تواجه مبادرة الحوار السوداني الداخلي اختباراً مصيرياً في ظل الانقسام والتشظي السياسي والعسكري الحاد الذي يضرب أطراف القوى السياسية والمدنية بالبلاد. ومع انطلاق أعمال لجنة تهيئة الحوار مطلع الشهر الجاري، يظل التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا المسار قادراً على تجسير فجوة الخلافات العميقة أم أن حدة التشظي ستبتلع الجهود الجارية من أجل الوصول إلى محطة الوفاق الوطني على الحد الأدنى من أمهات القضايا الوطنية؟ بحسب مراقبين،

تنقسم الرؤى الحالية حول مصير هذا الحوار وفرص نجاحه إلى مسارين، مؤشرات التشظي الحاد الذي يهدد بابتلاع تلك الجهود ومن ثم انهيار الحوار وفشله، في ظل تقاطع معسكر وقف الحرب قبل الحوار، مقابل داعمي خيار الحسم العسكري الذي يشكل فيه السلاح المشهد بدلاً من التفاوض.

احتمالات التوافق في السياق يعتقد أستاذ علم الاجتماع السياسي عبدالعظيم الطاهر أنه إذا نجح السودانيون في تغليب المصلحة الوطنية على السياسية والحزبية فإن فرصة التوافق الوطني تظل مواتية، لصياغة إعلان مبادئ شامل يمثل رؤية وطنية موحدة بإجماع القوى المدنية والاجتماعية كافة، كونها الضمانة الوحيدة لإنقاذ البلاد من خطر التفتت والانهيار الكامل. يلفت الطاهر إلى أن المقاربة بين رؤية الجيش ومواقف القوى السياسية،

وبخاصة القوى المدنية والمطالبة بوقف الحرب، تكشف عن وجود تناقضات جوهرية واختلاف على الأولويات والجذريات من القضايا، لا سيما في شأن قضية وقف الحرب، بينما توجد نقاط تلاقٍ محدودة قد تهدد بتحول الحوار السوداني الداخلي المطروح إلى سلاح ذي حدين في ظل اتساع دائرة الخلافات ومحدودية نقاط التوافق.

يعتقد الأكاديمي أن في تواصل البرهان مع قوى سياسية ومدنية للتحضير لحوار سوداني شامل، وبحث خطوات تهيئة المناخ السياسي للحوار، إشارة إلى أن الجيش بات أكثر استعداداً للتعاطي مع تسوية سياسية تنسجم مع رؤيته، على أن تسير بالتوازي مع مواصلة الضغط العسكري سعياً إلى تحسين موقعه التفاوضي.

تباين التطلعات بدوره يرى المحلل السياسي بدر الدين الزبير أن التباين الشاسع بين مواقف وتطلعات القوى السياسية والمدنية السودانية يتجلى في انقساماتها بين رفض الحرب والمناداة بوقفها الفوري، وبين تلك المتحالفة مع الجيش وتتفق مع رؤيته المنادية بالحسم العسكري للحرب وخروج قوات "الدعم السريع" بالكامل من المشهد السياسي كشرط لأي حوار، إلى جانب فئة ثالثة تقف في الوسط وتبدي ترحيباً مشروطاً بمبادرة الحوار كخطوة لإدارة الأزمة، وهي ثلاث مجموعات تحمل مواقف متقاطعة بصورة جدية يصعب الجمع والتوفيق بينها (ما بين رفض الحرب والمطالبة بوقفها فوراً وتأييد الجيش والحسم العسكري).

عقدة الترتيبات تتمحور عقدة الخلاف الأساسية بحسب المحلل السياسي حول الترتيبات، فبينما يرى الفريق البرهان أن الأولوية لحسم الملف الأمني والعسكري وإخراج "الدعم السريع" هي الممر الإجباري لأي وقف للحرب أو مسار سياسي، ترى القوى السياسية المدنية أن الوقف الفوري للحرب وفتح المسار الإنساني هو المدخل الأساس للحفاظ على ما تبقى من البلاد وتأسيس مسار سياسي مدني. تقف في الضفة الأخرى القوى السياسية المتحالفة مع الجيش،

وعلى رأسها "الكتلة الديمقراطية" التي تضم الحركات المسلحة، وهي تتفق مع رؤيته المنادية بالحسم العسكري للحرب وخروج قوات "الدعم السريع" بالكامل من المشهد السياسي المستقبلي كشرط لأي حوار. هذا المشهد المتشظي وفق الزبير، يجعل من الحوار عملية في غاية التعقيد والصعوبة ناهيك عن الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق،

ما لم تتفق تلك القوى على تقديم تنازلات كبيرة لأجل المصلحة العليا للبلاد. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) الفشل والأسباب على الصعيد ذاته، يرى أستاذ العلوم السياسية محي الدين إسماعيل أن استبعاد وغياب الطرف العسكري الآخر المتمثل في قوات "الدعم السريع" أو اشتراط استسلامها أولاً، يجعل من الحوار المرتقب حواراً أحادياً يقود إلى تعزيز شرعية سلطة الأمر الواقع الحالية والموجودة عملياً في مناطق سيطرة الجيش،

وهو بذلك لن يقود إلى نتائج تدعم الوحدة البلاد بل قد تهدد نتائجه بترسيخ الانقسام الجغرافي القائم الآن بحسب مناطق سيطرة ونفوذ كل طرف. يؤكد إسماعيل أن من أبرز أخطار الحوار الأحادي تكريس الانقسام الجغرافي من خلال إجراء حوار سياسي ينتهي بتشكيل حكومة في مناطق سيطرة الجيش فقط، مما يهدد بترسيخ التقسيم الواقعي القائم الآن بناء على مناطق السيطرة الميدانية. وفي حال انعقاد الحوار في ظل أزمة الثقة المزمنة وتناقض الأولويات الراهن وفي غياب القوى المناهضة للحرب،

فمن المتوقع أن يتخذ هذا الحوار مساراً مختلفاً عن أهدافه المُعلنة (تحقيق السلام والتوافق الوطني)، ولن يتعدى كونه ترتيباً سياسياً داخل مناطق سيطرة الجيش. التحفظ الخارجي على نحو متصل، يرى أستاذ العلاقات الدولية أبوالقاسم عبدالله أن البيئة الخارجية لا تبدو حتى الآن داعمة تماماً لنمط الحوار الداخلي المطروح،

إذ يتسم الموقف الإقليمي والدولي والأممي تجاه مبادرة الحوار بالتحفظ الشديد والرفض الضمني لمرتكزاته انطلاقاً من موقفها وقناعاتها الأساسية، على أن أي حوار لا يوقف الحرب أولاً، ولا يقوده المدنيون سينتهي لشرعنة سلطة الأمر الواقع بدلاً من تحقيق السلام. يشير عبدالله إلى التحفظات الواضحة التي أبدتها الخارجية الأميركية على مبادرة الحوار المطروحة،

واشتراطها لدعم أي حوار أن يكون بقيادة مدنية كاملة، وأن يُعقد في موقع محايد متفق عليه بين جميع الأطراف، وتشديدها على تمثيل كافة الطيف السوداني والشركاء الغربيين وليس اقتصاره على الشخصيات والمجموعات السياسية الموجودة في مناطق نفوذ الجيش، كذلك اشترطت الأمم المتحدة مقابل استعدادها لتيسير وتسهيل الحوار،

أن يحظى بالتوافق والتنسيق بين مختلف القوى المدنية والعسكرية، وليس كعملية تجري إدارتها وتوجيهها من طرف واحد. تشكيك الاستقلالية وشكك رئيس "حزب الأمة" مبارك الفاضل المهدي باستقلالية الحوار ورأى أن التركيز على أن الدولة ليست هي المنظمة له لا يكفي لإثبات ذلك، وأن الاستقلالية الحقيقية للعملية السياسية تتطلب ضمانات حقيقية وهيكلية تشمل حياد الجهة الراعية،

وحرية اختيار المشاركين وملكية الأجندة وصولاً إلى آليات اتخاذ القرار وتنفيذ المخرجات.  لكن المهدي يرى أن هذه الشروط من المستحيل توفيرها كاملة في ظل استمرار الحرب، لذلك فإن المنصة المحايدة والآمنة التي تجمع الفرقاء كافة خارج مناطق سيطرة أطراف النزاع هي الخيار الأكثر واقعية لضمان تكافؤ الفرص والوصول إلى تسوية تاريخية. شرعنة التمرد في المقابل،

يرى مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والخارجية أمجد فريد أن الحوار السياسي يجب أن يكون حواراً (سودانياً - سودانياً) خالصاً وبإرادة وطنية داخلية، وألا يكون بوابة لشرعنة التمرد أو تقاسم السلطة مع قوة مسلحة، ويجب أن ينطلق بعد تنفيذ الالتزامات العسكرية والأمنية وحماية المدنيين. يرى فريد،

أن من أهم شروط ومحددات صورة الحوار السياسي السوداني وكيفية إنهاء الحرب ألا تفاوض تحت الإكراه، مشدداً على موقف الحكومة الواضح والثابت تجاه السلام، ورفضها بصورة قاطعة لأي مفاوضات أو حوار ينظم تحت الإكراه، مؤكداً على أنه لا ينبغي "للميليشيات" أن تكون طرفاً يملك الحق في تحديد مستقبل السودان السياسي،

بالنظر إلى الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها بحق الشعب. يضيف "مستقبل السودان السياسي يحدده السودانيون وحدهم وإذا كان الحوار سودانياً حقاً، فإن معايير المشاركة فيه ينبغي أن تنشأ من عملية وطنية واضحة داخلياً من دون أي إملاءات خارجية"، مبيناً أن أي عملية سياسية أو حوار لن يكتب لهما النجاح ما لم يتضمنا بنداً بالإنهاء الكامل للوجود المؤسسي المستقل لقوات "الدعم السريع" وتفكيكها كقوة مسلحة.

المهمة العصية وعقب تشكيل لجنة التهيئة للحوار في الـ30 من أغسطس (آب) الماضي أكدت أن مهمتها تمهيدية تتركز على التمهيد للحوار وتهيئة الظروف اللازمة لانطلاقه، وتسعى إلى تعبيد الطريق أمام السودانيين للاتفاق بأنفسهم على آلية الحوار وأطرافه وأجندته ومخرجاته. وشرعت اللجنة في اتصالات ومشاورات مباشرة مع القوى السياسية والقوى المجتمعية، إلى جانب القوى الإقليمية والدولية ذات الصلة بالشأن السوداني،

بحثاً عن تحقيق توافق بين المكونات السياسية والمجتمعية السودانية على مبدأ الحوار. وكان تحالف "صمود" أبرز القوى المدنية المناهضة للحرب، قد رفض مبادرة الحوار، ورأى أنها تسعى إلى تنصيب البرهان رئيساً للبلاد،

وإضفاء شرعية على حكم عسكري يمهد لعودة من أسقط السودانيون سلطتهم عبر ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019.