مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش». تبدو العبارة في ظاهرها تسامحاً محموداً؛ لأنها تمنح كل فرد حقه في أن يحب ما يشاء وأن ينفر مما يشاء، لكنها قد تتحول إلى حجة تُلغي إمكان الحديث عن الجودة والرداءة، وتُسوّي بين الخبرة العابرة والحكم المتبصر.

لا خلاف في أن لكل إنسان الحق في أن يقول: أعجبني هذا العمل أو لم يعجبني. فالإعجاب تجربة شخصية لا يمكن فرضها بالقوة، لكن حرية الذوق لا تعني أن جميع الأحكام متساوية في القيمة. هناك فرق كبير بين أن نقول: «هذا العمل لم يعجبني»،

وبين أن نقول: «هذا عمل رديء». الجملة الأولى تصف تجربة صاحبها، أما الثانية فتصدر حكماً على العمل نفسه. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل عن الأساس الذي صدر عنه الحكم،

وعن مقدار معرفة صاحبه بالفن الذي يتحدث عنه، وعن خبرته بالمقارنة والتمييز. فالذائقة لا تولَد مكتملة. القارئ الذي لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الكتب تكون أدواته في الحكم محدودة،

كما أن المستمع الذي لم يألف إلا نمطاً واحداً من الموسيقى ستكون استجابته محكومة بما اعتاده. وكلما اتسعت الخبرة أصبحت الفروق أوضح، وازدادت القدرة على التمييز. بل إن كثيراً مما نسميه «ذوقاً شخصياً» قد يكون أثراً للتعوّد.

فما يتكرر أمامنا يصبح مألوفاً، والمألوف يبدو أقرب إلينا، حتى لو لم يكن أرفع قيمة، لهذا قد يتنكر الاعتياد في صورة ذائقة مستقلة،

بينما هو في الحقيقة نتيجة بيئة وتربية وتكرار. ونحن نقر في مجالات كثيرة بأن الخبرة تصنع فرقاً. فليس حكم المبتدئ في الخط كحكم الخطاط، ولا حكم مَن تذوّق طَبقاً للمرة الأولى كحكم مَن خبَرَ مكوناته وطرائق إعداده.

ومع ذلك نتردد حين نصل إلى الفن والثقافة، وكأن كل الآراء فيهما متساوية لمجرد أنها شخصية. مِن حق المرء أن يفضل عملاً بسيطاً على آخر أكثر تعقيداً، وأن يعود إلى كتاب خفيف مرات كثيرة ويهجر كتاباً كبيراً بعد صفحات قليلة.

لكن التفضيل لا يحسم مسألة القيمة، فقد نستمتع بعمل محدود فنياً، وقد نعترف بقيمة عمل رفيع دون أن نحبه. ومن هنا تبدو عبارة «الأذواق لا تناقَش» أكثر إشكالاً مما تبدو عليه،

فإذا كانت كل استجابة شخصية حكماً نهائياً، فما الحاجة للنقد؟ وما جدوى التعليم الفني والأدبي؟ ولماذا نقرأ تاريخ الفنون أو نتعلم كيف تطورت الرواية والسينما والموسيقى؟

إن وجود هذه الحقول يفترض أن الذائقة قابلة للصقل والتطوير، وأن الإنسان يستطيع أن يرى ويسمع ويفهم أكثر مما كان يفعل من قبل. وهذا لا يعني أن الذائقة الجيدة ذائقة موحدة، ولا أن المطلوب أن يحب الجميع الأشياء نفسها.

المقصود أن يمتلك الإنسان أدوات أوسع للاختيار، وأن يعرف الفرق بين ما يميل إليه شخصياً وما يراه ذا قيمة. والذائقة لا تتكون في فراغ. ففي كل عصر كانت هناك مؤسسات وأصوات تمنح بعض الأعمال مكانة أعلى من غيرها،

فهناك المدرسة، والجامعة، والصحيفة، والناقد،

ودار النشر، والمجلة الثقافية، ثم لاحقاً الجوائز والقوائم والبرامج التلفزيونية. وهذه الجهات لم تكن معصومة من الخطأ،

ولم تكن دائماً عادلة، لكنها كانت تؤدي وظيفة الفرز، وتمنح القارئ إطاراً أوسع من استجابته الفردية المباشرة. أما اليوم فقد ضعفت سلطة كثير من هذه الوسائط،

وصعدت، بدلاً منها، أدوات جديدة أسرع وأكثر تأثيراً. فالسوق لا تكتفي بتلبية الذوق،

بل تشارك في صنعه. التكرار والإعلان والانتشار توحي بأن ما يراه الجميع جدير بأن يُرى، وما يشتريه الجميع جدير بأن يُشترى. ثم جاءت المنصات والخوارزميات لتعرض علينا غالباً ما يشبه ما أحببناه من قبل،

فتُضيق مجال الاكتشاف وهي تُوهمنا باتساع الاختيار. ومع شبكات التواصل أصبحت الأحكام الثقافية أكثر ارتباطاً بردود الفعل السريعة؛ مِن إعجاب ومشاركة وتقييم وعدد مشاهدات. وهذه الأرقام لا تقيس القيمة بقدر ما تقيس القدرة على الوصول والانتشار. ومع ذلك تسللت شيئاً فشيئاً إلى وعينا بوصفها قرائن على الجودة،

حتى صار العمل الأكثر حضوراً يبدو تلقائياً كأنه الأفضل، رغم أن السبب قد يعود إلى علاقات وصداقات ونشاط صاحب العمل. وهنا يكمن أحد أخطر التحولات في الذائقة المعاصرة، اختلاط الشهرة بالقيمة.

فالعمل قد ينتشر لأنه سهل، أو لأنه مثير للجدل، أو لأنه وصل إلى الجمهور في اللحظة المناسبة، أو لأنه مدعوم بآلة تسويق قوية.

ولا شيء من ذلك يكفي وحده للحكم على مستواه. كان الناقد، والمحرر، والمجلة الثقافية،

والمؤسسة التعليمية، يقومون بدرجات متفاوتة بدور الوسيط بين العمل والجمهور. أما اليوم فقد أصبح العمل قادراً على بلوغ جمهور هائل قبل أن يبدأ أي نقاش جاد حول قيمته. وفي أحيان كثيرة يصل الحكم بعد أن تكون الشهرة قد صنعت رأياً عاماً يصعب مقاومته.

لهذا لا تبدو الذائقة شأناً فردياً خالصاً كما نحب أن نتصور. نحن نختار، نعم، لكننا نختار داخل بيئة تقترح علينا باستمرارٍ ما ينبغي أن نقرأه ونشاهده ونسمعه،

وتكرر أمامنا بعض الأعمال حتى تصبح جزءاً من وعينا. ومن هنا لم يعد السؤال فحسب: ماذا نحب؟ بل: كيف تكوَّن هذا الحب، ومَن أسهم في تشكيله؟

فإذا كانت الذائقة قابلة للتكوين، فمن يقودها اليوم؟ أهو الناقد والمؤسسة الثقافية، أم السوق والمنصة والمؤثر والخوارزمية * كاتب سعودي