تستعد الجامعات السودانية لاستعادة إيقاعها الأكاديمي في ظل واقع أمني ومؤسسي لا يزال مثقلاً بتداعيات الحرب، وما خلفته من أضرار طاولت مقار عدد من مؤسسات التعليم العالي، وأربكت انتظام العملية التعليمية داخل ولايات عدة. وفي هذا السياق،
تبرز مسألة الأمن الجامعي بوصفها جزءاً أساساً من شروط العودة إلى الدراسة، لا مجرد إجراء مصاحب لها، في وقت تتجه السلطات التعليمية إلى إعادة الطلاب والمؤسسات إلى مسار العمل بصورة تدرجية. وكانت الحكومة شددت،
في وقت سابق من العام الحالي، على دعم عودة الطلاب واستئناف عمل الجامعات، بالتوازي مع جهود إعادة تنظيم قطاع التعليم العالي، بعد مطالبة الجامعات بضرورة العودة من مقارها الخارجية الموقتة،
إلى استئناف عملها من السودان. وعلى هذه الخلفية، كشفت الإدارة العامة لتأمين الجامعات عن إعداد خطط أمنية متكاملة لتأمين المؤسسات التعليمية والمنشآت الأكاديمية في مختلف ولايات السودان، تزامناً مع التحضيرات لاستئناف الدراسة،
مؤكدة جاهزية قواتها للاضطلاع بمهام الحماية وتأمين البيئة الجامعية. وتعكس الخطوة، وفق الإدارة العامة، محاولة لإعادة بناء الحد الأدنى من الاستقرار الضروري لعودة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين إلى الحرم الجامعي،
مع مراعاة تفاوت الظروف الأمنية والبنية التحتية بين ولاية وأخرى. ولا تقتصر مهمة التأمين على حماية المباني والمنشآت، بل تمتد إلى تنظيم حركة الدخول والخروج وتقليل الأخطار المحيطة بالمجمعات الأكاديمية وتهيئة ظروف تسمح باستمرار العملية التعليمية، من دون أن تتحول الهواجس الأمنية إلى عائق جديد أمام حق الطلاب في التعليم.
وتأتي هذه الاستعدادات في وقت تتوزع مؤسسات التعليم العالي السودانية جغرافياً على ولايات عدة، مما يجعل استعادة الدراسة مرتبطة بقدرة الجهات المتخصصة على التعامل مع حاجات كل بيئة محلية على حدة. لا تقتصر الخطة على تكثيف الوجود الشرطي داخل الحرم الجامعي وإنما تقوم على منظومة متكاملة تجمع بين التأمين الوقائي والانتشار الميداني والتنسيق مع إدارات الجامعات (اندبندنت عربية - حسن حامد) طبيعة المرحلة ينظر كثر إلى أن تأمين الجامعات في السودان، خلال العقود الأخيرة،
لم يكن إجراء أمنياً محايداً بالمعنى المؤسسي المعتاد، فقد اتسع معناه أو انكمش تبعاً لطبيعة المرحلة السياسية وموقع الجامعة في المجال العام. ظلت الجامعات فضاءات ذات حساسية سياسية عالية، تتقاطع داخلها الحركة الطلابية مع المعارضة،
مما جعل حضور الأجهزة الأمنية في محيطها يتجاوز أحياناً حماية المنشآت إلى التعامل مع النشاط السياسي والاحتجاجات الطلابية. وتوثق تقارير حقوقية حالات متكررة من تفريق الاحتجاجات واعتقال الطلاب، بما في ذلك حملات أمنية داخل الحرم الجامعي. بلغ هذا البعد ذروته في فترات مختلفة خلال الأعوام الـ30 الماضية،
وآخرها مع احتجاجات عام 2018 التي أسقطت النظام السابق عام 2019، إذ تحولت الجامعات إلى أحد مسارح الحراك المناهض للنظام، وواجه الطلاب إجراءات أمنية شملت الاعتقال والعنف واستخدام الغاز المسيل للدموع. وتوثق تقارير متخصصة ارتفاع الاعتداءات على طلاب المدارس والجامعات خلال هذين العامين على خلفية الاحتجاجات،
فيما شهدت بعض الجامعات اقتحاماً أمنياً لتفريق الطلاب. أما خلال المرحلة الانتقالية، فلم تختف الإشكالية، وإن تغيرت مرجعياتها السياسية،
فقد ظلت الجامعات ساحة للاحتجاج والمطالبة بالحكم المدني، وشهدت مدن جامعية مواجهات بين الشرطة والطلاب. ومن هنا يصعب النظر إلى أن تأسيس الإدارة العامة لتأمين الجامعات عام 2016، جاء بوصفه مجرد إضافة إدارية روتينية،
فقد أتى ضمن سياق كانت فيه الجامعة جزءاً من معادلة الأمن والسياسة معاً. لكن التحدي المؤسسي اليوم يتمثل أولاً في إعادة تعريف التأمين باعتباره حماية للطلاب والهيئة الأكاديمية والمنشآت وضماناً لاستمرار التعليم، في ظل ظروف الحرب، ثم أداة لضبط المجال السياسي داخل الجامعة،
وهذا الفارق هو مفتاح قراءة تطور وظيفة التأمين الجامعي بين الأمس واليوم. منظومة حماية قال مدير الإدارة العامة لتأمين الجامعات اللواء شرطة البكري أبو حراز إن الإدارة وضعت تأمين مؤسسات التعليم العالي في مقدمة أولوياتها مع التحضيرات الجارية لاستئناف الدراسة الحضورية، مبيناً أن الخطة لا تقتصر على تكثيف الوجود الشرطي داخل الحرم الجامعي، وإنما تقوم على منظومة متكاملة تجمع بين التأمين الوقائي والانتشار الميداني والتقنيات الحديثة والتنسيق المباشر مع إدارات الجامعات والجهات ذات الصلة.
وأوضح أبو حراز أن شرطة الجامعات تعمل على توفير كوادر مؤهلة ومدربة ذات معرفة بخصوصية البيئة الأكاديمية، مع إعطاء الجامعات، ولا سيما الواقعة داخل الخرطوم، أولوية في خطط الانتشار والتأمين.
وأضاف أن الخطة تشمل حماية المجمعات والمنشآت والممتلكات الجامعية وتأمين الداخليات والسكن الطلابي، إلى جانب تطوير منظومات المراقبة الإلكترونية وكاميرات التأمين، بما يعزز القدرة على المتابعة والاستجابة ويرفع مستوى الحماية. وأشار إلى أن الإدارة تنظر إلى الأمن الجامعي بوصفه شراكة مستمرة مع المؤسسات التعليمية،
وليست مهمة منفصلة عن العملية الأكاديمية، مؤكداً أهمية التنسيق مع وزارة التعليم العالي وصندوق رعاية الطلاب وإدارات الجامعات لضمان عودة آمنة ومستقرة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأورد أبو حراز أن جانباً آخر من الخطة يتصل بالوقاية والتوعية، من خلال التعاون مع إدارة مكافحة المخدرات والجهات المتخصصة لتنفيذ برامج تثقيفية تحد من انتشار المخدرات والظواهر السالبة داخل الوسط الجامعي،
بما يجعل مهمة الشرطة أوسع من الحراسة المباشرة إلى الإسهام في صون البيئة الأكاديمية واستقرارها. كذلك، أكد المتحدث الرسمي باسم الشرطة العميد شرطة فتح الرحمن التوم أهمية التنسيق القائم بين الأجهزة الشرطية والجهات التعليمية، مشيداً باستقرار الخدمات المقدمة في الداخليات،
ومشدداً على استمرار جهود الشرطة في حماية المؤسسات التعليمية كونها ركيزة أساس لمستقبل الأجيال. فاعلية التأمين قال أيهم مرتضى، طالب في كلية الهندسة، إن وجود شرطة متخصصة داخل الجامعة مهم،
خصوصاً في الظروف الحالية، موضحاً أن الطالب لم يعد ينظر إلى الأمن على أنه مسألة مرتبطة ببوابة الجامعة وحدها، بل بسلامة الطريق إلى الحرم والداخليات وما يحيط بها. وأضاف أن فاعلية التأمين تُقاس بسرعة الاستجابة عند وقوع مشكلة وبقدرة القوات على منع الخطر قبل وصوله إلى الطلاب،
لا بكثافة الانتشار وحدها. وأوضحت عابدة حسين، طالبة في كلية الطب، أن تأمين الطالبات والداخليات يمثل أولوية خاصة،
مشيرة إلى أن كثيراً من الطالبات يواجهن هواجس تتصل بالتنقل والسكن أكثر مما تتصل بالقاعات الدراسية نفسها. وقالت إن وجود حراسة منظمة وإجراءات واضحة للطوارئ يمنح الطالبات قدراً أكبر من الاطمئنان، شريطة أن يكون التعامل هادئاً ومحترماً ويحفظ خصوصية البيئة الجامعية. وأورد عمرو السني،
طالب في كلية الآداب، أن جزءاً من تحفظ الطلاب على التأمين يرتبط بذاكرة قديمة شهدت فيها الجامعات السودانية احتكاكات بين الطلاب والقوات النظامية خلال فترات الاحتجاجات. وقال إن المطلوب الآن هو الفصل الواضح بين حماية الجامعة والتدخل في النشاط الطلابي، مضيفاً "نريد شرطة تمنع الاعتداء وتحمي الممتلكات،
لكننا لا نريد أن نشعر بأن وجودها يقيد حركتنا ويحد منها". وأضاف أن مصدر الخوف الأكبر في الوقت الراهن هو تداعيات الحرب نفسها، بما في ذلك احتمال امتداد الاضطراب إلى محيط المؤسسات التعليمية. وأوضح أن التأمين الفاعل،
هو الذي يحافظ على انسياب الدراسة ويمنح الطلاب إحساساً بأن الجامعة مساحة آمنة يمكن العودة إليها من دون أن يصبح الأمن سبباً جديداً للقلق. وتكتسب هذه المخاوف سياقاً تاريخياً، فقد وثقت تقارير حقوقية اقتحامات واعتقالات واشتباكات داخل جامعات سودانية خلال فترة الاحتجاجات السابقة. تصور مستقبلي قال الأستاذ الجامعي عبدالعظيم يحيى إن الحرب غيرت طبيعة السؤال المتعلق بأمن الجامعات في السودان،
وفرضت واقعاً جديداً بأن أصبحت مرتبطة بقدرة الجامعة على الاستمرار في أداء وظيفتها وسط بيئة شديدة الاضطراب. وأشار إلى أن الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية للتعليم العالي، وأجبرت أعداداً كبيرة من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس على النزوح واللجوء، وهو ما يجعل أي تصور مستقبلي للتأمين مرتبطاً أولاً بإعادة بناء المؤسسات واستعادة قدرتها على العمل،
وما يتطلبه ذلك من كلفة عالية. وأوضح أن المرحلة المقبلة ستفرض، على الأرجح، انتقال مشروع تأمين الجامعات من مفهوم الحراسة التقليدية إلى نموذج أكثر مهنية،
يقوم على تقييم الأخطار وخطط الإخلاء والطوارئ وتأمين الداخليات والمعامل والمرافق الحيوية، إلى جانب الاستفادة من المراقبة الإلكترونية وأنظمة الإنذار والاستجابة السريعة. وأضاف أن الجامعات التي عاشت أعوام الحرب تحتاج إلى خطط مختلفة بحسب موقعها ودرجة تعرضها للمخاطر، لا إلى نموذج أمني واحد يطبق على جميع المؤسسات.
وأورد يحيى أن التحدي الأكبر بعد الحرب سيكون استعادة الثقة داخل الحرم الجامعي، فنجاح التأمين لا يُقاس فقط بقدرته على منع الجريمة أو حماية الممتلكات، وإنما كذلك بقدرته على توفير بيئة يشعر فيها الطالب والأستاذ بأن الأمن جزء من حماية العملية الأكاديمية وليس بديلاً عنها. وقال إن الشرطة الجامعية ينبغي أن تطور برامج متخصصة في إدارة الأزمات وحماية المدنيين والتعامل مع الحشود،
مع إبقاء العلاقة بينها وإدارات الجامعات واضحة ومؤسسية. وأكد أنه حتى لو طبقت هذه الشروط، فإن الأثر النفسي بشعور المجتمع الجامعي باحتياجه للحماية، قد يشكل ضغطاً إضافياً،
ولكنه سيكون أقل مما يتعرض له من أضرار حقيقية. وتوقع أن يصبح المشروع، في مرحلة إعادة الإعمار، أحد مكونات التعافي المؤسسي للجامعات،
شريطة أن يُبنى على تقييم مهني للأخطار وتدريب مستمر وتنسيق مع الجهات التعليمية والطوارئ، وأن تُستعاد الجامعة بوصفها فضاء مدنياً آمناً للتعلم والبحث، لا مجرد منشأة تحتاج إلى الحراسة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء الدمار الذي أصاب مؤسسات التعليم العالي خلال الحرب،
والذي قد يطيل أثر الأزمة إلى ما بعد توقف القتال.