصراع اليومي لمواجهة غلاء المعيشة. ويذكر عثمان أنه كان يأمل في تحسن وضعه بعد سماعه تقارير إعلامية تتحدث عن بنود في الموازنة الوطنية لعام 2026، تتضمن تخصيص أموال لرفع الحد الأدنى للمعاش التقاعدي، لكن في الواقع لم يصل إليه شيء،

إذ لا يزال يتلقى المبالغ الزهيدة ذاتها. وتجدر الإشارة إلى أن عدداً من المعاشيين، إلى جانب معاناتهم المالية، يعيشون في منازل مستأجرة،

بينما عاد آخرون، بعد نزوحهم، ليجدوا أن معاشاتهم لم تعد تغطي أياً من التزاماتهم، لا سيما وأن الحرب قد تركت منازلهم مدمرة أو منهوبة.

ولا تزال تداعيات التضخم وارتفاع الأسعار تشكل عبئاً ثقيلاً على المتقاعدين، إذ تشير تقارير حقوقية واقتصادية إلى أن بعض المعاشات التقاعدية، كتلك الخاصة بالمعاشيين من الجامعات، قد انخفضت إلى مستويات متدنية للغاية،

إذ لا تتجاوز قيمتها نحو 15 دولاراً في الشهر. علاوة على ذلك، كشف الاتحاد العام لمتقاعدي الخدمة المدنية عن توقف خدمات الرعاية الطبية والتأمين الصحي لنحو 230 ألف متقاعد، مما يزيد من تفاقم معاناتهم المرتبطة بوضعهم الصحي.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) أولوية قصوى أكدت مجموعة "محامو الطوارئ" أن الأولوية القصوى تتمثل في وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومعالجة الكارثة الإنسانية. وترى المجموعة أن هذا يمثل شرطاً أساساً لأي استقرار اقتصادي أو اجتماعي،

لا سيما في ظل توجيه موارد الدولة بصورة متزايدة لدعم العمليات العسكرية على حساب القطاعات المدنية والخدمات الأساسية، وهو اتجاه يفاقم الانهيار العام ويحول دون معالجة الجذور الحقيقية للأزمة. وأشار الباحث أمير الزبير إلى أن الحرب الدائرة في السودان تضطر كثيراً من المعاشيين إلى السفر نحو مدن أكثر أماناً لإتمام إجراءات إدارية تتطلب حضورهم الشخصي، كتحديث بيانات حساباتهم المصرفية،

مما يعرضهم لمشاق كبيرة ولعمليات استغلال من وسطاء يزعمون تسهيل هذه المعاملات. كذلك أوضح أن الأزمة دفعت بعض المعاشيين، خصوصاً أولئك الذين ليس لديهم أبناء مقتدرين مادياً، إلى العمل في مهن هامشية لا تتناسب مع أعمارهم أو حالتهم الصحية.

وقد لوحظ أن كبار السن يشكلون شريحة واسعة من المترددين على "التكايا" (المطابخ الجماعية)، التي تديرها لجان الطوارئ في الأحياء. وسلط الزبير الضوء على الأثر النفسي العميق لهذا الوضع، والمتمثل في تلاشي الطبقة الوسطى،

التي تضم موظفي الخدمة المدنية السابقين والمعلمين وغيرهم، إذ تحول أفرادها من معيلين أساسيين لأسرهم إلى أشخاص باتوا هم أنفسهم بحاجة إلى الرعاية. ولفت الزبير إلى أن الوضع الصحي للمعاشيين يمثل أحد أكبر التحديات التي يواجهونها، إذ تتفاقم معاناتهم جراء عجزهم عن توفير الأدوية الضرورية لحالاتهم.

وأشار إلى تزايد حالات "الوفيات الصامتة" في صفوف المتقاعدين في الفترة الأخيرة، الناجمة عن النوبات القلبية، أو الارتفاع المفاجئ في ضغط الدم، أو انخفاض مستويات السكر في الدم،

وغيرها من الحالات، وذلك بسبب عدم قدرتهم المالية على تحمل تكاليف العلاج. وتوقع الزبير بأن تطالب النقابة بألا يقتصر تحسين أوضاع المعاشيين على زيادة المعاش الشهري فقط، وإنما إنشاء منظومة متكاملة ترفع دخلهم،

وتخفض تكاليف معيشتهم، وتستثمر خبراتهم وتمنحهم حياة أكثر استقراراً.