لم يكن سجن "دقريس" معروفاً ويتمتع بكل هذا الصيت والشهرة الواسعة إلا بعد أن سيطرت قوات "الدعم السريع" على ولاية جنوب دارفور وعاصمتها نيالا، واتخذت منه واحداً من أكبر معتقلاتها وأسوأها سمعة على الإطلاق داخل المناطق التي تخضع لسيطرتها، حيث نقلت إليه مئات المعتقلين من الخرطوم والجزيرة ومدن وبلدات كردفان ودارفور المختلفة، وحولته إلى قلعة حصينة شديدة الحراسة تفوح من ردهاته رائحة الموت،
بشهادة نزلاء سابقين ومنظمات حقوقية. خريطة الرعب اكتسب السجن سمعته السيئة التي تثير الفزع والرعب في النفوس، كأحد أسوأ معتقلات "الدعم السريع" في إقليم دارفور لدرجة تشبيهه من جانب بعض المعتقلين السابقين بسجن "أبو غريب" في العراق، من حيث الاكتظاظ وما يرتكب بداخله من فظاعات،
بعد أن حولته قوات "الدعم" إلى نقطة لتجميع للمعتقلين من معظم المناطق التي تخضع لسيطرتها وإخضاعهم للتحقيق هناك. تم تأسيس السجن بواسطة الإدارة العامة للسجون والإصلاح التابعة لرئاسة الشرطة السودانية تحت مسمى "مدينة الخير الإصلاحية" في 2016، ليكون بديلاً لسجن "نيالا" المركزي القديم (المعروف بسجن كوريا) العتيق بعد أن ضاقت مساحته وتداعت بنيته الخدمية، وتقع المدينة الإصلاحية التي تحولت لاحقاً إلى "سجن دقريس"،
على مسافة 25 كيلومتراً غرب المدينة، واستمد السجن اسمه من مجاورته لبلدة دقريس، إحدى محليات جنوب دارفور. حملت "الدعم السريع" السجن بأكثر من ثلاثة أضعاف طاقته الاستيعابية عند الإنشاء (أ ف ب) ترتفع أسوار "دقريس" إلى حوالى ستة أمتار،
وتحرسه دوريات جوالة تضم 50 عربة قتالية مسلحة في حال طواف متواصل حول محيط السجن المحاط بحراسات مشددة من الداخل والخارج ونقاط مراقبة أعلى سوره على مدار الساعة. ويحتوي السجن من الداخل على شقين يضم كل واحد منهما 24 زنزانة فردية، مساحة كل واحدة منها (2×1) متر، بجانب ساحة في الاتجاه الجنوبي يتم فيها حصر أعداد المعتقلين،
ومنطقة الخلوة الشرعية، ومقصلة الإعدام، فضلاً عن مجموعة مبان إدارية ومطبخ لإعداد الوجبات، ومدرستان تم تحويلهما إلى معتقلات،
ووحدة طبية مخصصة لمعتقلين محددين ومزودة بمنظومة آبار للمياه ذات مضخات غاطسة. فوق الطاقة حملت "الدعم السريع" السجن بأكثر من ثلاثة أضعاف طاقته الاستيعابية عند الإنشاء والمحددة بـ7 آلاف نزيل، إذ يوجد به الآن حوالى 20 ألفاً من المحتجزين، بل ووصلت أعدادهم إلى 100 ألف في بعض الأوقات وفق تقديرات بعض المنظمات،
وهم محتجزون في ظروف غير إنسانية وقاسية، حيث يحشر كل خمسة أشخاص في زنزانة مساحتها (2×1) متر مخصصة بالأصل لشخص واحد. بحسب تقارير حقوقية حديثة، لا يزال سجن "دقريس" يُوصف بأنه أكبر مراكز الاحتجاز التابعة لقوات "الدعم" في دارفور،
وسط اتهامات جدية وخطرة بالتعذيب الممنهج وسوء المعاملة والحرمان من الغذاء والرعاية الصحية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ووصفت "لجنة العدالة"، وهي منظمة حقوقية دولية مستقلة (غير حكومية) تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، ومكافحة الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي،
ومناهضة التعذيب، ما يجري داخل سجن "دقريس" بأنه يشكل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم تستوجب المساءلة، بسبب الاكتظاظ المفرط،
والتعذيب الممنهج، والاحتجاز الجماعي من دون سند قانوني، والوفيات داخل أماكن الاحتجاز. وتجاوز عدد المحتجزين داخل السجن في بعض الأوقات عدد 160 ألف شخص،
عقب توسيع نطاق الاحتجاز ليشمل مباني إدارية وبيوت عاملين جرى ضمها قسراً إلى محيط السجن، ويعانى النزلاء نقصاً حاداً في الغذاء والمياه، حيث لا يحصل المحتجز في كثير من الأحيان سوى على قطعة واحدة من الطعام في اليوم، ومياه لا تصلح للاستخدام الآدمي وبكميات شحيحة،
وفق معلومات رصدتها اللجنة. تعذيب وقسوة وطالبت اللجنة بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، ومنهم شخصيات سياسية وعسكرية وأكاديمية وإعلامية، إضافة إلى مئات المدنيين من مختلف المكونات الاجتماعية في إقليم دارفور،
وفتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات المرتكبة داخل السجن ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب. وأشارت اللجنة إلى رصد أنماط متعددة من التعذيب وسوء المعاملة، شملت الإهانات اللفظية،
والإجبار على ممارسات مهينة، والضرب المبرح، والصعق الكهربائي، وإطفاء أعقاب السجائر في أجساد المعتقلين،
في انتهاك صارخ للحق في الكرامة الإنسانية وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. التكدس الشديد في السجن بما يفوق قدرته الاستيعابية تسبب، بحسب مصادر طبية، في انتشار الأمراض الجلدية،
بجانب حالات الهزال الشديد وسط المعتقلين الذين بدا بعضهم كهياكل عظمية، مع إصابات متكررة بالتسمم الغذائي نتيجة فساد ما يقدم من وجبات ملوثة وغير صحية. أما من يحتج من المحتجزين على سوء الأوضاع أو يطالب بحقوقه، سواء في تحسين وجبات الطعام أو العلاج،
فقد كان مصيره وفق شهادات معتقلين سابقين، التعرض لعقوبات فورية قاسية تشمل الضرب والركل والإساءة اللفظية أو الحبس في ظروف أشد صعوبة، في ظل غياب أي رقابة قضائية مستقلة على السجن. ويكشف مفرج عنهم،
عن مئات المحتجزين المنسيين داخل دهاليز وأقبية السجن في ظل ظروف يائسة ومهينة وجوع وأمراض تفتك بهم أسبوعياً وأحياناً يومياً، ولا يزالون يواجهون مصيراً مجهولاً. تطورات خاصة شهد مارس (آذار) الماضي حدثاً خاصاً في سجن "دقريس"، وهو إطلاق سراح دفعات من المعتقلين المدنيين بلغ عددهم حوالى 260 معتقلاً،
مع إشارات عن خطط لإطلاق سراح مزيد منهم بسبب الاكتظاظ وتدهور الأوضاع الإنسانية. وشكلت سلطات "الدعم السريع" لجنة عليا بقرار من قائد القوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، للتحري ومراجعة وتصنيف المحتجزين في سجن "دقريس"، تتولى فحص ملفات المعتقلين والتحقق من هوياتهم وفرز المدنيين من العسكريين وتصنيف المحتجزين بناء على جهات الانتماء أو أسباب التوقيف،
وإجراء التحريات القانونية اللازمة معهم. وأصدرت هذه اللجنة توصيات بإطلاق سراح نحو 260 نزيلاً من داخل السجن، لكن عملها في المراجعة توقف من دون سابق إنذار أو إعلان عن مصير مستقبل مهامها. تحرسه دوريات جوالة تضم 50 عربة قتالية في حال طواف متواصل حول محيط السجن (أ ف ب) في منتصف الشهر الحالي رفعت بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة مذكرة رسمية إلى رئيسة مجلس الأمن الدولي تشير فيها إلى احتجاز آلاف الأشخاص (عسكريين ومدنيين) في سجن "دقريس" وسط ظروف إنسانية وصحية بالغة الصعوبة والقسوة،
مطالبة المجلس بتدخل دولي عاجل للتحقيق في تلك الانتهاكات وتمكين المنظمات الدولية من الوصول إلى السجن والتحقق من الأوضاع بداخله. واتهمت المذكرة قوات "الدعم السريع" بممارسة التعذيب الممنهج للسجناء وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية والغذاء في ظل أوضاع إنسانية وصحية كارثية أدت إلى وفاة نحو 300 محتجز خلال الشهرين الماضيين. وأشارت إلى اتهامات بوجود عمليات منظمة للاتجار بالأعضاء البشرية داخل سجن "دقريس"، عبر تورط عناصر طبية أجنبية في انتزاع أعضاء من بعض المحتجزين ونقلهم إلى جهات أجنبية تعمل في مدينة نيالا،
قبل دفن الضحايا في مواقع تابعة للفرقة 16 مشاة لإخفاء الأدلة، بحسب تقارير وردت للحكومة. نفي وإنكار في المقابل، نفت قوات "الدعم السريع" جميع الاتهامات الواردة في رسالة الحكومة السودانية إلى مجلس الأمن في شأن الاتجار بالأعضاء البشرية والتعذيب والقتل داخل سجني "دقريس" بمدينة نيالا،
و"شالا" بالفاشر. ووصف المكتب الإعلامي لـ"الدعم السريع" الاتهامات بأنها "مختلقة، وتقف وراءها جهات مرتبطة بالجيش السوداني والخصوم السياسيين"، مؤكداً أن السجون ومراكز الاحتجاز مفتوحة أمام المنظمات الحقوقية الراغبة في التحقق من الأوضاع ميدانياً.
وأشار المكتب إلى أن لجنة شكلها دقلو لمراجعة أوضاع المحتجزين في السجون ومراكز الاحتجاز التابعة لها، لم ترصد أي انتهاكات داخل سجن "دقريس" أو غيره من المراكز، بل أفرجت عن مئات المعتقلين خلال الأشهر الماضية. في السياق يؤكد الناشط الحقوقي السوداني ورئيس مجلس أمناء "هيئة محامي دارفور" الصادق علي حسن،
أن هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما أن بيئة السجن تفتقر للمتطلبات الخدمية والصحية، وحدثت حالات وفاة عدة بداخله نتيجة سوء التغذية والاكتظاظ وافتقار السجن للرعاية اللازمة، مما يتطلب ضرورة الضغط الدولي للإفراج الفوري عن المعتقلين.
وأشار حسن، إلى أن المعلومات الواردة تكشف أن أعداد الموقوفين تجاوزت في تاريخ سابق 25 ألفاً، وقد تم خلال الفترة الماضية الإفراج عن مئات المحتجزين. مضيفاً أن حكومة (تأسيس) ليس لديها نظام قانوني وفقاً لمعايير نظم الدولة الحديثة،
فهياكل الأجهزة القائمة لا تمثل شرعية معترفاً بها لدى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، بالتالي فهي لا تملك الصفة التي تُمكن من مقاضاتها أمام الأجهزة العدلية الدولية، مما يؤدي لتقنين ظاهرة الإفلات من المساءلة والعقاب. على الصعيد ذاته،
حذرت بعثة تقصي الحقائق في شأن السودان، من أن أطراف النزاع تلجأ بشكل متزايد إلى الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري للسيطرة على السكان المحاصرين في البلاد، مما يسهم في تفاقم أزمة حماية كارثية للمدنيين. وقال رئيس البعثة محمد شاندي عثمان،
في تحديث لمجلس حقوق الإنسان منتصف يونيو (حزيران) الحالي، إن المدنيين لا يزالون يتعرضون للهجمات والعنف المباشر، ويتحملون العبء الأكبر لهذا النزاع. إكراه وابتزاز على نحو متصل،
كشفت عضوة البعثة والخبيرة الأممية جوي نجوزي إيزيلو، عن توثيق البعثة كذلك نمطاً من الاحتجاز مصحوباً بالإكراه والابتِزَاز، إذ يتمّ إجبار العائلات على دفع مبالغ مالية طائلة مقابل الإفراج عن أقاربهم المحتجزين، ووصلت المبالغ في بعض الحالات إلى 25 مليون جنيه سوداني (ما يقارب 40 ألف دولار أميركي).
وأشارت البعثة إلى حملات اعتقال مماثلة في مناطق سيطرتها بتُهم العمالة والتخابر مع الجيش وحلفائه، ويُنقل عديد من هؤلاء المعتقلين لمزيد من التحقيق لاحقاً إلى مرافق احتجاز في "نيالا" في ظروفٍ قاسية ويتعرضون للتعذيب. بحسب ما كشفت عنه الحكومة السودانية بموجب المعلومات التي توفرت لديها، يوجد نحو 19800 محتجز وأسير في سجن "دقريس" في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور،
بينهم 3795 من أفراد الجيش، وخمسة آلاف مدني من الفاشر، و4270 شرطياً، و544 من جهاز الاستخبارات العامة،
و73 من الكوادر الطبية، و5434 مدنياً من مختلف المهن، إضافة إلى 690 امرأة، بينما يوجد بسجن "شالا" غرب مدينة الفاشر نحو 881 أسيراً عسكرياً و407 مدنيين،
بينهم 113 طفلاً دون سن الـ18، ويعاني عديد منهم من إصابات وأمراض مزمنة لا يحصلون على الرعاية الطبية.