كان يمكن المخرجة اللبنانية دانيلا عربية أن تبحث عن مدينة بديلة، أو أن تنقل التصوير إلى مرسيليا، بما لها من ملامح متوسطية قريبة، لكنها اختارت طريقاً أكثر تعقيداً: التقطت صوراً لشوارع بيروت ومبانيها وأرصفتها،

ثم استخدمتها خلفية لمشاهد الفيلم، فأصبحت المدينة نفسها غائبة وحاضرة في آن واحد، وهذا الانفصال بين المكان الحقيقي وصورته يمنح الفيلم غرابة مقصودة، ويحوّل ما قد يبدو حلاً اضطرارياً إلى خيار جمالي وسياسي،

خصوصاً أن الصورة لا تحاول إخفاء غياب المدينة، ولكن تجعله موضوعاً في ذاته: ماذا يبقى من مكان مهدد بالمحو حين يتعذر الوصول إليه؟ بيروت التي تظهر على الشاشة هي مدينة حقيقية من جهة، وصورة عنها من جهة أخرى،

مدينة يمكن تدميرها، لكن يمكن للسينما أن تعيد تركيبها، ولهذا تبدو عبارة عربيد، حين تقول إن لبنان سيظل حياً في فيلمها حتى لو زال،

أقل شبهاً بشعار سياسي وأقرب من تعريف لمشروع الفيلم نفسه: عندما يصبح المكان مهدداً، تتحول الصورة إلى شكل من أشكال الذاكرة. سوزان (هيام عباس) وابنتها (شادن فقيه) في الفيلم (ملف الفيلم)  داخل هذه المدينة، نجد سيدة ستينية (هيام عباس)،

إنها سوزان، الأرملة التي لم تكن علاقتها بزوجها الراحل علاقة حب، والأم التي تعيش وسط سيل من العلاقات المتوترة مع أبنائها وجيرانها وزميلاتها، قبل أن تدخل حياتها علاقة غير متوقعة،

الرجل هو عثمان سوداني (أمين بن رشيد) يصغرها بعدة عقود، اللقاء بينهما يتحول إلى علاقة عاطفية تصطدم سريعاً بالرقابة الاجتماعية، والفارق في السن ليس العقبة الوحيدة، فالعلاقة تقع داخل مجتمع ينظر إلى أفراده ورغباتهم بعين لا تكف عن التصنيف،

ومن خلال هذه العلاقة، تنتقل عربيد من الخاص إلى العام: تصبح الرغبة مدخلاً إلى الحديث عن السلطة، فيما الحب يتحدى نظاماً اجتماعياً لا يتسامح بسهولة مع الاختلاف. يضع الفيلم سوزان داخل تركيبة اجتماعية تنتج العنف وتعيد توزيعه على من هم أضعف منها،

مجتمع يراقب أفراده بعضهم بعضاً، ويجد في الفئات المهمشة متنفساً لإحباطاته، ويحتل الأجانب، وخصوصاً السود المقيمين في لبنان،

موقعاً واضحاً في هذه المعادلة، بما في ذلك اللغة اليومية التي تحمل في بعض استعمالاتها آثاراً مباشرة للعنصرية. العلاقة الحدث العلاقة التي لم يقبلها المجتمع البيروتي (ملف الفيلم) العلاقة بين سوزان وعثمان هي الحدث الذي تكشف من خلاله عربيد مجتمعاً كاملاً، وخصوصاً عجزه عن قبول علاقة لا تنسجم مع القواعد الموروثة،

غير أن الفيلم، بكل هذا الطموح السياسي والجمالي، لا يخلو من تفاوت، فكثافة المواضيع وتشعّبها تمنح العمل ثراء واضحاً،

لكنها تجعله أحياناً يبدو ممزقاً بين أكثر من اتجاه، ولذلك يمكن النظر إليه كتجربة تقع في المنطقة الفاصلة بين النجاح والتعثر، وهو تحديداً ما قد يجعله من الأفلام القابلة للنقاش بعد عرضه في المهرجانات الدولية ووصوله إلى الجمهور العربي. ترى دانيال عربيد أن العالم يزداد تطرفاً يوماً بعد يوم،

وأن السينما، مثل كل أشكال الفن، تحمل بالضرورة بعداً سياسياً، وتقول إن فيلمها يتردد صداه بخاصة في زمن مضطرب كذلك الذي نعيشه،

وتصف بطلي الفيلم بأنهما يجدان نفسيهما في مواجهة مجتمع بأكمله، فحبهما نفسه يتحول إلى فعل تحدٍ، لكن لهذا التحدي ثمناً لا بد من دفعه، وتعتبر عربيد أن هذا الحس المتمرد يطبع معظم أفلامها الوثائقية منها والروائية،

ومسألة مواجهة النظام القائم وما يفرضه من قواعد ظلت حاضرة في صلب تجربتها السينمائية، وهذا موضوع لم تتوقف عن الاشتغال عليه. المخرجة دانيال عربية في مهرجان برلين  2026 (خدمة المهرجان) عندما عرض "لمن يجرؤ" في برلين (قسم "بانوراما") في مطلع هذا العام، روت عربيد التحديات التي واجهتها وهي تنجز فيلمها الروائي الطويل السادس ولكنها لم تستسلم،

ففي الوقت الذي كان يفترض أن يبدأ فيه التصوير، كانت إسرائيل تقصف بيروت وجنوب لبنان، ولم تكن أية شركة تأمين مستعدة لتغطية الإنتاج، ثم تلقت عرضاً لنقل التصوير إلى فرنسا،

لكنها رفضت لأنها لم تقتنع بهذا الخيار، ولأنها أرادت توثيق ما يحدث، وكانت تخشى آنذاك أن يكون لبنان أمام نهايته، فتحول الفيلم كما تقول إلى "نافذة سينمائية" على بلدها وعلى تلك اللحظة التاريخية.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تقارن المخرجة الخمسينية فيلمها بفيلم دوغلاس سيرك "كلّ ما تتيحه السماء"، وبفيلم فاسبيندر "الخوف يأكل الروح"، وترى أن هذه الأعمال تلتقي ضمن سينما تقوم على مبدأ التضاد والمواجهة وتسعى إلى العدالة الاجتماعية وبناء عالم أكثر تعاطفاً، وفي نظرها أن التمسك بهذه المُثل بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى،

لأنها مهددة بأن تتحول إلى مجرد خيالات، فلا تخفي أن فيلمها استعارة ومثال على الشجاعة، لكنه في الوقت نفسه عمل ساخر، لأن لبنان،

كما تراه، يشبه أحياناً الأوبريت: بلد تُروى فيه تفاصيل الحياة اليومية وتُضخم وتُدرج إلى أقصى حدودها، مما يولد حساً عالياً بالسخرية، وتقول "إنه بلد اعتاد الكوارث بمختلف أشكالها،

ومع ذلك لا يتوقف عن السخرية من نفسه، والضحك تحول في هذا السياق، إلى شكل من أشكال الصمود". تعترف عربيد إنها كتبت قصة الحب هذه لتهدئة غضبها ومواساة نفسها،

وللتخفيف من شعورها بالعجز أمام ما تراه يومياً في نشرات الأخبار: المآسي في لبنان وفي العالم، وخصوصاً قصص اللاجئين الذين نراقب معاناتهم من دون أن نفعل الكثير من أجلهم، واصفة إياهم بـ "أناس تائهون، مجروحون،

يتنقلون في عالم يزداد عنصرية وكراهية، بالتوازي مع تصاعد التطرف"، ولهذا جاء فيلمها كمحاولة لـ "تطهير" هذا الغضب وإخراجه إلى الشاشة، لعل الإحساس بالعجز يتحول إلى فعل سينمائي.