من الشارع إلى طاولة الحواركان الشباب في قلب التحولات السياسية السودانية قبل اندلاع احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2018. فمنذ الاستقلال في 1956، تعاقبت انتفاضات شعبية في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاستبداد وانسداد أفق المشاركة، لكن حراك 2018 اتسعت قاعدته بشكل غير مسبوق،
وتصدره الشباب والنساء. ولعبت لجان المقاومة بوصفها شبكات محلية يقودها شباب دوراً حاسماً في التعبئة والتنظيم وتوثيق الأحداث، حتى أطاحت الحركة بنظام عمر البشير في أبريل/نيسان 2019.غير أن الانتقال من الشارع إلى مؤسسات الحكم كشف مفارقة مبكرة؛ فالقوة الاجتماعية التي صنعت التحولات لم تحصل على حضور مماثل في الترتيبات السياسية. ظل تمثيل الشباب محدوداً في مؤسسات السلطة الانتقالية،
ولم يكونوا طرفاً رئيساً في مفاوضات الوثيقة الدستورية لعام 2019. وفي المقابل، واصلت لجان المقاومة نشاطها كقوة ضغط مستقلة، وعادت إلى الواجهة بقوة بعد إجراءات أكتوبر/تشرين الأول 2021،
رافضة التسويات التي رأت فيها التفافاً على أهداف الثورة.الحرب تغيّر الأولوياتأدى اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 إلى إعادة تشكيل المجال السياسي. ملايين السودانيين نزحوا داخل البلاد أو عبر الحدود، وتحولت أولويات قطاعات واسعة من الشباب من التنظيم السياسي إلى إعالة الأسر والعمل الإنساني والمدني أو الهجرة. ومع انهيار مساحات الاجتماع والتواصل وتعرض البنية المدنية لضغوط أمنية واقتصادية هائلة،
تراجعت قدرة الشباب على المشاركة السياسية المنظمة، لكن أدوارهم في بناء شبكات المساعدة لم تختف.في خضم هذا الانسداد، برزت دعوات إلى حوار سياسي أوسع؛ دعا الفريق أول عبد الفتاح البرهان القوى المدنية إلى الحوار، بينما شددت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي على ضرورة أن تُسمع أصوات النساء والشباب في أي مسار سياسي.شباب يتحرك من الميدانقال أمير عثمان،
عضو لجان مقاومة أم درمان، إن الشباب لم ينسحبوا من المجال العام منذ اندلاع الحرب، وإنما تبدلت أولوياتهم وأدواتهم. وأوضح أن كثيرين انخرطوا في غرف الطوارئ وتكايا الطعام والمبادرات المدنية،
بعدما أصبحت حماية الناس وتوفير الغذاء والدواء أولوية يومية، معتبراً أن هذا الدور امتداد طبيعي لمشاركة الشباب في الثورة. وأضاف أن الشباب ما زالوا معنيين بالشأن السياسي، لكنهم ينظرون بحذر إلى أي حوار لا يفضي إلى وقف الحرب واستعادة الحكم المدني وبناء مؤسسات دولة موحدة،
مؤكداً أن حضورهم يجب أن يكون مؤثراً لا مجرد تمثيل رمزي.أما سيف الدين رزق، عضو لجان مقاومة ود مدني، فأشار إلى أن الحرب دفعت كثيراً من الشباب إلى الابتعاد موقتاً عن النشاط السياسي بسبب النزوح وكلف المعيشة والدراسة والعمل وإعالة الأسر. ورأى أن التجربة الأخيرة جعلت قطاعاً منهم أكثر تشككاً في النخب السياسية،
بعدما لاحظوا أن الخطاب العام كثيراً ما ينتهي إلى صراع على المواقع والنفوذ. ومع ذلك، أكد أن الشباب لن يكونوا خارج أية ترتيبات سياسية مقبلة، لكنهم بحاجة إلى مساحة حقيقية لطرح رؤيتهم في شأن الدولة والسلام ومستقبل الحكم.ويرى الصحافي محمد مهدي أن الحرب أعادت التأكيد على أن الشباب ليسوا فئة تنتظر نتائج التسويات السياسية،
بل من أكثر الفئات ارتباطاً بمآلاتها. وقال إن الشباب ظلوا حاضرين في العمل العام خلال سنوات الأزمة عبر المبادرات المدنية وغرف الطوارئ وشبكات الإغاثة، لذلك فإن إبعادهم عن الحوار يعني إغفال خبرة تكونت في الشارع وفي المجتمعات المتضررة مباشرة من الحرب. وأضاف أن المشاركة المطلوبة تتجاوز منحهم مقاعد في قاعات التفاوض إلى إشراكهم في تحديد الأولويات وصياغة الاتفاقات المتعلقة بوقف الحرب والدستور والعدالة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وحذّر من أن تجربة المرحلة الانتقالية أظهرت خطر حصر القرار في أطر سياسية ضيقة، وأن إعادة إنتاج الأساليب ذاتها بعد الحرب قد تفتح الطريق أمام أزمات جديدة.مشاركة لا تمثيل شكليقالت الناشطة مروة عبادي إن القضية لا تتعلق بمجرد زيادة عدد الشباب المشاركين في الحوار، وإنما بطبيعة الدور المسموح لهم بأدائه. وأوضحت أن أي اتفاق سلام يحتاج إلى قبول اجتماعي واسع ليصمد،
وهو ما يتطلب إشراك الفئات التي عاشت الحرب والنزوح وفقدان سبل العيش في تصميم الحلول ومناقشة أولوياتها. وترى أن الشباب، ولا سيما الشابات، يمتلكون خبرات لا يمكن تمثيلها من خلال نخب تتحدث بالنيابة عنهم.
وأكدت عبادي أن مشاركة النساء ضرورية لفهم آثار العنف والنزوح وتداعيات الحرب على الأسر والمجتمعات المحلية. وأضافت أن الحوار المقبل ينبغي أن يناقش، إلى جانب وقف القتال، إصلاح مؤسسات الدولة والقطاعين الأمني والعسكري والعدالة الانتقالية،
مشددة على أن التمثيل الشكلي لن يغير طبيعة السياسة السودانية ما لم يقترن بقدرة فعلية على التأثير في القرار.أوضحت الحقوقية وصال عبدالله أن جيل الاحتجاجات أمام فرصة لإعادة تعريف دوره السياسي، بعدما كشفت الحرب محدودية الاكتفاء بالاحتجاج والمبادرات الفئوية. وقالت إن على الشباب الانتقال إلى موقع المشاركة في صياغة السياسات والبرامج، ومناقشة قضايا العدالة وإصلاح مؤسسات الدولة والاقتصاد وإعادة بناء الجيش.
وأضافت أن دعوة البرهان إلى حوار سياسي شامل، والتي أشارت إلى إشراك الشباب والنساء، تكتسب قيمتها من مدى تحويل هذا الحضور إلى مشاركة فعلية في القرار لا مجرد مقاعد في قاعة الحوار. ورأت أن هذه النقطة تنسجم مع دعوات أممية متكررة إلى مشاركة ذات معنى للشباب والنساء والنازحين والمجتمع المدني،
لكن قيمة هذه الدعوات ستظل رهينة بتحويل المشاركة من تمثيل رمزي إلى نفوذ فعلي، وبتهيئة شروط أمنية ومدنية تسمح لهذا الجيل باستعادة موقعه في المجال العام.أي شباب يمثلون الجيل؟يرى الأستاذ في الجامعات السودانية فتح الرحمن سعيد أن النقاش حول مشاركة الشباب في الحوار المقبل ينبغي ألا ينطلق من حجم حضورهم في المنصات السياسية، وإنما من التحولات التي طرأت على موقعهم داخل المجتمع خلال سنوات الحرب. وقال إن الشباب دخلوا هذه المرحلة بتركة سياسية مهمة،
لكن الحرب دفعتهم إلى مواقع جديدة جعلتهم أكثر التصاقاً بالمجتمعات المحلية وأقل ارتباطاً بالأطر السياسية المعروفة. وأوضح سعيد أن التجربة الراهنة أوجدت لدى قطاعات من الشباب خبرات عملية في التفاوض المحلي وإدارة الموارد والتعامل مع السلطات والأطراف المسلحة، فضلاً عن القدرة على بناء التوافقات في البيئات المنقسمة. وهذه الخبرة،
على رغم نشأتها في ظروف قاسية، قد تصبح أحد مصادر القوة في أي عملية سياسية مقبلة، لأنها تشكلت بعيداً من غرف الأحزاب والترتيبات الرسمية.ويعتقد سعيد أن التحدي الحقيقي أمام الحوار لا يتمثل فقط في الوصول إلى الشباب، بل في معرفة أي شباب سيدعون ومن يملك حق التحدث باسمهم.
فاختيار شخصيات محدودة من العاصمة أو من التنظيمات المعروفة قد ينتج تمثيلاً لا يعكس واقع جيل تشتت بين مناطق النزوح والمدن والقرى والمهجر. ويرى أن التمثيل الأكثر جدوى ينبغي أن يراعي اختلاف التجارب بين الشباب في مناطق الحرب، والنازحين، والطلاب،
والعاملين في المبادرات المحلية، ومن اضطروا إلى الهجرة. وأضاف أن الشباب يدخلون المرحلة المقبلة برصيد من الشك تجاه النخب السياسية، لذلك فإن استعادة الثقة ستتطلب نتائج ملموسة لا خطابات عن المشاركة.
وأشار إلى أن الحوار سيكون أكثر جدوى إذا أتاح للشباب التأثير في أولويات المرحلة الانتقالية، لا الاكتفاء بسماع آرائهم. وخلص إلى أن أهمية الجيل الجديد تكمن في قدرته على فتح مسار مختلف للسياسة السودانية، بشرط أن تتحول خبرته الاجتماعية المتراكمة خلال الحرب إلى مشروع سياسي قادر على بناء توافق وطني أوسع.الاختبار الحقيقييظل مستقبل مشاركة الشباب في الحوار والعملية السياسية مرتبطاً إلى حد كبير باستعداد القوى السياسية للتخلي عن نمط احتكار القرار الذي طبع مراحل سابقة من الانتقال.
فالمؤشرات الحالية مزدوجة؛ هناك اعتراف متزايد محلياً وإقليمياً ودولياً بضرورة حضور الشباب، لكن تحويل هذا الاعتراف إلى نفوذ فعلي يظل اختباراً للقوى التي ستدير الحوار. وقد نصت الدعوات الدولية الصادرة خلال هذا العام بوضوح على إشراك الشباب والنساء والمجتمع المدني في مختلف مراحل العملية، فيما دعت مشاورات شبابية سودانية حديثة إلى مشاركة مؤثرة في التحضير للحوار وصياغة أجنداته.ومن غير المرجح أن يتنازل الفاعلون السياسيون التقليديون بسهولة عن مواقعهم لمصلحة جيل جديد؛ فالتجربة الانتقالية السابقة أظهرت فجوة بين الوزن الشعبي للشباب وحجم نفوذهم داخل مؤسسات القرار.
كذلك فإن استمرار الحرب وضعف المجال المدني قد يمنح القوى الأكثر تنظيماً قدرة أكبر على تحديد من يتحدث باسم الشباب ومن يشارك عنهم. مع ذلك، يصعب تجاوز هذا الجيل تماماً؛ فقد أظهر الشباب قدرة على التنظيم والعمل خارج الأطر الحزبية، ويمتلكون رصيداً اجتماعياً تشكل خلال الاحتجاجات والحرب.
وتشير دراسات حول مواقف الشباب السوداني إلى رغبة واضحة في المشاركة بصنع القرار، وتدعو الأحزاب إلى زيادة تمثيلهم في هياكلها وقوائمها الانتخابية.لذلك، سيكون الاختبار الحقيقي للحوار المقبل ليس ما إذا كانت القوى السياسية ستدعو الشباب إلى الطاولة، بل ما إذا كانت ستعترف بأن لهم كلمة في تحديد أجندته.
فإذا بقي حضورهم في حدود الاستشارة والتمثيل الرمزي، فمن المرجح أن تتسع الفجوة بينهم وبين السياسة التقليدية. أما إذا منحوا دوراً فعلياً في صياغة السلام والدستور وترتيبات الحكم، فقد يتحول جيل الحرب إلى أحد أهم روافع إعادة بناء الحياة السياسية السودانية.