عمّق رفع سعر رغيف الخبز إلى 500 جنيه سوداني الضغوط المعيشية على الأسر في السودان، بعدما ارتفع السعر بنسبة 35 في المائة، وسط تراجع القدرة الشرائية وتصاعد تكاليف الإنتاج التي يواجهها أصحاب المخابز بفعل غلاء الدقيق والخميرة والوقود، إلى جانب انقطاع الكهرباء وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.

وبينما يطالب المواطنون بتدخل يخفف أعباء الغذاء الأساسي، يحذر العاملون في القطاع من صعوبة احتواء الزيادات في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وقال الطيب الجعلي، صاحب مخبز في أم درمان،

إن الزيادة الأخيرة في سعر الرغيف جاءت نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، موضحاً أن سعر جوال الدقيق بلغ 190 ألف جنيه، فيما وصل سعر كرتونة الخميرة إلى 290 ألف جنيه، بالتزامن مع ارتفاع أجور العمال اليومية بنسبة 25 في المائة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تكلفة ألف لتر من الغاز بلغت أربعة ملايين و700 ألف جنيه، بينما تتجاوز انقطاعات الكهرباء 12 ساعة يومياً، ما يضطر أصحاب المخابز إلى استخدام الجازولين لتشغيلها، بتكلفة تصل إلى 400 ألف جنيه يومياً.

ورأى الجعلي أن الحد من ارتفاع أسعار الخبز، وتخفيف الأعباء عن أصحاب المخابز والمستهلكين يتطلبان تدخلاً من السلطات للحد من تقلبات سعر الصرف وكبح التضخم، في ظل التراجع المستمر لقيمة العملة السودانية. تراجع القوة الشرائية وتنعكس زيادة سعر الخبز على الأسر والأنشطة التجارية التي تعتمد عليه في تقديم وجباتها،

في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين تحت وطأة ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وقال سليمان عبد الله، صاحب مطعم، إن غلاء الخبز بات يضيف أعباء جديدة على نشاط المطاعم،

ويحد من قدرتها على تقديم الوجبات بأسعار تناسب الزبائن. وأوضح أن تقديم أطباق الفول أو العدس أو الكبدة مع رغيفين لم يعد يرضي بعض الزبائن، خصوصاً مع صغر حجم الرغيف، ما يدفعهم إلى شراء رغيف إضافي ويرفع تكلفة الوجبة.

أما المواطن عصام التاج، وهو سائق سيارة أجرة، فقال إن ارتفاع أسعار السلع الأساسية مع استمرار الحرب جعل تأمين احتياجات الأسرة اليومية أكثر صعوبة، مشيراً إلى أن أسرته تحتاج إلى خبز بقيمة نحو 20 ألف جنيه يومياً.

وأضاف أنه يضطر إلى الانتظار في طوابير طويلة قد تمتد ثلاثة أيام لتعبئة سيارته بالوقود، في حين لا يكفي دخله لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرته. وتتفاقم هذه الضغوط بالنسبة إلى الأسر التي عادت إلى العاصمة بعد النزوح. وقال حسين عبد الله إن عودته وأسرته إلى الخرطوم رافقها أمل في استعادة الخدمات الأساسية،

من الكهرباء والمياه إلى الخبز والدواء، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام أعباء معيشية لا يستطيعون تحملها. من جهتها، قالت فاطمة أحمد إنها لم تعد قادرة على توفير الخبز لوجبة الإفطار لأطفالها قبل ذهابهم إلى المدرسة،

مضيفة أن الأسرة تحاول تدبير احتياجات أبنائها رغم ضيق الحال. وطالبت السلطات بدعم المخابز وتخفيف أثر ارتفاع الأسعار على المواطنين. تحركات لتأمين الدقيق وفي محاولة لمعالجة الأزمة، تفقد حاكم ولاية الخرطوم،

أحمد عثمان حمزة، الاثنين الماضي، مطاحن مصنع روتانا في منطقة الجيلي الصناعية شمال بحري، للوقوف على حجم الإنتاج وبحث سبل تأمين الدقيق واستمرار إمدادات المخابز.

وأشار حمزة إلى وجود تداخل في الاختصاصات يؤثر على انسياب عمليات التوزيع، ووجّه بتشديد الرقابة ومعالجة الاختلالات بما يضمن استمرار تشغيل المخابز وتوفير الخبز للمواطنين. ارتفاع تكلفة الإنتاج من جانبه، أرجع رئيس اتحاد المخابز،

عصام عكاشة، الزيادة الأخيرة إلى ارتفاع أسعار القمح عالمياً، وتراجع قيمة الجنيه السوداني، إلى جانب زيادة أسعار الوقود والغاز والخميرة.

وبلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 10 آلاف جنيه، ما يزيد تكلفة استيراد مدخلات الإنتاج، ويضاعف الضغوط على قطاع المخابز. وقال عكاشة إن معالجة الأزمة تتطلب استيراد دقيق القمح من الخارج وتقديم الدعم للمخابز،

لكنه أقر بصعوبة التوصل إلى حلول مستدامة في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وأشار إلى أن صادرات البلاد تقتصر إلى حد كبير على الذهب، الذي تذهب عائداته، بحسب قوله،

إلى دعم الإنفاق على الحرب. وأعرب عن أمله في ألا ترتفع أسعار الخبز أكثر من مستوياتها الحالية، وأن يظل سعر الرغيفين عند ألف جنيه، مراعاة للظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها المواطنون.

دعوات إلى مخزون استراتيجي بدوره، قال الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن أزمة الخبز تعكس اختلالات هيكلية في منظومة الإنتاج، ولا تقتصر على موجة تضخم عابرة. وأوضح أن الدقيق يمثل نحو 70 في المائة من تكلفة الإنتاج،

ما يجعل أي زيادة في سعره تنعكس مباشرة على السعر النهائي، خصوصاً في ظل غياب آليات دعم مستقرة. وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود بأكثر من 100 في المائة في بعض الفترات رفع تكاليف النقل والتوزيع، فيما أسهمت زيادة تعرفة الكهرباء في رفع كلفة التشغيل،

في ظل غياب سياسة واضحة للأمن الغذائي. ودعا فتحي إلى التعامل مع الخبز بوصفه سلعة أساسية، من خلال إنشاء مخزون استراتيجي من القمح وتعزيز دور الدولة في استيراده وتوزيعه، بدلاً من ترك العملية بالكامل لآليات السوق.

وأشار إلى وجود خلافات تتعلق بأسعار النقد الأجنبي المستخدم في استيراد الدقيق والقمح، والفارق بين هذه الأسعار وسعر الدولار الذي يعتمد عليه القطاع الخاص في السوق الموازية لتوفير احتياجاته من العملة الصعبة. وتضيف زيادة أسعار الخبز عبئاً جديداً على السودانيين الذين أنهكتهم الحرب، في ظل النزوح والجوع وتآكل القدرة الشرائية.

ومع ارتفاع تكلفة إنتاج الرغيف وتراجع دخول الأسر، بات تأمين أحد أبسط الاحتياجات اليومية تحدياً كبيراً، فيما تظل قدرة السلطات على توفير الدقيق وضبط تكاليف الإنتاج عاملاً أساسياً في الحد من تفاقم الأزمة.