لم تكن المكتبات ودور النشر في العاصمة السودانية الخرطوم بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ أغلقت أبوابها، وتوقفت رسالتها التعليمية والتنويرية، وتعرض بعضها للتدمير والتخريب والسرقة.

لكن مع عودة الحياة تدريجياً، بدأت هذه المعالم الثقافية تستعيد نشاطها من جديد، وتستقبل عشاق القراءة الباحثين عن فسحة أمل وسط ظروف الصراع.في شارع البلدية، فتحت الدار السودانية للكتب،

إحدى أكبر دور النشر في المنطقة العربية والأفريقية، أبوابها لإثراء الحركة الثقافية والعلمية. كما افتُتحت مكتبة ودار المصورات، وعادت إلى المنطقة مكتبات الشارع (البسطات) التي تعرض مؤلفات نادرة.عروض وتخفيضاتنظمت مكتبة ودار المصورات عدداً من معارض الكتب في مدن العاصمة الثلاث: بحري،

أم درمان، والخرطوم، بالإضافة إلى ولايات أخرى. وقدمت المكتبة عروضاً كبيرة عبر تخفيضات على إصداراتها،

خصوصاً من طبعات الأعوام السابقة، أو خصم عند شراء عدد معين من الكتب. أسهمت هذه العروض في إقبال كبير وتسابق على اقتناء الكتب رغم ظروف الحرب والأزمات الاقتصادية.مصعب الجيلي، أحد مرتادي المعارض في أم درمان،

قال إن عودة هذه المعالم الثقافية بعد تحرير الخرطوم تُعيد الروح إلى الذاكرة الثقافية، مشيراً إلى أن رواد المعرفة لديهم الوقت الكافي للقراءة حالياً. وأضاف أن كثيراً من المواطنين شغوفون بالمعرفة رغم الحرب، إذ يقتني الزوار الكتب ويبحث طلاب الجامعات عن المراجع العلمية.أسامة عوض الريح،

صاحب مكتبة ودار المصورات، أوضح أنهم واصلوا العمل ثلاثة أشهر من دون قراء، ثم بدأوا بعروض تخفيضات على الإصدارات الثقافية العالية، مما شكل فرصة للتبادل الثقافي وملتقى للمثقفين.

وأعرب عن قناعته بأن الشخصية السودانية محبة للقراءة، وأن العاملين في الثقافة هم الأولى بالمبادرة لاستئناف الحياة. وتوقع انفراج الأزمة بعودة الجامعات، لكنه أشار إلى أن فقدان الملايين مدخراتهم سيؤثر على حركة البيع،

مما يستدعي دعم الحكومة للناشرين وأصحاب المكتبات.انتصار ثقافيأحمد عبدالرحيم مكاوي، مدير الدار السودانية للكتب، ذكر أن الدار تعرضت لتخريب ممنهج وسرقة لكتب نادرة تقدر بآلاف الدولارات، منها مصاحف وكتب إسلامية ووسائل تعليمية للأطفال،

إضافة إلى دمار البنية التحتية. وأكد أن العزيمة كانت أكبر من اليأس، وأن الافتتاح الرسمي مثّل بارقة أمل وانتصاراً ثقافياً في مواجهة محاولات محو ذاكرة الأمة. ونوه بأن المكتبات السودانية منارة للعلم والمعرفة،

وتسهم في جمع المجتمع تحت مظلة السلام.في منطقة البوستة بأم درمان وشارع الحرية بالخرطوم، عادت مكتبات الشارع (البسطات) التي تبيع مؤلفات نادرة إلى العمل بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أعوام. مالك صالح، أحد الباعة،

قال إن الفكرة تقوم على إتاحة الكتب التي استغنى عنها أصحابها، مما يشكل فرصة للتبادل الثقافي. وأشار إلى أن مرتادي هذه المكتبات لديهم شغف بالمعرفة ويطلبون كتباً نادرة، لكن الظروف الاقتصادية أضعفت الإقبال،

مما دفع الغالبية لاقتناء الكتب القديمة بأسعار مخفضة.قيمة رمزيةرأى الكاتب والباحث هيثم الصافي أن الحرب ألقت بأثقالها على أصحاب المكتبات والناشرين، وهم من الفئات الاقتصادية الهشة. وأكد أن مشهد عودة المكتبات والمعارض يحمل قيمة رمزية تتجاوز البيع والشراء، فهو مؤشر على بدء المجتمع التقاط أنفاسه،

ورغبته في الحياة أقوى من ذاكرة الدمار. وأضاف أن القراءة ليست ترفاً لآلاف السودانيين، بل وسيلة مواجهة يضمدون بها أحزانهم ويعلنون تمردهم على أوجاعهم.