قطع مروان بشري وأصدقاؤه نحو 15 كيلومتراً لمؤازرة نادي الوحدة الذي فاز على النصر في منافسات رياضة "الصراع"، التي تشبه إلى حد بعيد المصارعة الحرة الشهيرة، وتعد ذات عمق ثقافي واجتماعي في المناطق التي تقطنها قبائل النوبة ذات الجذور الزنجية، وبخاصة ضاحية الحاج يوسف في الخرطوم ومحلية أمبدة في أم درمان.
ويتحدى آلاف المشجعين حرارة تبلغ 50 درجة مئوية لحضور هذا النشاط الرياضي الذي يقام للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام بعد توقفه الطويل بسبب الحرب، إذ يتنافس مئات المتصارعين طوال الأشهر الـ10 المقبلة. وتلقى منافسات "الصراع" إقبالاً جماهيرياً كبيراً، ويتعصب مشجعو كل مصارع لفارسهم بما يفوق تعصب مشجعي كرة القدم،
إذ تعد حلبة مصارعة محلية شرق النيل من أكبر حلبات المصارعة في العاصمة الخرطوم. اهتمام كبير إلى ذلك، سجل رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش الفريق عبدالفتاح البرهان زيارة إلى ملعب حلبة المصارعة في ضاحية الحاج يوسف بالخرطوم. حرص البرهان على حضور عودة حلبات المصارعة في الخرطوم (مواقع التواصل وتابع البرهان جانباً من النزالات التي أُقيمت بمشاركة عدد من المتصارعين،
وسط ترحيب جماهيري كبير في فعالية جسدت الاهتمام بالأنشطة الرياضية والتراثية ودورها في تعزيز الروابط المجتمعية والمحافظة على الهوية الثقافية. وحيا البرهان المصارعين الشباب الذين تنافسوا على الفوز والتتويج، وخصَّ أطفال المصارعة باحتفاء كبير. تعزيز التعايش صلاح يوسف الذي ظل يحرص على الحضور اليومي من أم درمان إلى حلبة المصارعة في محلية شرق النيل بالخرطوم،
قال إنها "لحظة تاريخية بالنسبة إلينا، لم نشاهد منافسات رياضة الصراع منذ ثلاثة أعوام، فهي بالنسبة إلينا تهدف إلى تعزيز التعايش بين المكونات الثقافية المتعددة من طريق الرياضة، وتؤكد عودة حلبات المصارعة في أم درمان والخرطوم أن الحياة بدأت تعود إلى العاصمة".
وأضاف أن "الصراع منافسة تحاكي غريزة الإنسان في التباري والفوز، وتجري بطريقة حضارية وصحية، وهي تحمل رسالة مختلفة تماماً عن رسائل الحرب والدمار والخراب". الصراع بشكله التنافسي يعزز الإحساس بالنصر والتفوق ويحقق السلام النفسي (أ ف ب) ونوه يوسف إلى أن "الحضور الجماهيري الكبير الذي تحظى به منافسات المصارعة في منطقة شرق النيل بالخرطوم،
وكذلك في أمبدة بأم درمان، والتنافس الشريف داخل الحلبات، والتصافي بين المشجعين، دليل على حب الناس للسلام وكرههم للصراع المسلح والقتال".
تراث ورسائل في سياق متصل، وصف عضو اتحاد المصارعة السوداني السابق جابر كوكو "عودة منافسات رياضة الصراع إلى حلبات الخرطوم بعد ثلاثة أعوام من الحرب بأنها تمثل انتصاراً للحياة ورسالة بأن العاصمة تستعيد نبضها تدريجاً، وهي خطوة تعكس تعافي الحياة الاجتماعية والثقافية والرياضية". وعادة - وفقاً لكوكو - تقام المنافسة بين المصارعين،
ويفوز بها من يتمتع بمهارات عالية وقوة جسدية خارقة، وعند بداية المنافسة يدخل الحلبة متصارعان وبرفقتهما رجل ثالث يعرف محلياً بـ"السباري" ويقوم بمقام الحكم، فهو يحدد قوانين وقواعد اللعبة، وتنتهي المصارعة بإسقاط المهزوم أرضاً وتسمى اللهجة المحلية "أردمية أو سقطة".
وتابع "يعد الصراع ممارسة اجتماعية وطقساً احتفالياً ورياضة شعبية تلقى إقبالاً جماهيرياً كبيراً، ولأهميتها تبدأ تحضيراتها باكراً بإدخال المصارعين في معسكرات مقفولة خارج دائرة سكنهم أسوة بمعسكرات لاعبي كرة القدم، يخدمهم خلالها بعض المساعدين ’السبارة‘، ويعتمد المتصارعون في غذائهم خلال المعسكر على الحليب واللحوم والدخن والسمن،
ويمنعون من تناول الحمضيات تماماً". يشاهد مشجعون سودانيون مصارعين يتنافسون في الحلبة (أ ف ب) ومضى في حديثه "لا تقتصر المعسكرات على التغذية، بل يمارس اللاعبون تدريبات اللياقة ودراسة قوانين اللعبة التي تقرها التقاليد المحلية، ومن قواعدها ألا يتصارع أبناء منطقة واحدة،
ويشترط أن يكون الطرفان كلٌّ من منطقة، وتمنع المنافسة بين الأقارب كابن العم والخال وزوج الأخت والشقيق، وهؤلاء بحسب التقاليد المحلية لا يمكن أن يكونوا خصوماً".
ويرى عضو اتحاد المصارعة السابق أن "الصراع بشكله التنافسي يعزز الإحساس بالنصر والتفوق ويحقق السلام النفسي، فخلال المنافسات تذوب الفوارق العرقية والثقافية بين القبائل المختلفة وتختفي، ويعم السلم الأهلي والاجتماعي إلى جانب حفظ التراث المتنوع". جهود حكومية في هذا الوقت،
سجل والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة ووزير وزير الدفاع السوداني حسن داؤود كبرون ووزير الشباب والرياضة أحمد آدم زيارة إلى ملعب حلبة المصارعة في منطقة الحاج يوسف. وأعرب وزير الدفاع عن سعادته بالمستوى المميز الذي وصلت إليه منافسات رياضة "الصراع"، مشيداً بالدور الذي تقوم به الأكاديميات في تأهيل المواهب ورعايتها وصنع الأبطال. وأكد كبرون أن "المصارعة السودانية تمتلك مقومات المنافسة إقليمياً وعالمياً،
وبخاصة مع وجود إرث من الأبطال الذين حققوا إنجازات في المحافل الدولية"، مشدداً على أن المصارعة باتت رياضة جامعة لمكونات المجتمع السوداني كافة وليست حكراً على فئة بعينها، معلناً استمرار دعم الدولة لاتحاد المصارعة والأندية واللاعبين. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) من جانبه،
حيا والي الخرطوم المشاركين في المنافسات خصوصاً المواهب والمصارعين الصغار، مؤكداً أنهم يمثلون مستقبل اللعبة، ومشيراً إلى أن الزيارة تهدف إلى الوقوف ميدانياً على حاجات المنشآت الرياضية. ووجه حمزة الجهات المتخصصة في محلية شرق النيل والمجلس الأعلى للشباب والرياضة بإعداد خطط عاجلة لتأهيل ملاعب حلبات المصارعة في منطقة الحاج يوسف بالخرطوم ومحلية أمبدة،
إضافة إلى توفير الإضاءة لتمكين إقامة الأنشطة على مدار اليوم. احتفالات وزغاريد على نحو متصل أوضح الباحث في تراث النوبة عيسى بشارة أن "الصراع يعد رياضة لاستعراض العضلات، إذ تشبه إلى حد بعيد المصارعة الحرة الشهيرة، وتمتاز بالإقبال الجماهيري الكبير والتعصب الذي يفوق تعصب مشجعي كرة القدم".
ونوه بشارة بأن "اللعبة يفوز فيها المصارع الذي يتمتع بمهارات حركية فائقة وقوة جسدية خارقة، وتعد المعسكرات للمصارعين أسوة بلاعبي الأولمبياد في العالم وتكون مقفولة ويكلف بعض المساعدين لخدمتهم ويعرفون بالسبارة". وأردف "لا يقتصر الحضور على فئة الرجال فحسب، بل هناك عشرات النسوة والفتيات الجميلات يملأن ساحة الصراع وعند بداية المباريات يقدمن الأغنيات الحماسية،
ومن أشهرها، ’دود الخلا النتار... الليلة ولع نار... يا صبي ما تقوم جار‘،
وذلك لدفع المصارع بالقوة المعنوية حتى يحقق النصر وعندما يتمكن من صرع خصمه منتصراً يطلقن الزغاريد".