في لعبة السرد، تتحول الأشياء لتكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل. يعمد المتخيل الماكر إلى مخاتلة الواقع ومغالبة التاريخ عبر احتيال الحكواتي، مما يجعل الروائي يستعير أدوات هذا الحكواتي ليمنح اللغة بهاءها وينزع عن التاريخ سلطته،
ليتحول «الحكي» إلى خطاب تمثيلي وموقف من العالم والسلطة.في رواية «ماء العروس» الصادرة حديثاً (2025)، ينسحب الحدث من التاريخ إلى واقع موازٍ، حيث التوازي بين المكان البعيد (الصحراء) والمكان الديستوبي الذي يستغرقه العنف والقمع. يشاهد الابن البطل إسماعيل هزيمة الأب وقمعه أمامه.
في عالم البدو، لا شيء سوى العزلة، لكن الروائي جعل هذا العالم مجالاً سردياً ضاجاً بحيوات تتبدى صراعاتها من خلال الحكايات، فكسر الرتابة عبر تمثيل سردي يربط الصراع بثيمة حدث إطاري صادم: يقوم «الدركي» في شرطة الحدود بسحل الأب بطريقة مهينة بواسطة حبل يجرّه حصان،
بتهمة «حيازة سلاح غير مرخص» في بيئة لا يمكن العيش فيها من دون أسلحة.يوظف الروائي هذه الثيمة لإدانة الواقع السياسي عبر إدانة السلطة. الصحراء قد تكون مكاناً رمزياً للمكان السياسي، والدركي أنموذج السلطة، والسلاح كناية عن الخطاب والموقف المعارض.
التصعيد الدرامي المحيط بمشهد «السحل» يقترب من بناء مشهد ملحمي يقوم على تمثيل رمزي للصراع الداخلي (عبر الطفل إسماعيل) والخارجي (تمثلات العنف السلطوي). تتحول حركة «الدركي» إلى حركة متصاعدة تسحب معها أحداث الرواية، وما يختزنه الابن من غضب وكراهية وسخط، يتبدى من خلال لعبه في تمثيل سردية الاستعادة،
عبر «مسوداته» التي يربطها بمصائر شخصياته، ليتحكم بمسار الحكاية ويناسب مآلاتها.من الخوف إلى الخلاص بالكتابةيحول الابن إسماعيل شخصية الأب المهاب والمسحول إلى شخصية غائبة ذات حمولة مثيولوجية، ليكتسب غيابه بعداً نفسياً يسوغ غوص الابن في عوالمه، تعبيراً عن كراهية السلطة ومواجهة الجرح النرجسي.
تسمح لعبة السرد بتشكيل مسارات متوازية، تنمو فيها حركة الزمن وتتغير معها مصائر الشخصيات، وصولاً إلى التحكم بنهاية الحكاية، ليجعل منها «مسودة» سردية أو اسكتشات تتناسب وصراعه الداخلي،
منفتحة على التغير والإضافة والحذف.خروج الطفل إسماعيل من «المخيم» إلى العالم يعني أن الروائي اصطنع له واقعاً موازياً أو مضاداً، لتتبع تحولات المجرى السردي عبر تقانة الاستعادة، والكشف عن ترجعيات نفسية ارتبطت بذاكرة مشهد الأب المسحول والمشاعر المضطربة التي رافقته كنوع من اللاوعي المكبوت والغاضب. فصول الرواية الثلاثون تقوم على شروط لعبة الحكي: تنامي الحدث،
حركة الشخصيات، تعالق الزمن الداخلي بكوابيس الذاكرة، والصعود بفعل الكتابة/ المخطوطة السردية كمدونة نرجسية للإشباع الرمزي ومواجهة المأزق الوجودي. يقوده نهر الخابور السحري إلى فكرة الارتواء «الجنسي» والتعويضي من «ماء العروس»،
ليتحول الكتابة إلى طقس إشباعي لمواجهة الزمن، وتفكيك المتواري والمخفي، وتحويل الرواية إلى بنية إطارية مفتوحة تتوالى حكايتها عبر سردية التناظر بين الذاكرة والواقع، والمكان الواقعي والميثولوجي.ما يثيره الروائي في لعبته السردية ليس بعيداً عن «المكبوت السياسي» ولا عن أزمة الإنسان الباحث عن ذاته وسط عالم مشبع بذاكرة فاجعة،
وبسيرة يستغرقها الفقد والقلق. زمن الرواية الموزع بين الحكايات يدفع إلى تمثيل زمن سردي مضاد يقوم على فعل المواجهة، عبر الذهاب إلى الميثولوجيا أو استعادة «الحكي الشهرزادي» حيث التطهير والخلاص. التحول في تمثيل شخصية الابن إسماعيل يعكس علاقة الكتابة كصناعة أخرى للشخصية التي تصنعها اللغة،
حيث تتحول الكتابة إلى وعي عميق بمواجهة الخوف، عبر الإشهار الرمزي لرواية «فساد الأمكنة» التي يحملها، كشفرة دالة على رفض ذاكرة المكان.يتحول خوف الابن إسماعيل إلى كناية عن خوف جيل جعلته السلطة محكوماً باللاوعي المجهض، مقابل حضور صديقه «جاسم عطية» كالضد النوعي الرافض للخوف،
الذي حمل أسئلة ضدية حررته من ذلك الخوف، ودفعته إلى التعرف على أسرار القوة الغاشمة القائمة على صناعة الخوف. التاريخ وسرديات الانقطاع هي تقانة البناء الروائي عند صويلح، لا تميل إلى الحكي التقليدي،
فبقدر حضور الواقع كمجال سردي، يتبدى الانقطاع التاريخي كمفارقة مع هذا الواقع، حيث السخرية منه أو التمرد عليه. تجعل «الشخصية الخائفة» و«الشخصية الضد» أكثر تعبيراً عن دراما الصراع،
وعن الزمن الذي تبدو قطائعه وكأنها تبحث عن اكتمالها عبر توظيف سردية البناء الموازية، كتمثيل سيميائي لتقابل الصراع الوجودي والسياسي مع النفسي.ينفتح هذا التقابل على سلسلة من التشكلات تستدعي الحكاية والأسطورة الشامية عبر الشخصية الهامشية، لتسوغ تمثيل الصراع الإطاري ولضبط إيقاع تنامي وظائف الشخصيات في سياق وحدات السرد، والكشف عن أزمة البطل الوجودي أو الشخصية التي تعيش تشوهاتها البنيوية مع التاريخ والمكان،
ومع نفسها. فالمخطوطة المفترضة «مستودع الأنقاض» تتحول إلى رواية شخصية أو «ميتاسرد» يكشف عن قصدية المؤلف في تمثيل أزمته، وفي تمثيل قسوة «المكان السوري» وقلق الشخصية التي عاشت محنة الفقد والعجز الثوري، فلا تجد تفريغاً له سوى التطهير عبر استدعاء الأسطورة الشعبية والغوص في الكتابة كتفريغ للمكبوت،
وإشهار للصوت الداخلي.