يعبر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن فخرهم بقصة نجاح تشارلز ساتشي، الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعة عقود من المغامرة والجرأة إلى سلطة تمنح فنانيها تذكرة دخول إلى عالم الفن العالمي. ويشيرون إلى أن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والده الذي كان ساعاتياً في بغداد، لكن هذه الحكاية تطغى عليها الإشادة بنشاطه كجامع أعمال فنية تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً راية المعارض من خلال تبني الفنون المعاصرة.انطلاقة مع رواد الحداثةمنذ تأسيسه عام 1985،

تبنى غاليري ساتشي فكرة عرض أعمال لفنانين عالميين مثّلوا في ذلك الوقت الموجة الجديدة التي شكلت تمهيداً بين الأساليب الفنية الراسخة والفنون المعاصرة. ضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن،

وأندي وارهول، وأقيم من مارس إلى أكتوبر عام 1985. بعد ذلك بعام، احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات جون تشامبرلين والفنانين دان فلافين،

وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا، وكارل أندريا،

وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية، إلى جانب معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر والنحات ريتشارد سيرا.نجح ساتشي من خلال هذه المعارض في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية، مما أهله للانتقال إلى دور العراب للفنون المعاصرة عبر تبنيه فنانين شباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين،

وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك، وراشيل وايت ريد.بين التجارة والثقافةلا يُفهم نشاط ساتشي إلا في سياقه الاستثماري الذي جعل الترويج الدعائي للفن كسلعة جزءاً أساسياً منه.

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية عبر غزو المتاحف الكبرى مثل متحف هامبورغر بانهوف في برلين ومتحف الفن الحديث (موما) في نيويورك. يختلف النقاد في توصيف مهمته الممتزجة بين الحماسة للفنون والهوس التجاري، حيث يعتبره البعض واحداً من الطغاة الذين يسعون لصناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى وجود منظمة سرية تدير سوق الفن بالخفاء.

لكن الاحتفالية التي يقيمها الغاليري بمناسبة مرور أربعين عاماً تقول شيئاً مختلفاً، يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني.يفاجئ معرض «الآن البعيد» الزائر بإعادة الاهتمام بالرسم إلى الواجهة عبر أعمال رسامين بأساليب متنوعة. هذا المعرض، الذي يشبه معرضاً استعائدياً،

يؤكد أن الغاليري أصبح مؤسسة سلطوية تملك من المعرفة الفنية ما يؤهلها لتكون وسيطاً عادلاً بين التيارات الحداثوية والمعاصرة. لا يعني ذلك صيغة تعايش بقدر ما يعني وجود بيئة ثقافية تتلاقح فيها الأساليب لتكتمل صورة الفن الذي هو فن المستقبل.سلطة عابرة للحدودبغض النظر عن الخلافات حول نهجه في المزاوجة بين التجارة والثقافة، تخطى غاليري ساتشي الحدود الضيقة ليصبح قوة ضاربة في السوق الفنية المحلية والعالمية. فمن تنفتح له أبوابه يجد طريقاً إلى العالمية ليس عسيراً إذا اجتهد وصقل موهبته.

الصرح الكبير في منطقة تشيلسي الثرية ليس مجرد قاعات للعرض، بل مؤسسة معقدة تمارس تأثيراً خفياً على الحياة الفنية عبر فرض تيارات معينة وتعزيز فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال. لم تغره التجارة بعد تفوقه، بل اندفع نحو خلق ثقافة بصرية جديدة تنتصر للفنون المعاصرة رغم عدم أرباحها المباشرة،

فقلب المعادلة حين صار فنانوه يبيعون بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف لاقتناء أعمالهم.تحول فنانون مثل داميان هيرست وتريسي أمين وجيني سافيل وسارة لوكاس إلى أيقونات عالمية بفضل ساتشي. منذ تأسيسه، تبنى الغاليري فكرة العرض لفنانين يمثلون الموجة الجديدة. معرض «الآن البعيد» ينقل الزائر عبر مراحل زمنية مختلفة،

نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته كعراب لفن مغاير: بعضه متمسك بالحداثة، وبعضه الآخر يذهب إلى القطيعة، مما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض خلال العقدين الماضيين.بمقولته «الحاضر يذهب إلى المستقبل»، يظهر ساتشي ثقته بأن سلطته ستظل قائمة حتى بعد غيابه،

وكأنه يقول إن المستقبل سيكون من صنعه. قد تكون هذه دعاية مبالغاً فيها، لكن ما لا ينكر أن سلطته لم تكن وهماً. فصرح بحجم غاليري ساتشي يستند إلى نفوذ واسع لا يقتصر على السوق الفنية،

بل يمتد إلى جوائز فنية رفيعة مثل جائزة «تيرنر». ولم يكتفِ بتبني الفنانين البريطانيين، بل امتدت رعايته لعالميين مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان،

وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي،

وكارول دونهام. ومعرضه «فن نيويورك الآن» عام 1987 أكسبه سمعة الغاليري عابر الحدود.