تسلط دراسة جديدة الضوء على شخصية الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا، التي تُعد رمزاً تاريخياً فريداً لم ينل الشهرة التي يستحقها رغم عمق معانيها. كانت هيباتيا تجمع بين الجمال الفاتن والعقل الراجح والخيال الجامح، ونهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية،

معبرة عنه بأسلوب متميز.ولدت هيباتيا عام 370م، وكان والدها "ثينون" فيلسوفاً ومتخصصاً في الجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية. أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات،

ودربها على الخطابة والتدريس. ساهمت في شرح كتاب بطليموس، وأجرت أبحاثاً في الفلك والرياضيات، وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها،

بالإضافة إلى صنع "إسطرلاب" وجهاز لقياس كثافة السوائل.في الثلاثين من عمرها، صدر أمر إمبراطوري بتعيينها أستاذة في المكتبة، وأصبحت فيلسوفة تنتمي لمدرسة الأفلاطونية الجديدة ذات النزعة الصوفية، والتي تمثل بعثاً للفكر المصري القديم.

كانت تقف في الشوارع لتشرح للمارة نقاطاً صعبة من كتب أفلاطون وأرسطو، مما أكسبها احترام الناس.كانت هيباتيا تقول: "من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي". ودعت إلى الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم لصفاء النفس،

مؤكدة أن قيمة الإنسان في أخلاقه لا في جماله.لكن هذه المكانة جعلتها هدفاً للمتعصبين دينياً، الذين رأوا فيها عدواً بسبب جمالها ومنطقها وأفكارها الحداثية. هاجموها أثناء عودتها من محاضرة، وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية،

ثم جردوها من ملابسها ورجموها بقطع القرميد حتى الموت. بعد ذلك، قطعوا جسدها إرباً وأحرقوا بعضه، في مشهد من الوحشية والمرح الشنيع،

لتكون هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والتعصب الديني، وعمرها 45 سنة.لم يعاقب الجناة على فعلتهم، واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين ومنعهم من الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة،

وإغلاق المعابد والمدارس. انطفأت شعلة العلم في الإسكندرية، ورحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.