قد تبدأ الحكاية بجرح صغير في القدم، مثل خدش عابر، أو فقاعة أحدثها حذاء ضيق، أو إصابة بسيطة لا تبدو مثيرة للقلق.

ولكن لدى بعض مرضى السكري، قد تمر هذه الإصابة من دون ألم يُذكر بسبب الاعتلال العصبي، فلا ينتبه إليها المريض إلا بعد أن تتطور. ومع ضعف تدفق الدم وتأخر التئام الجروح،

قد يتحول الجرح الصغير إلى قرحة وعدوى، وقد تنتهي الحالات المتقدمة بفقدان جزء من القدم أو الطرف السفلي. وهنا تكمن خطورة القدم السكرية؛ فالمشكلة لا تبدأ عند مرحلة البتر، وإنما قبل ذلك بكثير،

في مراحل تتيح فرصاً للوقاية والكشف والعلاج المبكر. السكري والقدم... أين الخطر؟ كيف يمكن إيقاف هذه الرحلة قبل أن تبدأ،

وتحويل رعاية القدم السكرية من التعامل مع المضاعفات بعد وقوعها إلى الوقاية والكشف المبكر؟ تكمن خطورة القدم السكرية في أن مرض السكري قد يؤثر مع مرور الوقت في الأعصاب والدورة الدموية. فاعتلال الأعصاب الطرفية قد يُضعف الإحساس بالألم والحرارة والضغط، فلا ينتبه المريض إلى إصابة أو احتكاك في القدم.

وفي الوقت نفسه، قد يؤدي مرض الشرايين الطرفية إلى انخفاض تدفق الدم، فتتراجع قدرة الأنسجة على الالتئام ومقاومة العدوى. وتشير وزارة الصحة السعودية إلى أن تلف الأعصاب،

وضعف تدفق الدم إلى القدمين، من العوامل الرئيسية التي تزيد تعرض مرضى السكري لمشكلات القدم؛ إذ قد تمر الإصابة من دون أن يشعر بها المريض، بينما يؤدي ضعف الدورة الدموية إلى صعوبة التئام الجروح. وهنا تكمن المفارقة: قد تكون إصابة القدم خطرة من دون أن تكون مؤلمة في بدايتها.

لذلك، فإن غياب الألم لا يعني غياب الخطر، وهو ما يجعل الفحص المنتظم للقدم جزءاً أساسياً من الوقاية. ولا يحدث بتر الطرف لدى مريض السكري عادة بصورة مفاجئة؛ بل قد يكون المرحلة الأخيرة من سلسلة تبدأ بجرح أو قرحة،

ثم عدوى قد تمتد إلى الأنسجة العميقة والعظام؛ خصوصاً مع ضعف التروية، وقد تصل في الحالات المتقدمة إلى الغرغرينا والحاجة إلى البتر. وكشفت دراسة حول أنماط البتر والوفيات المرتبطة بالقدم السكرية في مدينة جدة عام 2021، وشملت 358 مريضاً بالسكري،

أُدخلوا إلى المستشفى بسبب قرحات القدم أو الغرغرينا، عن معدلات مرتفعة من البتر بين هذه الفئة. غير أن هذه النتائج تتعلق بمرضى وصلوا بمضاعفات متقدمة، ولذلك لا تمثل معدل البتر بين جميع مرضى السكري في المملكة،

ولكنها تعكس خطورة وصول القدم السكرية إلى مراحل شديدة. ومن هنا، فإن الحد من البتر يبدأ قبل غرفة العمليات، بالتعرف المبكر على القدم المعرضة للخطر،

والتدخل في الوقت المناسب. «خطوة آمنة»... مبادرة سعودية • الكشف المبكر: يمثل الكشف المبكر النقطة التي يمكن عندها تغيير مسار القدم السكرية. ولهذا توصي إرشادات الفريق الدولي العامل المعني بالقدم السكرية (IWGDF, 2023) بفحص القدم بصورة منتظمة،

وتحديد مستوى الخطورة وتكرار الفحص وفق حالة كل مريض. ويشمل الفحص البحث عن الجروح والقرح والتشققات وتغيرات الجلد والتشوهات ومناطق الضغط، إلى جانب تقييم الإحساس للكشف عن الاعتلال العصبي، وفحص الدورة الدموية بحثاً عن علامات مرض الشرايين الطرفية ونقص التروية.

كما يكتسب وجود تاريخ سابق لقرحة أو بتر أهمية خاصة في تحديد مستوى الخطورة. أما ظهور قرحة جديدة، أو علامات عدوى، أو تورم أو احمرار،

أو تغير في لون القدم، أو الاشتباه في نقص شديد في التروية، فيستدعي تقييماً طبياً سريعاً، والإحالة إلى الفريق المتخصص حسب الحالة.

وهكذا، لا ينتظر الفحص المبكر ظهور القرحة؛ بل يسعى إلى التعرف على القدم المعرضة للخطر قبل حدوث القرحة، والتدخل قبل أن تصبح المضاعفات أكثر صعوبة في العلاج. • منع المضاعفات قبل فوات الأوان: في هذا السياق،

وقَّعت وزارة الصحة السعودية مذكرة تفاهم مع شركة «بوسطن ساينتيفيك»، بالتعاون مع الجمعية السعودية للقدم السكرية والجمعية السعودية للأشعة التداخلية، وأُطلق برنامج «خطوة آمنة» لمدة عامين، بهدف تعزيز الكشف المبكر عن القدم السكرية،

وتحسين مسارات إحالة المرضى المعرَّضين لمضاعفاتها. ويأتي البرنامج في إطار دعم جهود المملكة لتعزيز الرعاية الصحية الوقائية والمتكاملة، وتحسين جودة حياة المصابين بالأمراض المزمنة. وفي هذا الإطار،

يشير المهندس سعد السدحان، المدير الإقليمي لشركة «بوسطن ساينتيفيك» في المملكة، الذي تمتد خبرته لأكثر من عقدين في قطاع الرعاية الصحية، وسبق أن شغل منصب نائب وزير الصحة للإمداد وسلاسل الإمداد والهندسة،

إلى أن دور الشركة في التعاون يشمل مشاركة أفضل الممارسات العالمية في مجال الطب وجراحة الأوعية الدموية، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الفحص المبكر، ورفع مستوى الوعي لدى المرضى. كما يشير -في ضوء عمل الشركة في مجال التقنيات طفيفة التوغل- إلى البحث عن فرص لتبادل المعرفة وأفضل الممارسات،

بما يدعم تطوير مهارات الكوادر الصحية على مستوى المملكة. • توسيع نطاق الرعاية: ووفقاً للمعلومات المقدمة من الجهات المشاركة، تشمل خطط البرنامج التوسع إلى أكثر من 36 مركزاً للسكري، بينها 7 مراكز متخصصة في علاج القدم السكرية،

إلى جانب تطوير إجراءات الفحص، وتدريب فرق التمريض على تقييم القدم وعوامل الخطورة. وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ عبد الله عربي،

رئيس الجمعية السعودية للقدم السكرية، ومدير مراكز السكري والقدم السكرية بوزارة الصحة، وهو من القيادات الصحية المتخصصة في العناية بالقدم السكرية وطب الأقدام، ويركز في عمله على تعزيز الوقاية،

وتطوير مسارات العلاج والرعاية، ودعم التعليم والتدريب السريري، أن البرنامج يستهدف إشراك أكبر عدد ممكن من المستشفيات في أنحاء المملكة، وتوسيع نطاق المشاركة بما يتيح الوصول إلى شريحة أوسع من مرضى السكري.

ويؤكد أن الغاية هي توسيع الوصول إلى المرضى في مختلف أنحاء المملكة، والمساهمة في الحد من معدلات مضاعفات القدم السكرية. وبذلك، يراهن البرنامج على توسيع نطاق المشاركة والوصول إلى المرضى عبر شبكة أوسع من مراكز السكري والمستشفيات،

مع دعم قدرات فرق الرعاية على اكتشاف عوامل الخطورة والتعامل معها مبكراً. • دور الأشعة التداخلية: قد تبدو الأشعة التداخلية بعيدة عن مشكلة تبدأ بقرحة في القدم، ولكن دورها يتضح عندما يكون ضعف التروية جزءاً من المشكلة. فإذا أظهرت الفحوص نقصاً مهماً في تدفق الدم،

فقد يحتاج بعض المرضى إلى إعادة التروية للمساعدة على التئام الجرح والمحافظة على الطرف. وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور حسن الشهري، رئيس الجمعية السعودية للأشعة التداخلية،

واستشاري الأشعة التداخلية، الذي تتركز جهوده المهنية على تطوير خدمات الأشعة التداخلية، وتعزيز التميز السريري، ودعم الابتكار في الرعاية الصحية،

أن برنامج «خطوة آمنة» يستهدف معالجة المعدلات المرتفعة لحالات البتر المرتبطة بالسكري في المملكة، من خلال تعزيز الكشف المبكر عن القدم السكرية. ويوضح أن تحقيق ذلك يعتمد على تحسين مسارات الإحالة لمرضى السكري المعرَّضين لخطر الإصابة بالقدم السكرية، عبر مختلف مكونات النظام الصحي في المملكة.

ويمكن تحقيق إعادة التروية حسب حالة المريض وطبيعة الانسداد، من خلال إجراءات طفيفة التوغل، تُجرى عبر القسطرة لتوسيع الشرايين المتضيقة أو المسدودة، أو بالجراحة الوعائية عندما تكون الخيار الأنسب.

ومن هنا تتضح أهمية مشاركة الجمعية السعودية للأشعة التداخلية في برنامج «خطوة آمنة»؛ فالكشف عن القرحة لا يكفي إذا كان وراءها نقص في التروية يحتاج إلى تشخيص وعلاج. ويكتسب التقييم الوعائي أهمية خاصة ضمن الرعاية المتكاملة؛ إذ يساعد تحديد وجود نقص التروية ودرجة شدته وطبيعة الإصابة الوعائية على توجيه القرار العلاجي، واختيار النهج الأنسب لكل حالة. (الإرشادات المشتركة IWGDF/ESVS/SVS لمرض الشرايين الطرفية لدى مرضى السكري والقدم المتقرحة،

2023). لمنع المضاعفات الخطيرة ودرء عمليات البتر قبل فوات الأوان الرعاية متعددة التخصصات القدم السكرية حالة معقدة قد تتداخل فيها عوامل عصبية ووعائية وعدوى ومشكلات في التئام الجروح، ولذلك تؤكد إرشادات الفريق الدولي العامل المعني بالقدم السكرية (IWGDF) أهمية الرعاية متعددة التخصصات.وقد يحتاج المريض -حسب حالته- إلى طبيب السكري، وتمريض متخصص،

وعناية بالجروح، وعلاج العدوى، وتقييم الأوعية الدموية أو الأشعة التداخلية، وأحياناً إلى الجراحة.

كما يمثل تخفيف الضغط عن موضع القرحة (Offloading) ركناً مهماً في علاج قرحات القدم السكرية، ولا سيما القرح العصبية الأخمصية لدى المرضى الذين فقدوا الإحساس في القدم؛ إذ قد يستمر الضغط المتكرر على موضع الجرح أثناء المشي ويعيق التئامه. (إرشادات «IWGDF, 2023» للرعاية متعددة التخصصات، وتخفيف الضغط عن قرحات القدم السكرية).

• دور مريض السكري: وإلى جانب دور المنظومة الصحية في الوقاية والكشف المبكر، يبقى للمريض نفسه دور أساسي في حماية قدميه، يبدأ بفحصهما يومياً بحثاً عن أي جرح أو تشقق أو فقاعة أو احمرار أو تورم أو تغير في لون الجلد، والاستعانة بمرآة أو بأحد أفراد الأسرة لفحص باطن القدم عند الحاجة.

ومن المهم عدم تجاهل أي جرح، مهما بدا صغيراً، وتجنب المشي حافياً، واختيار حذاء مناسب لا يسبب ضغطاً ولا احتكاكاً،

إلى جانب ضبط السكري وعوامل الخطورة المصاحبة، والالتزام بالفحوص الدورية للقدم. والأهم ألا ينتظر المريض ظهور الألم حتى يطلب المساعدة؛ ففقدان الإحساس قد يجعل الإصابة الخطيرة قليلة الألم أو بلا ألم. لذلك،

فإن ظهور قرحة أو جرح لا يلتئم، أو علامات عدوى، أو تغير واضح في لون القدم، يستدعي تقييماً طبياً سريعاً.

(وزارة الصحة السعودية– التوعية الصحية: القدم السكرية). • إنقاذ القدم يبدأ قبل البتر: إنقاذ القدم لدى مريض السكري يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة البتر بوقت طويل. فالنجاح الحقيقي لا يقتصر على علاج الجرح بعد تقدمه؛ بل يبدأ باكتشاف القدم المعرضة للخطر مبكراً، والتدخل في الوقت المناسب،

وربط المريض بمسار رعاية متكامل. ومن هنا تبرز أهمية مبادرات مثل «خطوة آمنة»، التي تسعى إلى تعزيز الوقاية والكشف المبكر وتحسين مسارات الإحالة، بما يتيح التدخل قبل أن تصبح المضاعفات أكثر تعقيداً،

كما تسهم في تحسين النتائج الصحية وجودة حياة المرضى. إن الخطوة التي تحمي الطرف قد تبدأ ببساطة من اكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى جرح، واكتشاف الجرح قبل أن يصبح تهديداً للطرف. * استشاري طب المجتمع.

«ضمادة ذكية» تُسرّع شفاء جروح مرضى السكري في 12 يوماً