لم تعد الشوارع في السودان مجرد مساحات للنازحين والفقراء والهاربين من الحرب، فبالنسبة إلى أعداد متزايدة من الناس أصبحت مكاناً للإقامة، ومصدراً للبقاء، وواجهة جديدة لأزمة اجتماعية أخذت تتسع مع استمرار القتال.

في الخرطوم، حيث أعادت الحرب رسم خريطة الحياة اليومية، يبرز المشردون في الأسواق والطرقات والأماكن العامة في مشهد لم يعد استثنائياً أو عابراً، بل تحول تدريجاً إلى ظاهرة لافتة في مدينة أنهكتها الحرب والنزوح وتراجع الخدمات.

وتكشف الظاهرة، في صورتها الوسعى، عن تفكك متزامن لدوائر الحماية التي كان يفترض أن تحول دون وصول الأفراد إلى الشارع، والأسرة،

والمسكن، والدخل، والخدمات الاجتماعية. وبينما تبدو بعض الحالات موقتة مرتبطة بظروف النزوح أو فقدان السكن،

تنزلق حالات أخرى إلى تشرد كامل، حين يصبح الشارع بديلاً مستداماً عن البيت. وفي قلب هذا المشهد يقف الأطفال، وهم الفئة الأكثر انكشافاً أمام تداعيات الظاهرة.

أطفال يقضون ساعات طويلة في الشوارع بعيداً من أسرهم، في واقع يضعهم على تماس مباشر مع الجوع والعنف والاستغلال وأخطار فقدان التعليم والرعاية والحماية. ويأتي حضور ما يعرف محلياً بـ"الشماسة" ليعكس جانباً من هذه الصورة، بعدما اتسعت أعداد الأطفال الذين يعيشون أو يقضون معظم يومهم خارج إطار الأسرة والمأوى،

وتحت الشمس. ومع امتداد الحرب لم يعد التشرد مجرد نتيجة جانبية للنزوح والفقر، بل أصبح واحداً من أكثر المظاهر الاجتماعية وضوحاً للأزمة، وعلامة على حجم التحول الذي أصاب حياة السودانيين وقدرة مؤسسات الرعاية والحماية على احتواء آثاره.

اتساع الاحتياجات الإنسانية ونقص التمويل يظلان من أبرز القيود على تحويل هذه الترتيبات إلى شبكة حماية مستدامة في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد) ملاذ اضطراري قال الباحث الاجتماعي أمير عوض "لم تبدأ ظاهرة التشرد في السودان مع اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، فقد سبقتها أعوام من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنزوح المتكرر وتراجع الخدمات العامة، وهي عوامل أضعفت قدرة الأسر والأفراد على الاحتفاظ بمصادر الدخل والسكن والحماية. وكان السودان،

حتى قبل الحرب، يستضيف نحو 3.82 مليون نازح داخلياً، وفق تقديرات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، معظمهم من موجات النزوح المرتبطة بصراعات دارفور منذ عام 2003"،

وأضاف "كانت المؤشرات تمتد إلى قطاعات أساسية تمس استقرار الأسر مباشرة، فقد أفادت ’اليونيسف‘ عام 2022 بأن نحو 6.9 مليون طفل، أي واحد من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة كانوا خارج المدرسة، فيما كان 12 مليوناً آخرون يواجهون اضطراباً كبيراً في مسار تعليمهم بسبب نقص المعلمين والبنية التحتية وضعف البيئة التعليمية.

وكانت ظواهر العمل والعيش في الشوارع والانفصال عن الأسرة والنزوح والفقر، تتقاطع لتضع فئات مختلفة ولا سيما الأطفال، في دوائر متداخلة من الضياع والحماية المحدودة". وأورد عوض "جاءت الحرب لتوسع هذه الدائرة بسرعة استثنائية،

فبعد أربعة أشهر فقط، في أغسطس (آب) 2023، كانت "اليونيسف" تقدر أن 24.7 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 13.6 مليون طفل،

وأن نحو 1.7 مليون طفل نزحوا داخلياً وعبر الحدود. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ارتفع عدد الأطفال خارج المدرسة إلى نحو 19 مليوناً، بعدما أغلقت الحرب ما لا يقل عن 10400 مدرسة، وفقد 6.5 مليون طفل إمكان الوصول إلى التعليم بسبب العنف وانعدام الأمن".

ويرى الباحث الاجتماعي أن هذه الأرقام كشفت، خلال أشهر قليلة، عن انتقال التشرد من سياق اجتماعي قائم قبل الحرب إلى أزمة أوسع نطاقاً، إذ أدى فقدان السكن والدخل والخدمات والنزوح المتكرر وتفكك شبكات الحماية،

إلى دفع مزيد من الأشخاص نحو أوضاع سكنية غير مستقرة، وجعل الشارع، بالنسبة إلى بعضهم، ملاذاً اضطرارياً لا خياراً عابراً.

انهيار واسع أوضحت المتخصصة في علم النفس الاجتماعي، عفاف الأمين، أن ظاهرة التشرد تبدو الآن، ومع تجاوز الحرب عامها الرابع،

قد انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيداً من مجرد فقدان المأوى، إذ تتقاطع مع تفكك الروابط الأسرية، وفقدان مصادر الدخل، وتراجع الحماية الاجتماعية،

واتساع دائرة الأشخاص الذين يقضون أيامهم أو لياليهم في الشوارع والأسواق والأماكن العامة. وحسب أحدث حصر معلن، قال وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق حسن فريني، إن مسحاً شمل المحليات السبع للولاية رصد أكثر من 4320 مشرداً،

مع تحديد مناطق وجودهم ضمن الحالات المصنفة كتشرد كامل، ومواقع انتشار الحالات التي وصفها بالتشرد الجزئي. وتشمل الظاهرة، بحسب الوزير،

أطفالاً ونساء وكبار سن، وليس الأطفال وحدهم. وعلقت المتخصصة في علم النفس الاجتماعي على ذلك بأنه في قلب هذه الصورة يظل الأطفال المرتبطون بالشارع الأكثر تعرضاً للخطر. وتحتفظ "اليونيسف" بتقدير سابق يفيد بأن 3.5 في المئة من الأطفال دون الـ18 سنة كانوا يعيشون من دون والديهم،

ويشمل ذلك أطفال الشوارع والأطفال العاملين في أعمال خطرة والمقيمين في مؤسسات الرعاية، وهو مؤشر يصلح كتقدير لحجم الظاهرة الحالية، لكنه يوضح أن الانفصال عن الأسرة كان قائماً قبل الحرب، وأضافت "الحرب جعلت الشارع أكثر قسوة،

بتراجع مصادر الطعام والعمل، وانكشاف الأطفال للعنف والاستغلال، وتزايد أخطار التجنيد من جانب الجماعات المسلحة، كذلك وثقت دراسة ميدانية سابقة في الخرطوم حجم الأخطار التي تحيط بأطفال الشوارع،

إذ أفاد 75.3 في المئة من عينة من 275 طفلاً بتعرضهم لنوع من الإساءة، و93.2 في المئة ممن تعرضوا للإساءة أبلغوا عن إساءة جسدية، بينما سجلت الدراسة إساءات نفسية وجنسية أيضاً". وتابعت الأمين "فئة المشردين في السودان اليوم لا تمثل كتلة واحدة أو حالة اجتماعية متجانسة،

فبين من فقدوا المأوى كلياً، ومن يعيشون نهارهم في الشوارع ويعودون إلى أسرهم بصورة متقطعة، ومن انقطعت صلاتهم بمصادر الرعاية، تتشكل ظاهرة تتسع حدودها أسرع من قدرة مؤسسات الدولة والمنظمات الإنسانية على حصرها والاستجابة لها".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) مسارات مترابطة في مواجهة اتساع ظاهرة التشرد في الخرطوم، انتقلت السلطات المحلية خلال 2025 و2026 من التعامل المتفرق مع الحالات إلى محاولة بناء مسار أكثر انتظاماً يبدأ بالحصر وينتهي بإعادة الدمج أو الإيواء. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025 وجهت لجنة أمن محلية الخرطوم إلى حصر المشردين والمتسولين بالتنسيق مع وزارة التنمية الاجتماعية، تمهيداً لاستيعابهم في دور الإيواء،

ضمن حزمة من الإجراءات التي شملت أيضاً تعزيز وجود الشرطة في هذه المناطق. وفي مايو (أيار) الماضي تطور هذا التوجه إلى ترتيبات لإطلاق حملة موحدة بين محليات ولاية الخرطوم، برعاية وزارة التنمية الاجتماعية وبمشاركة شرطة حماية الأسرة والطفل وشرطة أمن المجتمع والجهات ذات الصلة، بهدف حصر المشردين وتصنيفهم وإيداعهم في دور الإيواء التي يجري إعدادها.

وتكشف الخطة عن محاولة للحد من انتقال الحالات بين المحليات، بحيث لا تؤدي الحملات المنفصلة إلى دفع المشردين من منطقة إلى أخرى من دون معالجة أوضاعهم. ووفق التصور المعلن يفترض أن تعقب الجمع عملية تصنيف تحدد طبيعة الحالة واحتياجاتها، ثم البحث عن الأسرة وإعادة من يمكن دمجه فيها،

أو إحالة الحالات التي يتعذر دمجها إلى مؤسسات الرعاية، مع اتخاذ ترتيبات منفصلة في شأن الأجانب بالتنسيق مع الجهات المتخصصة.  وحسب ما أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، فإنها تعمل على إنشاء مركز لتجميع الحالات وتصنيفها،

ثم بحث إمكانات إعادة الدمج الأسري أو الإحالة إلى الولايات أو الجهات المعنية، غير أن محدودية الموارد لا تزال عائقاً أمام فتح دور إيواء بالقدرة المطلوبة، ولذلك تتجه السلطات إلى مراكز للتصنيف وتقديم الخدمات الأولية قبل تحديد مسار كل حالة، ويتزامن ذلك مع جهود أوسع لاستعادة منظومة الحماية الاجتماعية،

فقد دعمت "اليونيسف" خلال النصف الأول من هذا العام تدريب أكثر من 400 عامل اجتماعي وتوسيع خدمات إدارة الحالات وتتبع الأسر ولم شمل الأطفال، واستفاد 20190 طفلاً من خدمات التتبع ولم الشمل والرعاية البديلة خلال 2025. وتشير مجمل هذه التحركات إلى أن المعالجة الرسمية بدأت تتبلور حول أربعة مسارات مترابطة، الحصر والتصنيف والحماية والإيواء الموقت،

ثم إعادة الدمج الأسري أو المجتمعي. عوائق متشابكة  قالت الناشطة في حقوق الطفل والأسرة، عزة ربيع "تواجه جهود الدولة السودانية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لمعالجة التشرد جملة من العوائق المتشابكة، أبرزها شح التمويل وتراجع المساعدات الخارجية،

وضعف البنية المؤسسية والخدمات الاجتماعية، واتساع النزوح والفقر، وصعوبة الوصول إلى الفئات المشردة وحصرها، وتشتت المسؤوليات بين مستويات الحكم والجهات المتخصصة،

ومحدودية مرافق الإيواء والرعاية وإعادة الإدماج"، وأضافت إلى ذلك، استمرار الحرب وما تفرضه من قيود أمنية ولوجستية، فضلاً عن أخطار استغلال الفئات الهشة والاتجار بها وتفكك الروابط الأسرية.

وترى ربيع "تكتسب مشكلة التمويل ثقلاً متزايداً، فقد طلبت خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 نحو 2.9 مليار دولار لتلبية احتياجات 20.4 مليون شخص، بينما لم يكن قد توفر بحلول يونيو (حزيران) الماضي سوى نحو 41 في المئة من التمويل المطلوب، الأمر الذي أدى بالفعل إلى تقليص أو تعليق برامج في قطاعات أساسية.

وفي سبتمبر (أيلول) الجاري حذرت منظمة الهجرة الدولية من قرب نفاد مخزون مواد الإيواء والمستلزمات الأساسية، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، أن تمويل عملياته في السودان انخفض إلى نحو 206 ملايين دولار، مقابل 645 مليوناً في العام السابق"،

وأوضحت "الحديث عن انسحاب المنظمات الدولية لا يعني انتهاء دورها، بل إن دورها يتحول، تحت ضغط الموارد، من التوسع في التغطية إلى حماية الحد الأدنى من الخدمات الحيوية،

ودعم قدرات المؤسسات المحلية، وإدارة الحالات، والتتبع الأسري وإعادة الدمج، وتوفير الخبرة والبيانات والتنسيق،

غير أن اتساع الاحتياجات الإنسانية ونقص التمويل يظلان من أبرز القيود على تحويل هذه الترتيبات إلى شبكة حماية مستدامة، ففي يوليو (تموز) الماضي لم تكن ’اليونيسف‘ قد حشدت سوى 352 مليون دولار من أصل 963 مليوناً لندائها الإنساني لذلك العام". وترى الناشطة في حقوق الطفل والأسرة أن التحدي الأعمق هو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى معالجة أسباب التشرد وفقدان السكن والتفكك الأسري والفقر والنزوح والبطالة وانهيار الخدمات، وهي ملفات لا يستطيع العمل الإنساني وحده حسمها،

بل تتطلب سياسة اجتماعية وطنية مستمرة، وتمويلاً مستقراً، وشراكة طويلة الأمد بين الدولة والمجتمع والمنظمات الدولية.