من شبه المؤكد أن يقرر البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة يوم الخميس، في خطوة تهدف إلى احتواء الضغوط التضخمية المتصاعدة قبل أن تمتد آثار ارتفاع تكاليف الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية إلى مختلف قطاعات اقتصاد منطقة اليورو.تأتي هذه الخطوة في وقت تجاوز فيه معدل التضخم في منطقة اليورو، التي تضم 21 دولة، مستوى 3%،
وهو ما يفوق بشكل ملحوظ الهدف الرسمي للبنك البالغ 2%. وفي المقابل، يواصل النمو الاقتصادي تسجيل أداء ضعيف، مما أثار جدلاً واسعاً بين الاقتصاديين حول مدى ملاءمة تشديد السياسة النقدية في هذه المرحلة.ومن المتوقع أن يواصل صناع السياسة النقدية جهودهم لاحتواء توقعات التضخم والحفاظ على مصداقية المؤسسة،
خصوصاً بعد الانتقادات التي وُجهت إليها بسبب بطء استجابتها لموجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا. ويرى بعض الاقتصاديين أن رفع الفائدة الآن ضروري لإدارة توقعات الأسواق، حيث إن عدم التحرك قد يُفسَّر على أنه استعداد للتساهل مع ارتفاع الأسعار.من المنتظر أن تكون الزيادة المرتقبة هي الأولى منذ نحو ثلاث سنوات، لترتفع بموجبها الفائدة على الودائع من 2% إلى 2.25%.
ولا يُتوقع أن يلتزم البنك بمسار محدد لمزيد من الزيادات، لكن الأسواق المالية لا تزال تتوقع زيادتين إضافيتين خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مع احتمال اتخاذ خطوة جديدة في سبتمبر.رفع احترازي لدعم استقرار التوقعاتوصف مراقبون هذه الخطوة بأنها "رفع احترازي"، أي إجراء وقائي يهدف إلى منع ترسخ الضغوط التضخمية،
مع إمكانية التراجع عنه مستقبلاً إذا انحسرت مخاطر ارتفاع الأسعار. وتعزز هذه الرؤية التوقعات بأن يقوم البنك بمراجعة توقعاته للتضخم نحو الأعلى، مما يجعله أقرب إلى السيناريو السلبي الذي رجّح بلوغ التضخم ذروته عند 4.2% خلال الربع الأخير من العام الجاري قبل أن يبدأ بالتراجع بصورة ملموسة في عام 2027.وأظهرت البيانات أن المستهلكين والشركات والمستثمرين الماليين أعادوا تقييم توقعاتهم بشأن مسار الأسعار، وإن ظلت التوقعات على المدى المتوسط قريبة من هدف البنك وأقل بكثير من المستويات التي سُجلت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي هذا السياق، يرى بعض الاقتصاديين أن مبرر رفع الفائدة الآن هو التحرك الاستباقي لضمان عدم فقدان السيطرة على توقعات التضخم.مخاوف من الوقوع في خطأ سياسيمع ذلك، لا يحظى هذا التوجه بإجماع كامل بين الاقتصاديين. فهناك من يرى أن البنك يخاطر بتشديد السياسة النقدية في وقت يعاني فيه الاقتصاد بالفعل من التداعيات السلبية للحرب الإيرانية.
ويشير هؤلاء إلى ضعف سوق العمل وتراجع الطلب الاستهلاكي، معتبرين أن الارتفاع المؤقت في الأسعار من غير المرجح أن يتحول إلى موجة تضخم مستدامة تستدعي مزيداً من رفع الفائدة.وأظهر تحليل لمكالمات نتائج الشركات في منطقة اليورو أن نحو 40% فقط من الشركات غير المالية قامت برفع أسعارها أو تخطط لذلك، وهي نسبة تقل بنحو النصف مقارنةً بمستويات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا. ومن جانب آخر،
يرى بعض المحللين أن البنك يبالغ في تقدير قدرته على التأثير في توقعات الأسر والشركات، خصوصاً عندما يكون التضخم مدفوعاً بارتفاع تكاليف الوقود والطاقة أكثر من كونه ناتجاً عن قوة الطلب المحلي.رسائل أكثر تشدداً من المركزي الأوروبيفي المقابل، كثّف البنك المركزي الأوروبي خلال الأسابيع الأخيرة من رسائله الداعمة لتشديد السياسة النقدية. وأشار كبير الاقتصاديين في البنك إلى أن الصدمة الناجمة عن الحرب الإيرانية قد تكون أوسع نطاقاً من تلك المرتبطة بالحرب الأوكرانية،
نظراً إلى تأثيرها المباشر في أسواق الطاقة العالمية. وقد دفعت هذه التصريحات غالبية المستثمرين إلى تعزيز رهاناتهم على استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض خلال الفترة المقبلة.ويُتوقع أن يُبقي البنك الباب مفتوحاً أمام اتخاذ مزيد من الإجراءات إذا اقتضت الظروف ذلك، مع الحفاظ على قدر كبير من المرونة في ظل تصاعد حالة عدم اليقين العالمية.