مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع تضاعفت معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة، إذ ارتفعت إلى أكثر من 70 في المئة وفق تقديرات الأمم المتحدة، مما يعني أن نحو 23 مليون شخص يعيشون اليوم تحت خط الفقر نتيجة التضخم وانهيار الاقتصاد وقيمة الجنيه السوداني ونهب الممتلكات والمدخرات. منذ أبريل (نيسان) عام 2023،
وجد مئات آلاف السودانيين أنفسهم في عداد العطالة والفقر، يواجهون مصيراً مجهولاً وقاتماً بسبب توقف أعمالهم وفقدان مدخولهم إثر الدمار الكبير والنهب والتخريب التي لحقت بالأسواق والمصانع والورش بالمناطق الصناعية، فضلاً عن شركات القطاعين العام والخاص والبنوك والمصارف، إذ فقدت مئات الأسر نحو 150 ألف وظيفة من بينها فئات عمالية.
أوضاع قاسية في هذا الوقت، أظهر أول مسح رسمي للفقر المتعدد الأبعاد في السودان أن 82.8 في المئة من السكان كانوا يعيشون أوضاعاً معيشية قاسية حتى قبل اندلاع الحرب، في مؤشر يعكس حجم التحديات التي كانت تواجه البلاد قبل دخولها أكبر أزمة إنسانية في تاريخها الحديث. وكشف المسح،
الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء، عن أن "مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد بلغ 0.441، في وقت وصلت فيه شدة الفقر إلى 53.3 في المئة"، مما يعني أن الفقراء كانوا يعانون في المتوسط من أكثر من نصف أوجه الحرمان التي يقيسها المؤشر.
واعتمد المسح للمرة الأولى منهجية الفقر المتعدد الأبعاد، التي تقيس الحرمان في مجالات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والتشغيل عبر 14 مؤشراً، بدلاً من الاكتفاء بقياس مستوى الدخل. وأظهرت النتائج أن "الحرمان من الخدمات الصحية يمثل أكبر مظاهر الفقر،
إذ يعاني 97.3 في المئة من السكان ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية، تليه خدمات الصرف الصحي بنسبة 86.9 في المئة، ثم وقود الطهي بنسبة 64.9 في المئة، ليصبح قطاع الصحة الأكثر إسهاماً في ارتفاع مؤشر الفقر".
وسجلت ولايات دارفور وكردفان أعلى معدلات الفقر، إذ تصدر وسط دارفور القائمة، تلاها شرق دارفور، ثم جنوب كردفان وغرب كردفان وجنوب دارفور،
بينما جاءت الخرطوم والولاية الشمالية في أدنى مستويات المؤشر، مع تحذير التقرير من هشاشة الأوضاع فيهما وإمكان انزلاق أعداد كبيرة من السكان إلى الفقر عند التعرض لأي صدمات. سجلت ولايات دارفور وكردفان أعلى معدلات الفقر (أ ف ب) وكشف المسح عن انتشار واسع للفقر الحاد، إذ يعيش أكثر من ثلاثة أرباع سكان ولايتي شرق ووسط دارفور في فقر شديد متعدد الأبعاد،
فيما تجاوزت النسبة 70 في المئة في جنوب وغرب كردفان وجنوب دارفور، بما يعكس اتساع الفجوات التنموية بين أقاليم البلاد. وأكد الجهاز المركزي للإحصاء أن نتائج المسح، الذي نفذ بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة "أكسفورد" للفقر والتنمية البشرية،
تمثل خط الأساس الأخير قبل الحرب، وستشكل مرجعاً لقياس تأثير النزاع على مستويات الفقر والتنمية خلال الأعوام المقبلة. واقع معقد في السياق قال محمد البشري أحد العاملين في القطاع الحكومي إن "معدلات الفقر تضاعفت نتيجة تمدد رقعة الحرب، وفي ظل عدم وجود أفق لحل يوقف الصراع المسلح بات ملايين السودانيين ضحايا واقع معقد ومصير مجهول،
لذا تبعثرت أحلامهم وآمال عائلاتهم ووقعوا في بؤر الفقر وأصاب الإحباط الغالبية". وأضاف "تمضي الأيام والأشهر بلا جديد بسبب عدم وجود فرص العمل، فضلاً عن تراجع الاقتصاد بصورة كبيرة وارتفاع معدلات التضخم، إضافة إلى موازنة حكومية محدودة غير قادرة على خلق فرص عمل".
وأوضح البشري أن "الموظفين والعمال يرتبط رزقهم بالعمل، ومن ثم فإن تداعيات الحرب شردت الملايين من الفنيين والعمال من دون التزامات من أصحاب المصانع والشركات، وهناك مؤسسات أوقفت العاملين فيها منذ الأشهر الأولى لبداية الصراع المسلح، لذا ارتفعت معدلات البطالة لأكثر من 50 في المئة داخل السودان".
حالة ممنهجة على الصعيد ذاته، يرى الأكاديمي الاقتصادي عمر الدخري أن "استمرار الحرب أسهم في توقف الأعمال والمشاريع في مختلف مدن السودان، بما في ذلك المصانع الصغيرة والمتوسطة والمتاجر المحلية، مما أدى إلى فقدان الملايين وظائفهم وانخفاض مستوى الدخل اليومي،
إضافة إلى تعطل الأسواق التقليدية، وانهيار سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي والصناعي، علاوة على ارتفاع الأسعار وانعدام القدرة على تلبية الحاجات الأساسية". ويشير إلى أن "معدلات البطالة في المناطق الحضرية تجاوزت 18 في المئة من الأسر التي لا تمتلك دخلاً أو عملاً ثابتاً،
مقارنة بـ 1.6 في المئة قبل النزاع، ويتوقع أن تتخطى نسبة البطالة الـ60 في المئة نهاية عام 2026". ويوضح الدخري أنه "بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب تعطلت سلاسل الإنتاج الزراعي والصناعي، مما أدى إلى انخفاض الإنتاجية بقرابة 50 في المئة وارتفاع الأسعار بصورة كبيرة،
في وقت يواجه فيه نحو 24.6 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فضلاً عن مواجهة أكثر من 600 ألف شخص أوضاعاً تصنف كارثية". يردف المتحدث "هذا المشهد يعكس أن الفقر لم يعد مجرد فقدان للدخل، بل أصبح حالاً ممنهجة من العوز يجمع بين انقطاع الرزق وتدهور الخدمات الأساسية ونمو أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية،
مما يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار الأسر والمجتمعات". حلول عاجلة من جانبه يصف أستاذ الاقتصاد السياسي طه عبدالرحمن، ما حدث خلال أعوام الحرب بأنه انهيار واسع لكثير من الأسر التي فقدت مدخرات أعوام طويلة في فترة قصيرة، وكذلك مصادر الدخل الثابت نتيجة توقف آلاف المؤسسات الحكومية والخاصة في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان وانقطاع الرواتب وفقدانها قيمتها الشرائية بسبب التضخم".
ونوه بأن "الحروب تتسبب في إضعاف المنتجين، وتنتقل أسر كانت مكتفية ذاتياً إلى متلقية للعون والمساعدات، وتجد نفسها فجأة في مواجهة مع الفقر. في المقابل،
يظهر ما يسمى الاقتصاد الموازي غير الرسمي، ويتسارع التضخم وتنهار القدرة الشرائية وترتفع أسعار السلع والإيجارات في دوامة تصطاد إلى داخلها ملايين الأشخاص". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وعن الحلول المطروحة للتخفيف من الأزمة، يرى عبدالرحمن أنه "يمكن تبني حلول اقتصادية عاجلة عدة،
كدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال قروض ميسرة وتسهيلات ضريبية لإعادة تشغيل النشاط المحلي وتوفير برامج تدريبية سريعة للعمالة المتضررة، بما يتيح لهم الانتقال إلى فرص عمل بديلة مستدامة، وأيضاً تحسين سلاسل الإمداد الأساسية للسلع الغذائية، بما يقلل من فجوة العرض ويخفف الضغوط السعرية على المواطنين،
وأخيراً، التركيز على دعم الإنتاج المحلي من الزراعة والصناعة لإعادة توازن السوق وتأمين حاجات الأسر اليومية". جهود حكومية وعن جهود الدولة في حل الأزمة، قال وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح إن "الحرب خلفت موجة واسعة من فقدان الوظائف في القطاعين العام والخاص،
والنشاط الاقتصادي المنظم وغير النظامي. وتشير التقديرات الميدانية إلى أن معدل البطالة تجاوز 45 في المئة في بعض الولايات المتأثرة بالصراع المسلح". ولفت إلى أن "وزارته شرعت في تنفيذ خطة تعافٍ واقعية تستهدف خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة عبر ثلاث مسارات، منها برنامج تشغيل الشباب لعدد 150 في مشاريع البنية الأساسية وإعادة الإعمار،
إضافة إلى الخدمات العامة، والقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، فضلاً عن التشغيل الذاتي والتمويل الأصغر من خلال إطلاق مبادرة تمويل 250 ألف مشروع إنتاجي بهدف تمكين الأسر الفقيرة والنساء والشباب من تأسيس أنشطة مدرة للدخل، علاوة على إعداد خطة تأهيل 80 ألف متدرب عام 2026،
في مجالات مهنية وتقنية حديثة لتلبية حاجات سوق العمل المحلية والخارجية". ونوه صالح بأن "معدل الفقر ارتفع من 21 في المئة إلى 71 في المئة نتيجة ضعف إيرادات الدولة وزيادة الإنفاق الحكومي لمواجهة حاجات الحرب وتوقف عدد من الأنشطة الاقتصادية والخدمية". فقر مدقع على نحو متصل أشار الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لوكا ريندا إلى أن "معدلات الفقر تضاعفت فعلياً في السودان، قبل الحرب كان يعيش نحو 38 في المئة من السكان تحت خط الفقر،
أما الآن فنقدر أن النسبة بلغت نحو 70 في المئة". وأضاف أن "واحداً من كل أربعة سودانيين يعيش في فقر مدقع بأقل من دولارين في اليوم". وأكد ريندا أن معدلات الفقر ترتفع إلى نحو 75 في المئة داخل مناطق تركز النزاع مثل إقليمي دارفور وكردفان. وأفاد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتراجع متوسط الدخل في السودان إلى مستوى لم يسجل منذ عام 1992،
بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي. وقال ريندا "بعد ثلاثة أعوام على هذا النزاع، نحن لا نواجه أزمة فحسب، بل نشهد تآكلاً ممنهجاً لمستقبل بلد بكامله".
وتابع "هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل تعكس أسراً تمزقت وأطفالاً خارج مقاعد الدراسة وسبل عيش فقدت وجيلاً تتضاءل فرصه يوماً بعد يوم".