رحلت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين، وذلك قبل أسبوعين من موعد إقامة معرضها الاستعادي الأول في العاصمة البريطانية لندن. كانت الفنانة، التي وُلدت عام 1932،

قد أشرفت بنفسها على اختيار الأعمال التي تمثل تجربتها الممتدة عبر ستة عقود، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم. لم يكن غريباً أن تؤدي هذا الدور المزدوج، إذ عُرفت أيضاً بكونها منسقة معارض وكاتبة.في معرضها الذي يحتفي بمسيرتها الفنية - التي تشمل اللوحات والمنحوتات والإنشاءات الضخمة التي تستلهم مفردات الأثاث المنزلي كالكراسي والطاولات والأسرة - تضع الجمهور في مواجهة رؤيتها التي لم تكتفِ بتحليل آليات السلطة القمعية،

بل أضافت إليها ما ترسب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة للموتى، سواء كانوا أقرباء أو غرباء أو مجهولي الهوية. تتميز أعمال غونزاليس بحيوية داخلية تترجمها الألوان الزاهية، لكنها تستمد قوتها من الحزن المتأصل في ثنايا تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.استنساخ التاريخ الفنيضم المعرض لوحات استنسختها الفنانة من روائع عالمية،

مثل "فينوس" لساندرو بوتيتشيلي، و"غداء على العشب" لإدوارد مانيه، و"غورنيكا" لبابلو بيكاسو. تعكس هذه المفارقة تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم،

حين كانت تتعلم عبر استنساخ لوحات الفنان الهولندي فيرمير. هذا الولع لازمها حتى بعد أن أطلق عليها في كولومبيا لقب "المعلمة"، في إشارة إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة في أجيال من الفنانين الذين رأوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في وجه سلطة المحو المتمثلة في الموت والفقدان.من أبرز ما في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى الغرف مقبرة لضحايا السلطة. أعمالها الـ150 يجمعها خيط سري هو العنف،

وقد حاولت تغطيته بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، مؤكدة أن الحياة تستمر رغم اختراقها بمشاهد الجثث. في عودتها إلى لوحات الغرب التي أعجبتها، لم تهدف إلى الهروب من الآثار النفسية للعنف،

بل إلى بلورة رؤية تجعل من تلك اللوحات شهادات معاصرة.السخرية من الجنرالات والسلطةكانت غونزاليس تقول: "لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم"، لكنها بدأت مسيرتها رسامة في الثلاثينات من عمرها بنسخ لوحة "استسلام بريدا" لدييغو فيلاسكيز. غير أن معرضها الاستعادي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثلى للتصدي للفوضى السياسية والعنف في بلادها، حتى إنها صورت الجنرالات بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات.

حتى لوحات الحياة العادية تحمل حزناً دفيناً وغضباً لا يتناسب مع المناسبة، كما في ثلاث لوحات تمثل عرساً ينتهي باختطاف العروسين وقتلهما.بدأت غونزاليس بتسطيح صورها بعد أن أدركت أن عمق المأساة يغني عن تفاصيل الرسم التشخيصي الأوروبي. هذا تجسيد لجسارتها الفنية التي لم تمِلْ للتجريد رغم استفادتها من بعض تقنياته. يقدم معرضها فتنة بصرية،

لكنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل كخيط يجمع خرائط لواقع لا يُنسى، إنه التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون.شهادات من متحفها الشخصيفي خزانات زجاجية ملحقة بالمعرض، تظهر محتويات متحفها الشخصي: صور لمصارعين ملثمين، ولاعبي كمال أجسام،

وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك بأغطية رأس مزيّنة بالريش،

وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة، وقديسين في صلواتهم، وتحف دينية مبذولة.

أذكى ما في المعرض أنه لا يلمح إلى التزام سياسي مباشر؛ فقد احتفظت الفنانة بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي، ووضعه في سياق إنساني، مما أنقذ فنها من التبسيط الجاهز وحوّله إلى بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.قالت غونزاليس: "ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم". كانت على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين لن تزعج حبر المؤرخين.

رأت أن وظيفة الرسم هي مواجهة التاريخ الرسمي. في عام 1985، بعد حصار قصر العدل في بوغوتا وأمر الرئيس باقتحامه مما أسفر عن مقتل نحو مئة شخص، ردت بلوحة "سيدي الرئيس،

يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية"، تظهر الرئيس مبتسماً ووزراءه منهمكين بينما جثمان متفحم على الطاولة. وعندما قررت بلدية بوغوتا إزالة مقبرة لمئات الضحايا، أنتجت عملها "هالات مجهولة" باستخدام التقنية الرقمية لاستحضار الجثث التي ذهبت إلى المجهول،

مؤكدة ثقتها بقدرة الفن على إجبار التاريخ على قول الحقيقة.