تعيد الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل (نيسان) عام 2023، بما أحدثته من تحولات في موازين القوى وإعادة تشكيل للحسابات الإقليمية، طرح سؤال ظل مؤجلاً لسنوات، هل بدأت الخرطوم مرحلة إعادة ترميم علاقاتها مع جوارها الذي عرف،

في محطات مختلفة، مستويات متباينة من التوتر والخصومة؟ على امتداد عقود، لم تكن علاقات السودان مع محيطه الإقليمي ثابتة،

بل تأرجحت بين التعاون والصراع تبعاً لتغيرات البيئة الأمنية وتداخل الأزمات الداخلية مع حسابات النفوذ الإقليمي. فمن تشاد التي ارتبطت علاقتها بالسودان لفترات طويلة بملفات الحدود والحركات المسلحة، إلى أوغندا التي خضعت العلاقة معها لسنوات من التنافس والاصطفافات المتعارضة، مروراً بإثيوبيا التي تذبذبت علاقاتها مع السودان بين التنسيق والاحتكاك بفعل قضايا الحدود والمياه وتوازنات القرن الأفريقي،

وصولاً إلى تعقيدات العلاقة مع بقية دول الجوار، حيث ظل الإقليم محكوماً، في كثير من مراحله، بمنطق إدارة الأزمات أكثر من بناء الشراكات المستقرة.

إلا أن الحرب الدائرة لا تعيد رسم خطوط السيطرة على الأرض فحسب، بل تدفع السودان أيضاً إلى مراجعة أولوياته، وإعادة تعريف مصالحه، وإعادة فتح قنوات ظلت مغلقة بفعل حسابات مرحلة سابقة.

في هذا السياق، تكتسب زيارة السفير جوزيف أكووت مبعوث الرئيس الأوغندي يوري موسفيني إلى الخرطوم أهمية تتجاوز بعدها الثنائي، ليس لأنها تمثل تحولاً نهائياً في العلاقات بين البلدين، وإنما لأنها قد تعكس اتجاهاً إقليمياً آخذاً في التشكل لإعادة تقييم الواقع السوداني في ضوء التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الزيارة بوصفها مؤشراً أولياً إلى حراك يتجاوز أوغندا نفسها، ويعكس بداية مراجعات إقليمية أوسع قد تفتح الباب أمام إعادة ترميم علاقات السودان مع عدد من دول الجوار، وفقاً لمعادلات جديدة فرضتها الحرب وتوازناتها المتغيرة.

منطقة رمادية تشكلت خلافات السودان مع جواره عبر عقود من تداخل الجغرافيا مع الأمن، والحدود مع الصراعات الداخلية، بحيث تحول بعض الحدود إلى مساحات لتقاطع النفوذ أكثر منها خطوطاً فاصلة بين الدول. ففي الغرب،

ارتبطت العلاقة مع تشاد منذ ثمانينيات القرن الماضي بحال من التداخل القبلي والعسكري، قبل أن تبلغ ذروة التوتر خلال العقد الأول من الألفية، مع تبادل الخرطوم وإنجمينا الاتهامات بإيواء ودعم الحركات المتمردة، إلى أن أفضت مصالحة عام 2010 إلى إنشاء آلية مشتركة لمراقبة الحدود،

لتتحول العلاقة تدريجاً من المواجهة إلى التنسيق الأمني. أما جنوباً، فقد ظلت العلاقة مع أوغندا محكومة بحروب الوكالة أكثر من العلاقات الثنائية، إذ دعمت كمبالا الحركة الشعبية لتحرير السودان،

بينما اتهمت أوغندا الخرطوم لسنوات بإسناد "جيش الرب للمقاومة"، قبل أن يشكل اتفاق نيروبي عام 1999 بداية مسار لاحتواء هذا الصراع، ثم جاءت اتفاقية السلام الشامل عام 2005 واستقلال جنوب السودان عام 2011 لتفرض معادلات أمنية جديدة، وإن لم تُنهِ إرث الشكوك المتبادلة.

وفي الشرق، لم تكن العلاقة مع إثيوبيا أقل تعقيداً، إذ انتقلت من التعاون الوثيق إلى التنافس بفعل تداخل ملفات الحدود في الفشقة، وسد النهضة،

وأمن البحر الأحمر، ثم أضافت الحرب في السودان مستوى أوسع من الارتياب السياسي. أما إريتريا، فقد تأرجحت علاقتها بالسودان بين القطيعة والتنسيق،

وتبادل البلدان، خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، دعم جماعات المعارضة، قبل أن تفرض التحولات الإقليمية قدراً أكبر من البراغماتية والتعاون الأمني.

ومع اندلاع الحرب في السودان، عادت هذه العلاقات جميعها إلى مرحلة إعادة التموضع، لكن بدرجات متفاوتة. فبعض دول الجوار انحاز بوضوح إلى حسابات بعينها،

وبعضها آثر إدارة التوازن بين الأطراف، بينما اختارت أخرى توسيع هوامش التعاون مع الخرطوم. وهكذا، لم يعد توصيف علاقات السودان بجواره محصوراً بثنائية الصديق والخصم،

بل أصبح أقرب إلى منطقة رمادية يمكن وصفها بعلاقات "الأعدقاء"، حيث تتعايش المصالح المشتركة مع الشكوك المزمنة، ويظل التعاون قائماً دون أن يفضي بالضرورة إلى الثقة الكاملة. عوامل متداخلة  يعكس الحراك المتسارع لإعادة ترميم علاقات السودان مع دول جواره في هذا التوقيت تغيراً في الحسابات الاستراتيجية للإقليم.

ويمكن تفسير هذا التحول بجملة من العوامل المتداخلة. أولها، التحولات الميدانية التي أفرزتها الحرب، والتي دفعت عدداً من العواصم إلى إعادة تقييم رهاناتها السابقة،

بعدما بدا أن معادلات الصراع لم تعد كما كانت في بداياته، وأن التعامل مع مؤسسات الدولة السودانية أصبح خياراً يصعب تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة. وثانيها، تنامي الإدراك لدى دول الجوار بأن كلفة استمرار الحرب تجاوزت حدود السودان،

بعدما تحولت إلى مصدر دائم لتدفقات النزوح، واتساع شبكات التهريب، وتصاعد الجريمة العابرة للحدود، وانتقال السلاح،

وتزايد أخطار نشاط الجماعات المسلحة في فضاء إقليمي مضطرب. وبذلك، لم يعد استقرار السودان شأناً يخصه وحده، بل أصبح ضرورة مباشرة لأمن تشاد وإثيوبيا وإريتريا وأوغندا ودولة جنوب السودان،

فضلاً عن بقية دول الإقليم. أما العامل الثالث، فيتمثل في بدء الاستعداد المبكر لمرحلة ما بعد الحرب. فدول الجوار تدرك أن إعادة الإعمار،

وإدارة الحدود، واستئناف التجارة، وتأمين الممرات البرية، لن تكون ممكنة دون إعادة بناء قنوات سياسية فاعلة مع الخرطوم.

وفي المقابل، يعمل السودان على توسيع شبكة علاقاته الإقليمية، ليس فقط لتثبيت شرعيته السياسية، وإنما لاستعادة موقعه داخل المنظومة الأفريقية،

وتقليص فرص عزله، وتحويل الدعم السياسي إلى شراكات أمنية واقتصادية طويلة الأمد. ومن ثم، فإن ما تشهده علاقات السودان بجواره لا يعكس تسوية للخلافات التاريخية بقدر ما يجسد انتقالاً إلى مرحلة جديدة تحكمها براغماتية المصالح.

فقد تراجعت اعتبارات الخصومة أمام ضرورات الاستقرار، وأصبح منع انهيار الدولة السودانية، واحتواء تداعيات الحرب، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية،

قواسم مشتركة تدفع معظم دول الجوار إلى إعادة تموضعها، وإن اختلفت دوافع كل دولة وحدود انتظامها في هذا المسار. تحديات بنيوية على رغم المؤشرات التي توحي بفتح صفحة جديدة في علاقات السودان مع محيطه الإقليمي، لكن تحويل هذا الحراك إلى مسار مستدام يواجه جملة من التحديات البنيوية التي تتجاوز الإرادة السياسية وحدها.

فإعادة ترميم علاقات السودان مع جواره لن تكون مساراً خطياً، لأن جذور الخلافات لم تقتلع، بل جمدت في كثير من الأحيان تحت ضغط الضرورات السياسية. فأمن الحدود،

الذي يمثل القاسم المشترك بين السودان وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، لا يزال هشاً بفعل انتشار الجماعات المسلحة، وتدفقات السلاح، وشبكات التهريب،

وهي تحديات تجعل أي تقارب سياسي عرضة للاهتزاز عند أول أزمة أمنية عابرة للحدود، إضافة إلى أن استمرار الحرب أوجد وقائع جديدة على الأرض، من بينها موجات نزوح ضخمة وضغوط إنسانية وأمنية على الدول المجاورة، ما يجعل حساباتها تجاه الخرطوم مرتبطة أيضاً بأعبائها الداخلية.

ويبرز التحدي الإثيوبي بوصفه الأكثر تعقيداً، ليس فقط بسبب استمرار الخلاف حول الفشقة وسد النهضة، وإنما أيضاً لأن العلاقات باتت تتأثر بتوازنات القرن الأفريقي، والصراعات الداخلية في إثيوبيا،

والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر، وهي ملفات تتجاوز قدرة أي تفاهم ثنائي على احتوائها بالكامل. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وفي المقابل، تظل العلاقة مع تشاد رهينة هشاشة إقليم دارفور،

والتداخل القبلي على جانبي الحدود، وإمكان عودة شبكات التمرد والارتزاق إلى النشاط متى تراجعت الرقابة الأمنية. أما إريتريا، فعلى رغم تقارب مواقفها مع الخرطوم في ملفات عدة،

فإن أولوياتها تظل مرتبطة بحساباتها مع إثيوبيا، بما يجعل أي تغير في معادلات القرن الأفريقي ينعكس مباشرة على علاقاتها بالسودان. وتشكل جنوب السودان بدورها حالاً مختلفة، إذ تفرض حقول النفط،

ورسوم العبور، وأمن الحدود، وانتشار الجماعات المسلحة، معادلة تعاون لا يمكن الاستغناء عنها،

لكنها تظل معرضة للتأثر بالأزمات الداخلية في البلدين. ويضاف إلى ذلك عامل لا يقل أهمية، يتمثل في تنافس القوى الإقليمية والدولية على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث أصبحت بعض عواصم الجوار يتحرك ضمن شبكات تحالف أوسع،

لا وفق حساباتها الثنائية مع الخرطوم وحدها. مسارات متوازية إذا كانت الحرب قد أعادت تشكيل موازين القوة داخل السودان، فإنها أعادت، بالقدر نفسه،

تشكيل الطريقة التي ينظر بها الإقليم إلى الدولة السودانية ومستقبلها، ويمكن أن تتحرك السياسة الخارجية السودانية بمنطق يتجاوز إدارة الأزمة إلى التحضير لمرحلة ما بعد الحرب، مستفيدة من التحولات الميدانية التي وسعت هامش حركتها، ومن إدراك لدى دول الجوار بأن استقرار السودان يمثل مصلحة إقليمية مشتركة.

وتتحرك الخرطوم عبر ثلاثة مسارات متوازية، يتمثل الأول في إعادة ترميم العلاقات مع دول الجوار التي شهدت علاقاتها بالسودان توترات متفاوتة خلال العقود الماضية، أوغندا وتشاد وإثيوبيا وإريتريا، من خلال استعادة قنوات الاتصال السياسي والأمني،

والانتقال تدريجاً من إدارة الأزمات إلى بناء تفاهمات أكثر استقراراً. أما المسار الثاني، فيستهدف ترسيخ الاعتراف الإقليمي بمؤسسات الدولة السودانية باعتبارها الإطار الشرعي الوحيد لإدارة البلاد، بما يحد من فرص إضفاء المشروعية على أي ترتيبات موازية،

ويعزز موقع الخرطوم داخل الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية. ويقوم المسار الثالث على التهيؤ المبكر لمرحلة ما بعد الحرب، عبر بناء شراكات مع دول الجوار في ملفات إعادة الإعمار، وتأمين الحدود،

واستعادة حركة التجارة، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار السودان لن يتحقق بمعزل عن استقرار محيطه الإقليمي. ومع أن هذا المسار لا يزال في بداياته،

فإن المؤشرات الراهنة توحي بأن السياسة الخارجية السودانية تتجه إلى استعادة دورها الإقليمي بصورة تدريجية، إذا ما نجحت في تثبيت الاستقرار الداخلي واستثمار الزخم الدبلوماسي الحالي. وخلال المرحلة المقبلة، ينتظر أن تفعل أهمية السودان في حسابات القرن الأفريقي وشرق أفريقيا،

باعتباره شريكاً في معادلات الأمن الإقليمي، وربط الممرات التجارية، وإدارة ملفات الهجرة واللجوء. وسيبقى نجاح هذا التحول رهناً بقدرة الخرطوم على ترجمة التقارب السياسي إلى مصالح متبادلة وشبكات تعاون طويلة الأمد،

لأن النفوذ الإقليمي لا يبنى على المواقف الدبلوماسية العابرة، بل على شراكات مستقرة تصمد أمام تغير الحكومات وتقلب موازين القوى.