لم يكن خروج المنتخب السعودي من دور المجموعات في كأس العالم 2026 مجرد خيبة أمل عابرة، بل كشف عن أزمة أعمق في منظومة الكرة السعودية. فبعد سنوات من الطموحات الكبيرة والاستثمارات الضخمة، وجدت الجماهير نفسها أمام منتخب يفتقر إلى الهوية،

ويعاني من مشكلات فنية وإدارية امتدت آثارها إلى أرض الملعب. ورغم التغييرات التي بدأت باستقالة رئيس الاتحاد، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحًا شاملاً يتجاوز تبديل الأشخاص، ليصل إلى بناء مشروع كروي متكامل يعيد الأخضر إلى مكانته القارية والعالمية.الفئات السنية..

البداية الحقيقية لأي مشروعإذا أرادت الكرة السعودية العودة للمنافسة، فالبداية يجب أن تكون من الفئات السنية وليس من المنتخب الأول. المنتخبات الكبرى لا تُبنى قبل البطولات بأشهر، بل تُصنع عبر سنوات من العمل داخل الأكاديميات والمنتخبات العمرية،

مع خطة واضحة لاكتشاف المواهب ومتابعتها في جميع مناطق المملكة. اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا لم تصل إلى مكانتها الحالية بفضل مدرب أو جيل واحد، بل نتيجة مشروع استمر سنوات طويلة اعتمد على إعداد اللاعب منذ الصغر. في السعودية،

لا تزال المواهب تظهر بشكل فردي أكثر من كونها نتاج منظومة متكاملة، مما يفرض ضرورة إعادة هيكلة مسابقات الفئات السنية وزيادة جودة التدريب.اللاعب السعودي.. دقائق اللعب أهم من الأسماءمن أبرز الملفات التي فرضت نفسها تراجع مشاركة اللاعب السعودي مع أنديته، خاصة بعد زيادة عدد اللاعبين الأجانب في الدوري.

رغم أن هذا المشروع رفع القيمة الفنية للمسابقة وجذب نجوم العالم، فإن انعكاسه على المنتخب لم يكن بنفس القوة، إذ فقد العديد من اللاعبين المحليين مقاعدهم الأساسية وأصبحوا يشاركون لدقائق محدودة. المنتخب لا يستطيع المنافسة بلاعبين يفتقدون نسق المباريات،

لذا من الضروري إيجاد توازن بين قوة الدوري ومنح اللاعب السعودي فرصة حقيقية للمشاركة، سواء عبر مراجعة اللوائح أو دعم إعارة من لا يحصلون على دقائق كافية.الاحتراف الخارجي.. الطريق الأقصر لتطوير اللاعبأثبتت التجارب الآسيوية أن احتراف اللاعبين في الدوريات الأوروبية ينعكس مباشرة على قوة المنتخب الوطني. الاحتكاك اليومي بمدارس كروية مختلفة والتدرب في بيئات تنافسية عالية يمنح اللاعب شخصية أكبر وقدرة أفضل على التعامل مع الضغوط،

وهو ما ظهر بوضوح في منتخبات مثل اليابان وكوريا الجنوبية. الكرة السعودية بحاجة إلى مشروع واضح لتشجيع احتراف المواهب في الخارج، وعدم الاكتفاء ببقائهم في الدوري المحلي مهما بلغت قوته، لأن المنافسة الأوروبية تمنح خبرات يصعب اكتسابها محليًا.هوية فنية مستقرة..

لا تبدأ من الصفر كل بطولةعانى المنتخب السعودي في السنوات الأخيرة من كثرة التغييرات الفنية، سواء على مستوى المدربين أو الأجهزة الإدارية. كل مدرب جاء بأفكار جديدة وقائمة مختلفة وطريقة لعب مغايرة، لتبدأ عملية البناء من الصفر في كل مرة،

مما حرم المنتخب من تكوين شخصية واضحة وهوية ثابتة. المطلوب وضع استراتيجية فنية طويلة المدى يلتزم بها الاتحاد بغض النظر عن اسم المدرب، بحيث تلعب جميع المنتخبات السنية بنفس الفلسفة، ويصبح انتقال اللاعب إلى المنتخب الأول أكثر سلاسة.إدارة احترافية بعيدة عن ردود الفعلالقرارات الانفعالية لا تبني منتخبًا،

والنجاح يبدأ من إدارة تمتلك رؤية واضحة وخططًا تمتد لسنوات، وليس فقط حتى البطولة التالية. المطلوب إدارة تعمل وفق مؤشرات أداء واضحة وتخضع للتقييم والمحاسبة، مع توزيع الصلاحيات بشكل احترافي والاستفادة من الكفاءات الوطنية.

كما يجب أن تكون القرارات الكبرى، مثل اختيار المدرب أو تغيير الأجهزة الفنية، جزءًا من مشروع طويل الأمد وليس استجابة لضغط الجماهير أو نتائج بطولة واحدة.