في خضم الصراع المحتدم حول مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، يجد العالم نفسه من جديد وهو يراقب بالقلق ذاته حملة القصف الجوي المستمرة بالمسيرات ومحاولات تضييق الحصار والإغلاق التي تتعرض لها المدينة، في استنساخ لخطوات وسيناريو اقتحام مدينة الفاشر.
وبينما لا يزال صدى فظائع الفاشر يتردد في ذاكرة السودانيين والعالم، قرعت حكومة "تأسيس" الموازية بقيادة "الدعم السريع" مجدداً أجراس الإخلاء، مطالبة المدنيين بمغادرة المدينة حفاظاً على حياتهم، ومتجاهلة التحذيرات والنداءات الأممية والدولية المطالبة بوقف الحصار وإنهاء محاولة الهجوم على الأبيض.
تصاعد النداءات إزاء حملة القصف الجوي بالمسيرات، والمتزامنة مع حشود قوات "الدعم السريع" في محيط مدينة الأبيض، تصاعدت التحذيرات والنداءات الأممية والدولية ومن المنظمات الإنسانية والهيئات الحقوقية للتحرك الفوري لمنع احتمال اندلاع موجة جديدة من الفظائع في حق المدنيين، على غرار ما حدث في مدينة الفاشر،
وحض قوات "الدعم" على وقف هجومها على المدينة. وعلى رغم النداءات والتحذيرات الأممية وتقارير المنظمات الدولية من مغبة تداعيات هجوم وشيك وحصار يتنامى على مدينة الأبيض، فإن مصادر عسكرية ما زالت تعتبر الأنباء المتداولة عن الهجوم والحصار ضمن الحرب النفسية والدعاية الحربية، مؤكدة أن المدينة محصنة بالكامل،
وجاهزة للتصدي لأية محاولات هجومية من قبل قوات "الدعم السريع". على بعد حوالي 30 كيلومتراً شرق مدينة الأبيض، في منطقة شمال كردفان، 9 يناير 2023 (أ ف ب) ترى تلك المصادر أن التهديد الوحيد الذي تواجهه مدينة الأبيض يتمثل في سلاح المسيرات الاستراتيجية،
وتؤكد أن الجيش بصدد وضع حد نهائي لها خلال الأيام المقبلة. وتتهم منظمات حقوقية قوات "الدعم" بتعمد إحكام حصارها على المدينة، وتجفيف مصادر الوقود والمياه بالقصف المتواصل بالمسيرات لمحطات المياه والوقود، وملاحقتها القوافل التجارية في ولايتي شمال كردفان والنيل الأبيض منذ أكثر من ثلاثة أسابيع بهدف دفع مدينة الأبيض نحو الانهيار الإنساني وخلق بيئة مشابهة لسيناريو مدينة الفاشر في شمال دارفور العام الماضي.
معركة البقاء بين دعوات البقاء والمغادرة، ومع كل صباح يتطلع سكان مدينة الأبيض إلى السماء، في انتظار سماع دوي أصوات مضادات الطيران الأرضية في مواجهة غارة أخرى لمسيرة مهاجمة، وفي كل يوم جديد يراقبون الوضع المعيشي في المدينة وهو ينحدر أكثر من جهة تدهور الخدمات الأساسية وعلى رأسها المياه والكهرباء،
على رغم المحاولات الإسعافية لإعادة تشغيل المرافق الخدمية الأساسية. وسط تناقص السلع والمواد الغذائية وخدمات الكهرباء ومياه الشرب وترصد مسيرات "الدعم السريع" لشاحنات وقوافل الغذاء والوقود المتجهة إلى المدينة، يخوض سكان الأبيض معركة الإرادة والبقاء وحرباً نفسية تضغط على أعصابهم المتوجسة، مستعينين بكل ما هو متاح من أجل ضمان استمرار الحد الأدنى من حياتهم الطبيعية.
وأكد مواطنون أن المدينة تشهد انفراجاً وتحسناً تدرجياً في أزمة مياه الشرب، نتيجة جهود المبادرات المجتمعية وتدخلات مفوضية العون الإنساني في شمال كردفان مع شركائها. انتشار أمني ويشكو مواطن من سكان الحي الغربي بالمدينة صعوبة الأوضاع المعيشية، وبخاصة أزمة المياه ووصول سعر البرميل إلى نحو 25 ألف جنيه (ما يعادل خمسة دولارات أميركية بالسعر الموازي).
على الصعيد الأمني تشهد المدينة انتشاراً مكثفاً لقوات الجيش، مما يضفي حالاً من الاستقرار والطمأنينة على المواطنين، بينما يتابع الجيش عمليات التمشيط الواسعة في محيط المدينة الخارجي لتوسيع مسافات التأمين وخلق منطقة عازلة تصل إلى مئات الكيلومترات لحماية المدينة من أية تهديدات محتملة. وتكافح السلطات الولائية لضمان استمرار الخدمات،
مستعينة بألواح الطاقة الشمسية وعربات نقل المياه وتوصيل قوافل السلع والوقود المحمية بالتغطية الجوية والأطواف البرية العسكرية إلى المدينة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتؤكد السلطات وقيادة الفرقة الخامسة للجيش استقرار الأوضاع الأمنية وسير الحياة على نحو طبيعي داخل المدينة، وأنها عملت بالتعاون مع قيادة الجيش على تنفيذ تدخلات إسعافية عاجلة لترميم المرافق الخدمية وصيانة وتأهيل المضخات وتوفير مياه الشرب عبر التناكر للحفاظ على استمرارية الخدمات وعودة الحياة الطبيعية. وأكد مجلس وزراء ولاية شمال كردفان التزام الحكومة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين،
مشيراً إلى استقرار الحياة اليومية وانسياب الخدمات العامة بصورة طبيعية على رغم التحديات التي تواجهها الولاية. أجراس الإخلاء من جانبها قرعت حكومة "تأسيس" بقيادة "الدعم السريع" أجراس الإخلاء في المدينة، متعهدة بفتح ممرات آمنة لمغادرة المدنيين الراغبين في ذلك وتمكينهم من الوصول إلى مناطق آمنة بتوفير الحماية والالتزامات الإنسانية لهم، ومؤكدة استعدادها للتنسيق مع المجتمع الدولي وجميع الشركاء الدوليين والإقليميين من أجل التوصل إلى إجراءات عملية وعاجلة تكفل حماية المدنيين.
وتتهم حكومة "تأسيس" الجيش بفرض قيود مشددة على حركة المدنيين، ومنعهم من مغادرة المدينة، فضلاً عن إجبار عدد منهم على حمل السلاح والزج بهم في عمليات عسكرية مما يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. تعقيباً على دعوات وتعهدات "الدعم السريع" للسكان بالخروج عبر ممرات آمنة،
شكك القيادي الأهلي والناشط عثمان بكري الأمين، في تلك الدعوات، مستشهداً بما وصفه بالتضليل الذي حدث في الفاشر، وخديعة الممرات الآمنة لخروج المدنيين،
التي تحولت إلى مصيدة لقتلهم وابتزازهم، وانتهت بأفظع المآسي التي شهدتها البشرية في العصر الحديث. يقول الأمين إن قوات "الدعم السريع" لا عهد ولا أمان لها، ولا تفهم إلا لغة السلاح،
وما حدث في الفاشر من قتل ونهب واختطافات وفظائع وانتهاكات يشكل أكبر دوافع إصرار أهل المدينة على الصمود والدفاع عنها، ويتابع "لقد شهد العالم كيف تجاهلت قوات (الدعم) النداءات والتحذيرات الدولية، وخرقت قرار مجلس الأمن المطالب بإنهاء الحصار ووقف القتال، وواصلت عملياتها العسكرية حتى اجتاحت المدينة واستباحتها من دون أية عواقب سوى إدانة المجازر والفظائع التي ارتكبتها".
الوضع العسكري عسكرياً يرى الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية زاهر نور الدين أن من الصعب على قوات "الدعم السريع" أن تنجح في ضرب حصار كامل على مدينة الأبيض بالطريقة نفسها التي حدثت في الفاشر، بالنظر إلى طبيعة الاختلافات الكبيرة في جغرافيا الصراع والوضع العسكري الميداني بين الحالين. وتشير المعلومات الميدانية، وفق عبدالعظيم،
إلى أن قوات الجيش وحلفاءها تمكنت حتى الآن بإسناد الطيران الحربي السوداني من تأمين محيط المدينة وتشتيت قوات "الدعم السريع" وتعطيل تنفيذ مخطط الهجوم البري الواسع على المدينة، بينما لا تزال الفرقة الخامسة تتعامل مع تجمعات "الدعم" وتعزيزاته المتواصلة بالتركيز على غرب الأبيض. يوضح الباحث أن موقع مدينة الأبيض الجغرافي المنفتح لوجيستياً على كل أنحاء السودان هو بطبيعته ضد الحصار، ويجعل من الصعب إغلاق منافذ الإمداد وخنقها بصورة تامة،
كذلك فإن قربها من قواعد عسكرية جوية يجعل من سعي قوات "الدعم" إلى تطويقها وحصارها أمراً في غاية الصعوبة، مما دفعها إلى اللجوء لسلاح المسيرات واستهداف البنية التحتية لزيادة الضغط على السكان والقوات داخل المدينة. ويضيف "يدرك الجيش أن من شأن سيطرة (الدعم السريع) على الأبيض أن يؤدي إلى قطع أهم مسارات الإمداد البرية، ومن ثم عزل قواته في كردفان عن تلك الموجودة في دارفور،
فضلاً عن مدن جنوب كردفان المهددة بالحصار، ومن غير المستبعد أن تتحول المواجهات إلى حرب استنزاف طويلة بدلاً من تكرار سيناريو الفاشر". بين التهجير والإخلاء في السياق يوضح المتخصص في مجال القانون الدولي يوسف محمد عبدالعظيم أن "قوات (الدعم السريع) تحاول تكرار استخدام ورقة المدنيين عسكرياً كما فعلت في الفاشر، وذلك بتعريض وجودهم داخل المدينة إلى خطر كبير سواء بالموت المباشر أو بتجفيف مصادر الحياة والخدمات الأساسية ودفعهم إلى الفرار القسري".
واعتبر عبدالعظيم نداءات ومطالبات "الدعم" بإخلاء المدينة من المدنيين نوعاً من التهجير القسري أكثر منه إجلاء طوعياً، إذ يفرض القانون ضرورة ضمان الحاجات الأساسية للسكان المدنيين بوصول الغذاء والمياه والدواء والرعاية الطبية، ويحظر حرمانهم من هذه الحاجات ضمن أساليب الحرب، ويردف "بموجب اتفاقات جنيف يتمتع المدنيون بالحماية من أية هجمات،
ويجوز إجلاؤهم بصورة آمنة وموقتة من دون تعريضهم لأخطار أكبر أو تهجيرهم بشكل قسري، أو استخدامهم لتحقيق مكاسب عسكرية أو إعلامية". ما حدث في الفاشر من فظائع وانتهاكات يشكل أكبر دوافع إصرار أهل المدينة على الصمود (أ ف ب) وخلال جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف الجمعة الماضي، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك،
من كارثة أخرى في مجال حقوق الإنسان تتكشف هذه المرة في مدينة الأبيض المحاصرة في شمال كردفان، مشيراً إلى مقتل وإصابة عشرات المدنيين جراء هجمات بطائرات مسيرة، ومطالباً المجتمع الدولي بالتحرك. وحذر تقرير حديث لمختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية الصحة العامة في جامعة "ييل"،
من أن يؤدي تعرض البنية التحتية الخدمية بمدينة الأبيض إلى أضرار واسعة نتيجة القصف المستمر بالمسيرات واستمرار الحصار على المدينة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة أخطار سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. وكانت صور الأقمار الاصطناعية خلال الفترة بين الـ25 من مايو (أيار) والـ25 من يونيو (حزيران) الماضي أظهرت توسعاً في مخيمات الإيواء بإنشاء أكثر من 700 مبنى موقت جديد خلال شهر واحد لاستيعاب تدفقات المدنيين الفارين من مناطق القتال حول المدينة. أهمية استراتيجية وتكتسب الأبيض أهمية استراتيجية كبيرة لكونها تقع عند تقاطع طرق رئيسة تربط وسط السودان بجنوب وغرب كردفان وإقليم دارفور ومدينة كوستي، وتمثل نقطة ارتكاز رئيسة لخطوط الإمداد المؤدية إلى الخرطوم،
وأصبحت مركزاً للتحكم والسيطرة العسكرية عقب تحرير ولايات الوسط. ويقطن المدينة أكثر من 500 ألف مدني، بينهم نحو 105 آلاف نازح داخلياً، فيما يعيش قرابة 700 ألف شخص إضافي ضمن دائرة نصف قطرها 30 كيلومتراً من مركز المدينة.
وفي الـ26 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وبعد حصار خانق استمر لمدة 18 شهراً، اجتاحت قوات "الدعم السريع" مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، وتصدت قوات الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش والقوات المشتركة لـ189 هجوماً شنته قوات "الدعم السريع" على المدينة.
ووثقت تقارير حقوقية أممية سقوط أكثر من 6 آلاف قتيل في الأيام الثلاثة الأولى فقط من هجوم الفاشر، قتل منهم ما لا يقل عن 4400 شخص داخل المدينة، وأكثر من 1600 آخرين على طرق الخروج أثناء فرارهم، مرجحاً أن يكون العدد الفعلي للقتلى خلال الهجوم الذي استمر أسبوعاً،
أعلى بكثير.