عاد شبح الركود التضخمي ليخيّم على الأسواق العالمية مع صعود أسعار النفط مجدداً إلى مستوى 100 دولار للبرميل، في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وترتفع تكاليف الاقتراض عالمياً، وتتسع الحرب التجارية بين الاقتصادات الكبرى.

ويخشى المستثمرون من تكرار سيناريو يجمع بين تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار التضخم المرتفع، وهو التحدي الأصعب الذي تواجهه البنوك المركزية وصنّاع السياسات. وكانت الأسواق قد راهنت مطلع يوليو (تموز) على أن اتفاق التهدئة المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران سيمنح الاقتصاد العالمي فرصة لتجنب موجة تضخمية جديدة، بعدما تراجع خام برنت إلى نحو 70 دولاراً للبرميل.

لكن تجدد المواجهات في المنطقة، واتساع اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر بعد هجمات الحوثيين على ناقلة نفط سعودية، أعادا أسعار الخام إلى مستوى 100 دولار، لترتفع بنحو 40 في المائة خلال يوليو،

في أكبر زيادة شهرية منذ مارس (آذار)، بحسب وكالة «رويترز». ولم يقتصر الارتفاع على النفط؛ إذ قفزت أيضاً أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية بأكثر من 40 في المائة خلال الشهر، لتسجل أعلى مستوياتها منذ مارس،

وهو ما أعاد المخاوف من موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الطاقة في القارة الأوروبية التي لا تزال الأكثر اعتماداً على الواردات. وتزداد الصورة تعقيداً مع تصاعد التوترات التجارية. فقد فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية جديدة تراوحت بين 10 و12.5 في المائة على واردات من 60 شريكاً تجارياً، من بينهم الاتحاد الأوروبي والصين،

وهو ما ينذر بمزيد من الضغوط على الأسعار العالمية في وقت يعاني فيه المستهلكون والشركات أصلاً من ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة. مخاطر الركود التضخمي ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه العوامل تعيد إلى الواجهة مخاطر الركود التضخمي، وهو السيناريو الذي يتزامن فيه ضعف النشاط الاقتصادي مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة. وقالت أليسيا بيراردي،

رئيسة الاقتصاد الكلي العالمي في «أمندي إنفستمنت إنستيتيوت»، إن مخاطر الركود التضخمي كانت قائمة منذ مارس، لكن اتساع الصراع في الشرق الأوسط زاد احتمال تحققها بصورة أكبر. وتبقى الطاقة المحرك الرئيسي لتوقعات التضخم في الأجل القصير.

فكل ارتفاع جديد في أسعار النفط ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء، ثم ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات. كما أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز، وفق تقديرات شركة «كبلر»،

ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد قد يرفع أيضاً أسعار الغذاء، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة التي هي أكثر اعتماداً على الواردات. ورغم أن بيانات التضخم الأميركية لشهر يونيو (حزيران) جاءت أقل من المتوقع، فإن الأسواق لم تحتفظ بتفاؤلها طويلاً.

فقد دفعت موجة ارتفاع أسعار الطاقة المستثمرين إلى بيع السندات الحكومية، لترتفع العوائد في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، في إشارة إلى توقعات باستمرار الضغوط التضخمية. وأعاد ذلك الرهانات على تشديد السياسة النقدية.

فالمستثمرون يتوقعون الآن زيادتين إضافيتين في أسعار الفائدة من البنك المركزي الأوروبي قبل نهاية العام، بعدما أبقى الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير مع الإشارة إلى احتمال مواصلة التشديد. كما عادت الأسواق لتسعير احتمال قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع الفائدة مرتين تقريباً بحلول يناير (كانون الثاني) المقبل. معضلة معقدة لكن هذه السياسة تضع البنوك المركزية أمام معضلة معقدة؛ إذ إن رفع الفائدة يساعد في احتواء التضخم،

لكنه في الوقت نفسه يزيد تكلفة الاقتراض ويبطئ الاستثمار والاستهلاك، ما يضغط على النمو الاقتصادي في وقت يتعرض فيه النشاط الاقتصادي أصلاً لضغوط من ارتفاع أسعار الطاقة. وتبدو أوروبا الأكثر عرضة لهذا السيناريو؛ نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة. فالقارة تواجه في الوقت نفسه ارتفاعاً في أسعار النفط والغاز،

وتشديداً متوقعاً للسياسة النقدية، وهو ما وصفه محللو «مورغان ستانلي» بأنه «ضربة مزدوجة» تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة وتشديد الأوضاع المالية معاً. ومع بلوغ النفط مستوى 100 دولار، تراجع اليورو إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أسابيع دون 1.14 دولار.

ولا تقل آسيا تعرضاً للمخاطر؛ إذ تعتمد معظم اقتصاداتها على واردات النفط من الخليج. وتبرز اليابان مثالاً واضحاً على ذلك، فضعف الين إلى أدنى مستوياته في أربعة عقود رفع قيمة الواردات إلى مستويات قياسية، ما زاد الضغوط التضخمية،

وأربك جهود بنك اليابان لتحقيق توازن بين دعم النمو واستقرار الأسعار. كما تواجه اقتصادات جنوب وجنوب شرق آسيا تحديات أكبر؛ نظراً إلى محدودية قدرتها على تحمل ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، في وقت قد تؤدي فيه ظاهرة «النينيو» إلى زيادة الضغوط على أسعار السلع الزراعية. ورغم أن الولايات المتحدة أقل تعرضاً بفضل كونها منتجاً ومصدراً للطاقة،

فإنها ليست بمنأى عن التداعيات. فقد تجاوز متوسط سعر البنزين 4 دولارات للغالون، وهو مستوى حساس للمستهلك الأميركي، في حين ارتفعت تكاليف الوقود لشركات الطيران الكبرى بصورة ملحوظة،

كما أدى ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى زيادة معدلات الرهن العقاري، ما يضغط على سوق الإسكان. وتحذر تقديرات البنك الدولي من أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يخفضان نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 1.3 في المائة، مقارنة بنحو 2.9 في المائة العام الماضي،

ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. وبين صدمات الطاقة، وتشديد السياسات النقدية، وتصاعد النزاعات التجارية والجيوسياسية،

تبدو الأسواق أمام مرحلة تزداد فيها احتمالات الركود التضخمي. وإذا استمرت أسعار النفط عند مستوياتها الحالية، فقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام أصعب اختبار منذ عقود؛ إذ يصبح احتواء التضخم والحفاظ على النمو هدفين يصعب تحقيقهما في آن واحد.