يبدو من شبه المؤكد أن يقرر البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، في خطوة تهدف إلى احتواء الضغوط التضخمية المتصاعدة، قبل أن تمتد آثار ارتفاع تكاليف الطاقة الناجمة عن الحرب إلى مختلف قطاعات اقتصاد منطقة اليورو. ويأتي هذا التحرك في وقت تجاوز فيه معدل التضخم في المنطقة،
التي تضم 21 دولة، مستوى 3%، وهو ما يفوق بشكل ملحوظ الهدف الرسمي للبنك البالغ 2%. وفي المقابل،
يواصل النمو الاقتصادي تسجيل أداء ضعيف، مما أثار جدلا واسعا بين الاقتصاديين حول مدى ملاءمة تشديد السياسة النقدية في هذه المرحلة.ومن المتوقع أن يواصل صناع السياسة النقدية جهودهم الرامية إلى احتواء توقعات التضخم والحفاظ على مصداقية المؤسسة، خصوصا بعد الانتقادات التي وجهت إليها بسبب بطء استجابتها لموجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا في عام 2022. وأكد ريتشارد بورتس،
أستاذ في كلية لندن للأعمال، أن رفع الفائدة ضروري ليس فقط لمواجهة التضخم الحالي، بل لإدارة توقعات الأسواق، مشيرا إلى أن عدم التحرك قد يُفسر على أنه تساهل مع ارتفاع الأسعار.ومن المنتظر أن تكون الزيادة المرتقبة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات،
لترتفع بموجبها الفائدة على الودائع من 2% إلى 2.25%. ويُرجح ألا يلتزم البنك بمسار محدد لمزيد من الزيادات خلال اجتماعه الحالي، إلا أن الأسواق المالية لا تزال تتوقع زيادتين إضافيتين خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، مع احتمال اتخاذ خطوة جديدة في سبتمبر.رفع احترازي لدعم استقرار التوقعاتوصف مراقبون هذه الخطوة بأنها "رفع احترازي"،
أي إجراء وقائي يهدف إلى منع ترسخ الضغوط التضخمية، مع إمكانية التراجع عنه مستقبلا إذا انحسرت مخاطر ارتفاع الأسعار. وتعزز هذه الرؤية التوقعات بأن يقوم البنك بمراجعة توقعاته للتضخم نحو الأعلى، بما يجعله أقرب إلى السيناريو السلبي الذي نشره سابقا،
والذي رجح بلوغ التضخم ذروته عند 4.2% خلال الربع الأخير من العام الجاري قبل أن يبدأ بالتراجع في عام 2027. كما أظهرت البيانات أن المستهلكين والشركات والمستثمرين الماليين أعادوا تقييم توقعاتهم بشأن مسار الأسعار، وإن ظلت التوقعات على المدى المتوسط قريبة من الهدف الرسمي.وفي هذا السياق، كتب ستيفان غيرلاخ،
كبير الاقتصاديين في أحد البنوك ونائب محافظ البنك المركزي الأيرلندي السابق، أن مبرر رفع الفائدة ليس أن توقعات التضخم فقدت السيطرة، بل أن التحرك الاستباقي يضمن عدم حدوث ذلك.مخاوف من الوقوع في خطأ سياسيمع ذلك، لا يحظى هذا التوجه بإجماع كامل بين الاقتصاديين.
فهناك من يرى أن البنك المركزي الأوروبي يخاطر بتشديد السياسة النقدية في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تداعيات الحرب. وقال هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين في أحد البنوك، إن البنك "يسير نحو ارتكاب خطأ في السياسة النقدية"،
مشيرا إلى ضعف سوق العمل وتراجع الطلب الاستهلاكي. وأظهر تحليل لمكالمات نتائج الشركات في منطقة اليورو أن نحو 40% فقط من الشركات غير المالية قامت برفع أسعارها أو تخطط لذلك، وهي نسبة تقل عن المستويات المسجلة خلال أزمة الطاقة السابقة.ورأى إريك دور، مدير الدراسات الاقتصادية في إحدى الكليات الفرنسية،
أن البنك يبالغ في تقدير قدرته على التأثير في توقعات الأسر والشركات، خاصة عندما يكون التضخم مدفوعا بارتفاع تكاليف الوقود والطاقة وليس بقوة الطلب المحلي.رسائل أكثر تشددا من المركزي الأوروبيفي المقابل، كثف البنك المركزي الأوروبي خلال الأسابيع الأخيرة رسائله الداعمة لتشديد السياسة النقدية. وقال كبير الاقتصاديين في البنك،
الذي يُنظر إليه عادة على أنه من الأصوات الأكثر ميلا إلى التيسير، إن الصدمة الناجمة عن الحرب الحالية قد تكون أوسع نطاقا من تلك المرتبطة بالحرب السابقة، نظرا لتأثيرها المباشر في أسواق الطاقة العالمية. وقد دفعت هذه التصريحات غالبية المستثمرين إلى تعزيز رهاناتهم على استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وتوقع هنري كوك، كبير الاقتصاديين في إحدى شركات الوساطة، أن يُبقي البنك الباب مفتوحا أمام مزيد من الإجراءات مع الحفاظ على المرونة في ظل تصاعد حالة عدم اليقين العالمية.