لم يكن يتوقع أن يعود به الزمن إلى الوراء. عندما بدأ الحديث، شعر بأن نبرة الصوت مألوفة، لكنه لم يستطع تحديد السبب.
كان الرجل الذي يتحدث إليه، ويدعى خالد (اسم مستعار)، يبدو متردداً في البداية، ثم انساب الحديث بحرية حتى وصل إلى نقطة جعلت قلب المحاور يخفق بقوة.قال خالد: «كنت في الثالثة عشرة عندما أصبحت سجاناً.
لم يكن لدينا خيار. كانوا يعطوننا أوامر، وإذا رفضنا نتعرض للعقاب. كنت أفتح الأبواب،
أقدم الطعام، وأراقب السجناء. بعضهم كان يبكي، وبعضهم كان يصرخ،
وبعضهم كان صامتاً طوال الوقت. كنا نعاملهم كأعداء، حتى لو لم نفهم لماذا كانوا هناك».عند تلك الجملة، شعر الصحفي بقشعريرة.
أدرك أنه أمام سجانه السابق في سجن الميادين عام 2015، حين كان طفلاً في الثالثة عشرة مكلفاً بمراقبته هو وبقية السجناء. يتذكر الصحفي تلك الفترة حين اعتُقل في سوريا لرفضه العمل صيدلانياً مع تنظيم داعش. كان التنظيم يسعى لضمان الولاء الكامل،
خاصة من أصحاب الاختصاصات الطبية، ومن لم يعلن ولاءه كان مصيره الاضطهاد والاعتقال.لم يأتِ الاعتقال من العدم. في إحدى الليالي، طرقوا الباب بعنف.
ادعى جاره، وهو أحد عناصر التنظيم، أنه يخالف الشريعة لأنه كان يستمع إلى الأغاني. كانت تلك التهمة كافية ليقاد إلى السجن،
وهناك التقى بسجانه الصغير.صراع داخليتوالت الأسئلة في ذهن الصحفي أثناء المقابلة، لكنه كبح اندفاعها. لم يرد أن يسأل مباشرة، لكن الفضول نهشه.
طرح أسئلة ملتوية ليتبين شكوكه دون أن يثير انتباه خالد الذي بلغ منتصف العشرينات. وعندما بدأ خالد يصف السجن وممراته ووجبات الطعام القليلة والطريقة التي كان يؤمر بها بفتح الأبواب وإغلاقها، تأكد الصحفي: هذا الصبي كان سجانه.انتابه صراع داخلي: جزء منه أراد مواجهة خالد بالحقيقة، وجزء آخر رفض الفكرة.
كيف سيخبره؟ ماذا سيفيده أن يعرف؟ أدرك الصحفي أن خالد لم يكن سوى طفل، أداة في يد قوة أكبر.
أي غضب لا يمكن توجيهه إليه، لكنه لم يستطع تجاهل الشعور المتناقض. «هل كنت قاسياً على السجناء؟» سأله. تنهد خالد وأطرق رأسه: «أحياناً كنت أحاول أن أكون لطيفاً،
فأعطي بعضهم طعاماً أكثر أو أترك الباب مفتوحاً لبضع ثوانٍ إضافية. لكن في أحيان أخرى كنت قاسياً. كنت خائفاً أيضاً. فإذا تهاونت،
كانوا سيضعونني في السجن معهم».كلماته ضربته بقوة. لم يعرف إذا كان خالد يتذكره، لكنه أدرك أن خالد كان يعيش صراعاً داخلياً لم يحسمه بعد.شهادات متقاطعةقصة خالد ليست فريدة. هي واحدة من 17 شهادة حية جمعت على مدار ستة أشهر،
تتقاطع فيها تجارب الماضي المؤلمة مع تحديات الحاضر والمستقبل تتركز على مسار شخصيتين: خالد السجان الذي يحاول التعايش مع ماضيه، وسامي (اسم مستعار) الفتى الذي عاش تجربة مواجهة الضحية في أضعف لحظاتها. تكشف الشهادات عن أثر العنف الممنهج والتجنيد القسري على مستقبل هؤلاء الأطفال، وتوثق تجربة جيل كامل سرقت طفولته،
وتطرح أسئلة حول هزيمة التنظيم فعلياً أو احتمالات نهوضه من جديد.بعد التغيرات الكبيرة التي شهدتها سوريا على أثر سقوط نظام بشار الأسد واستلام هيئة تحرير الشام عبر الإدارة الجديدة زمام المرحلة، يواجه هؤلاء الشباب تحديات جديدة في بيئة مضطربة تزداد تعقيداً. تثير الفوضى الأمنية والفراغ الناجمين عن إعادة توزيع السيطرة بين الفصائل مخاوف من عودة نشاط التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم داعش.
لا تزال قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تسيطر على شمال شرقي سوريا تمسك بملف معتقلي التنظيم من رجال ونساء وأطفال، وتستخدمه كورقة مساومة سياسية. مع غياب حلول واضحة، يظل الخطر قائماً من استغلالهم مستقبلاً،
خاصة مع احتمالات تفكيك معتقل الهول وخروج أعداد إضافية إلى المجهول.داعش يهدد سوريا الجديدةمع إصدار التنظيم بياناً حديثاً يهاجم الحكومة السورية الجديدة ويتوعدها، تتزايد المخاوف من أن هذه التهديدات ليست مجرد دعاية، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة فرض نفسه على المشهد السوري. لا تزال جيوب التنظيم نشطة في البادية السورية والعراقية،
حيث تنفذ خلاياه عمليات اغتيال وتفجيرات متفرقة. الخطر الحقيقي يكمن في قدرة التنظيم على استغلال الثغرات لإعادة ترتيب صفوفه. بعض القوى المحلية قد تجد في استمرار التهديد الداعشي أداة لزعزعة الاستقرار الهش أو للحصول على دعم إضافي، حيث قد يُسمح للتنظيم بتنفيذ عمليات معينة أو يُتغاضى عن تحركاته.يسعى التنظيم إلى إعادة بناء نفسه عبر استغلال المظالم المحلية والانقسامات العشائرية والتدهور الاقتصادي وحالة الإحباط واليأس لدى مقاتليه السابقين،
بمن فيهم الذين جندوا أطفالاً تحت راية «أشبال الخلافة». هؤلاء، الذين نشأوا في بيئة الحرب والعنف، يواجهون واقعاً قاسياً: مجتمعاتهم الأصلية ترفضهم،
والفرص الاقتصادية منعدمة، وتلاحقهم وصمة الماضي. مع غياب برامج إعادة تأهيل فعالة، يظل خطر عودتهم إلى التنظيم قائماً،
خاصة في ظل استمرار محاولات داعش استقطابهم بالإغراءات المالية أو استغلال شعورهم بالعزلة وانعدام المستقبل. هل يشكل هؤلاء الشباب قنابل موقوتة تهدد استقرار سوريا؟ أم أنهم ضحايا ظروف قاسية ينتظرون إعادة دمجهم ليكونوا جزءاً من الحل بدلاً من المشكلة؟كابوس الماضي الثقيليقول سامي، الذي يبلغ اليوم 24 عاماً،
عن رحلته المؤلمة ضمن «أشبال الخلافة»: «أستيقظ كل ليلة على صراخي. أرى وجوههم في أحلامي. أطفال مثلي، اختفوا واحداً تلو الآخر.
بعضهم قتل في المعارك، وبعضهم حاول الهرب فأُعدم. كنت أتظاهر بالنوم حتى لا أسمع بكاءهم في الليل». رحلة سامي لم تنتهِ بسقوط التنظيم،
بل تحولت إلى كابوس مستمر، يعيش معركة يومية مع نفسه.رغم أن كلاً من خالد وسامي خرجا من كنف التنظيم، إلا أن حياتهما لا تزال تحمل آثار الماضي. يعيش خالد في إحدى قرى إدلب،
يعمل في محطة وقود، بالكاد يستطيع تأمين قوت يومه، ويعيش مع خاله وزوجته ابنته في دوامة فقر. لم يكمل تعليمه ولم يكتسب صنعة.
أما سامي، فيعيش في ريف دير الزور الشرقي الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، حيث يحاول إعادة بناء حياته في ظل تحديات اقتصادية وملاحقات أمنية مستمرة.كثيرون ممن خرجوا من تجربة «أشبال الخلافة» توزعوا في أماكن مختلفة، تتفاوت ظروفهم بين الصعوبة والاستقرار.
سامي القادم من حماة اضطر لتغيير اسمه والسكن في ريف دير الزور الشرقي خوفاً من الانتقام والوصمة الاجتماعية. بعضهم يعيش في شمال شرقي وشمال غربي سوريا، يواجهون البطالة وانعدام الاستقرار، بينما اضطر آخرون إلى تغيير أماكن سكنهم.
في تركيا وإقليم كردستان، يعمل الناجون في مهن شاقة كالبناء والنسيج أو التنظيف. بدأ بعضهم بتلقي دعم نفسي، وقليل منهم وجد طريقه في العمل أو الدراسة بفضل دعم أسرهم.
لكن التحدي الأكبر يبقى نظرة المجتمع إليهم كقنبلة موقوتة، لا كأطفال سرقت طفولتهم. يقول سامي: «عندما يعرف الناس قصتي، أرى الخوف في أعينهم.
لا يريدون الاقتراب مني، رغم أنني لم أختر تلك الحياة». أما خالد، فيجد صعوبة في الحديث عن ماضيه: «كيف يمكنني أن أشرح؟
كيف أقول إنني لم أكن أملك خياراً؟». القاسم المشترك بينهم جميعاً هو صعوبة التخلص من الظلال الثقيلة للماضي، وهم يتأرجحون بين كونهم ضحايا أو جلادين أو تهديدات أمنية محتملة.أن تأخذ سبية أو تشهد إعداماًيتذكر سامي يوم تجنيده كطفل، يوم غيّر مجرى حياته.
يقول: «كنت في الخامسة عشرة عندما طلبوا مني الذهاب إلى غرفة وأخذ سبية. لم أفهم تماماً ما يريدون مني فعله. كنت أشعر بالخوف والارتباك، ولكن لم يكن مسموحاً لي بأن أسأل.
عندما دخلت، رأيت فتاة صغيرة تبكي. كانت طفلة، أصغر مني بسنة أو سنتين.
نظرنا إلى بعضنا، وبدأنا بالبكاء معاً. لم أستطع تحمل الموقف وشعرت بأنني أختنق. تلك الليلة لم أنم،
كنت أرى وجهها في كل مكان». ما زال سامي يعيش في تلك الليلة، وكأن الزمن توقف عندها.أما خالد، فكان أصغر عندما جند،
ويتذكر أول عملية إعدام شهدها: «كنت في الخامس الابتدائي. كان أمامنا رجل مقيد على ركبتيه، وعيناه معصوبتان. القائد أمر أحد الفتيان بالتقدم.
لم يرفض، لم يتردد. وكأنه آلة مبرمجة. رفع السكين وقطع رأس الرجل.
لم أتحرك. لم أستطع حتى أن أرمش». بعد سنوات، ما زال خالد يعاني من آثار الصدمة: مشاهد الدماء،
الصوت الخافت الأخير للضحية، النظرات المذعورة، كلها مطبوعة في ذاكرته. معظم «الأشبال» الذين شهدوا الإعدامات الأولى عانوا من صدمة عاطفية صامتة،
حيث كان يطلب منهم عدم إظهار أي تأثر، بل تشجيعهم على الإعجاب بالمشهد. يقول ناصر، أحد الناجين: «كنا مجموعة من الأطفال،
لا نعرف ماذا يحدث حقاً. في البداية، كنت أظن أن كل شيء مجرد تمثيل، حتى أدركت أن الدماء حقيقية.
كنت أحاول ألا أنظر، لكن القادة كانوا يجبروننا على المشاهدة. يقولون: هذا مصير المرتدين، وهذا سيكون مصيركم إذا خالفتم الأوامر».
كان الهدف واضحاً: تحويل الأطفال إلى آلات قتل، ونزع إنسانيتهم تدريجياً.بعد سنوات من الفرار، لا يزال سامي يستيقظ كل ليلة على صراخه. يقول: «أحياناً أراها تصرخ،
أحياناً تكون صامتة، لكن نظرتها تطاردني. لا أستطيع الهروب منها، كما لم تستطع هي الهروب مني حينها».
وخالد يعاني من مشكلة مختلفة: «كلما رأيت سكيناً، أشعر برعشة. لا أستطيع حتى تقطيع الخبز دون أن تعود لي الصور. حتى حين أشاهد فيلماً عادياً فيه مشهد عنف،
أشعر أنني أختنق». تظهر الشهادات أن العديد من «الأشبال السابقين» يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة بدرجات متفاوتة. يقول ياسر: «أحلم دائماً بأنني أركض في ممر طويل لا نهاية له، وفي نهايته أرى وجوه القتلى تنظر إليّ.
لا أستطيع الهروب، لا أستطيع حتى الصراخ».رسالة تجنيد من مجهولعلى الرغم من انهيار دولة «الخلافة»، لم يتوقف تنظيم داعش عن محاولاته لاستعادة نفوذه عبر حواضنه السابقة. الأساليب تغيرت وأصبحت أكثر تعقيداً ولا مركزية،
ما يجعل من الصعب تتبعها. مع ظاهرة التكليف بمهام محددة خارج الإطار التنظيمي، أصبح هناك عمل مستقل دون تنسيق مباشر، لدرجة أن بعض الأفراد المستهدفين قد يتلقون أكثر من عرض تجنيد من جهات مختلفة تابعة للتنظيم دون أن يعرفوا أيها أكثر ارتباطاً بهيكل القيادة السابق.يقول خالد: «وقعت في الأسر وبعد فترة من خروجي،
جاءني شخص لا أعرفه، بدا ودوداً جداً. لم يقل لي مباشرة إنه من التنظيم، لكنه كان يلمّح دائماً إلى أن الماضي لم ينتهِ،
وأن هناك فرصة للعودة إلى العائلة. بدا أنه يعرف تفاصيل عن حياتي، وعن سجني، وحتى عن الأشياء التي لم أخبر بها أحداً».
يتزايد القلق من أن هذه المحاولات قد تنجح في استقطاب بعض الشباب الذين لا يجدون ملاذاً آمناً في مجتمعاتهم، خاصة مع غياب برامج إعادة تأهيل فعالة. رئيس قسم إعادة التأهيل في منظمة محلية يقول: «نواجه تحديات كبيرة. هؤلاء الشباب يحتاجون إلى دعم نفسي مستمر،
وفرص تعليمية وتدريب مهني، ومجتمع يتقبلهم. بدون ذلك، سيبقون عرضة للاستغلال من قبل التنظيمات المتطرفة».مستقبل هؤلاء الشباب معلق بين ماضٍ ثقيل وحاضر قاسٍ،
في ظل صراعات إقليمية ودولية قد تستخدمهم كورقة مساومة، أو تتركهم فريسة للتنظيمات التي تسعى لاستعادتهم. شاب يعانق مسنًا بعد حصوله على موافقة لمغادرة «الهول» السوري (إ.ف.ب) سوق «الهول» في الحسكة شمال شرقي سوريا 30 يناير 2025 (أ.ب)