تتزايد مخاوف سكان العاصمة السودانية الخرطوم من عودة شبح الكوليرا مجدداً إلى واجهة المشهد، في ظل تسجيل إصابات جديدة وسط تحذيرات طبية من احتمال اتساع نطاق الوباء، فضلاً عن الإصابة بحمى الضنك والملاريا وأمراض أخرى، في وقت لا تزال تداعيات الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" تلقي بثقلها على خدمات المياه والصحة والإصحاح البيئي.

تحذيرات تأتي في وقت تواجه العاصمة الخرطوم تحديات متراكمة فرضها الصراع الدائر بين طرفي الحرب 40 شهراً، مما أدى إلى انعكاسات مباشرة على البنية الأساسية للخدمات الصحية والبيئية، فيما يفاقم تراكم النفايات وضعف خدمات المياه وتلوث بعض مصادرها من أخطار انتشار الأمراض، خصوصاً في المناطق التي تعاني تراجعاً في الخدمات الأساسية.

إجراءات عاجلة إزاء هذا الواقع، حذرت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان من عودة وباء الكوليرا وحمى الضنك في الخرطوم، معربة عن مخاوفها من انتقال العدوى إلى الولايات الأخرى، لا سيما أن الظروف البيئية والصحية المنهارة تزيد من فرص انتشار الأوبئة.

في السياق، قالت عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان أديبة إبراهيم السيد إن "اللجنة سجلت 25 إصابة جديدة بوباء الكوليرا في الخرطوم، بينهم سبعة إصابات في غرب أم درمان و11 إصابة في منطقة جنوب الخرطوم، إلى جانب سبع حالات في شرق النيل"،

مشيرة إلى أن "هناك إصابات في منطقة العزبة بالخرطوم بحري من دون توافر حصيلة محددة لعددها حتى الآن". وأكدت عضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء أن "الوضع الحالي قد يتجه نحو تفشٍ أوسع للمرض إذا لم تنفذ إجراءات عاجلة للحد من انتقال العدوى، وفي مقدمتها تحسين أوضاع الإصحاح البيئي، بخاصة في فصل الخريف،

وعزل المناطق التي تظهر فيها الإصابات وتهيئة الظروف الملائمة للعمل، فضلاً عن توافر الأدوية اللازمة". توافر الإمداد في المقابل، كشفت وزارة الصحة بولاية الخرطوم عن تراجع ملحوظ في معدلات الإصابة بالملاريا خلال الأسبوع الماضي مقارنة مع انتشارها الأسابيع السابقة،

مؤكدة في الوقت نفسه عن توافر كامل حاجات الاستجابة لطوارئ الكوليرا واستقرار الإمدادات الدوائية في الولاية. وقال مدير الإدارة العامة للطب الوقائي بالوزارة محمد حسن عمر إن" نتائج تقرير الوضع الصحي أظهرت عدم وجود مؤشرات تلوث في محلية كرري استناداً إلى نتائج التحليل البيولوجي". وأشار عمر إلى استمرار جهود الوزارة لمعالجة العجز المسجل في بعض المحاليل الوريدية، بالتوازي مع العمل على دعم المخزون الاستراتيجي،

وضمان جاهزية الإمدادات اللازمة للتعامل مع الطوارئ الصحية. اشتراطات صحية في الأثناء، أظهرت بيانات الإدارة العامة للصيدلة أن نسبة توافر الأدوية المنقذة للحياة وصلت إلى 90 في المئة، فيما سجلت الأدوية الأساسية نسبة توافر بلغت 83 في المئة،

فضلاً عن توافر أدوية الملاريا بنسبة 77 في المئة، في حين وصلت أدوية الدرن إلى 73 في المئة، وأدوية الإيدز إلى 83 في المئة. أما على صعيد الإجراءات الوقائية،

أعلنت صحة البيئة عن تفتيش 7139 محلاً لإعداد الأطعمة، وجرى إغلاق 182 محلاً بسبب عدم استيفاء الاشتراطات الصحية. في حين جرى توزيع 106500 حبة كلور على الأسر بهدف دعم الإجراءات بتعقيم المياه. في الوقت نفسه كشفت نتائج فحوص عينات مياه من الشبكة العامة أن نسبة العينات المطابقة لمعايير الكلور بلغت 71 في المئة من إجمالي 133 عينة جرى تحليلها.

وتواصل الجهات الصحية في الخرطوم تنفيذ حملات وقائية وتوعوية تستهدف الحد من أخطار الأمراض المعدية من خلال الزيارات المنزلية والأنشطة المجتمعية التي تركز على النظافة الشخصية وتحسين الإصحاح البيئي، ومكافحة نواقل الأمراض، إلى جانب التوعية بضرورة تعقيم المياه. رفع الوعي ومع تعطل إمدادات الشبكات الرئيسة يلجأ السكان إلى جلب المياه من آبار قديمة تفتقر إلى المعايير الصحية،

مما يزيد من معدلات الإصابة بخطر الوبائيات. في هذا السياق، أفادت وفاء مأمون، وهي طبيبة تعمل في أحد المراكز الصحية بأم درمان بأن "الأخطار الصحية تتفاقم بشكل ملحوظ هذه الفترة نتيجة لجوء السكان إلى استخدام مياه ملوثة في ظل تدهور خدمات إمدادات المياه من الشبكات الرئيسة".

وأوضحت مأمون أن "أزمة المياه النظيفة تقود إلى عودة وباء الكوليرا مجدداً للمشهد الصحي، بالتزامن مع تفشٍ واسع النطاق لأمراض أخرى أبرزها الملاريا وحمى الضنك وسوء التغذية وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والتهاب السحايا والدفتريا، في وقت تتراجع قدرة المستشفيات والمراكز الصحية والمختبرات في الكشف المبكر عن الأمراض وعلاج المصابين". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتابعت،

"نستقبل يومياً عشرات الحالات وغالبيتها ناتجة من شرب مياه ملوثة، إذ نواجه صعوبة في التعامل معها في ظل النقص الحاد في المحاليل الوريدية والعلاجات اللازمة للحد من انتشار الأمراض المعدية". ومضت الطبيبة قائلة "المخاوف تتصاعد وسط المواطنين في ظل اعتمادهم على المياه التي تجلب من النيل عبر العربات التي تجرها الدواب"، مضيفة "أجزم أنها غير آمنة نظراً لتغير لونها وطعمها،

إذ هناك حالات تأتي بإسهال مائي وحال تقيؤ مستمر وألم شديد في البطن، وهي مؤشرات تدل على أن الوباء موجود أو عاد مرة أخرى بعد الإعلان عن انحساره، مما يستدعي رفع الوعي المجتمعي واتباع الاحترازات الوقائية". مراقبة وتنقية من جهته،

أوضح محمد إبراهيم وهو طبيب مختبرات أن "الواقع الحالي يشير إلى عودة وباء الكوليرا، بخاصة في أم درمان بسبب اعتماد السكان بشكل تام على استخدام مياه من مصادر تعد غير صالحة للاستخدام حتى بعد غليها، إذ إن الآبار خلال فترة الحرب لم تجرَ لها عمليات مراقبة وتنقية وأصبحت ملوثة بالبكتيريا والفطريات". وأشار إلى أن "الأمر لا يستحق المجادلة في النفي أو الإثبات مع العلم بانحسارها،

وإنما يستدعي تدخلات عاجلة من خلال توافد المواطنين على المرافق الصحية بشكوى من مغص حاد في البطن والإسهال، إلى جانب توفير العلاجات التي تسهم في العلاج المبكر وحصر العدوى، ومد المرافق والصيدليات بالمحاليل الوريدية وحبات البندول". ولفت طبيب المختبرات إلى أن "المنظومة الصحية لا تزال تعاني من تدهور الخدمات وسط عجز تام من السلطات الحكومية عن حل الأزمة المستفحلة،

وما يفاقمها من تحديات تواجه المعامل في إجراء الفحوصات المعملية بسبب فقدان الأجهزة الحديثة وقطوعات الكهرباء التي تمتد لساعات طويلة ليلاً ونهاراً، ما انعكس بشكل أكبر على مؤسسات القطاع الصحي التي بات نحو 60 في المئة منها إما خارج الخدمة أو تعمل بصورة جزئية". إصابات ووفيات وكانت ولاية الخرطوم شهدت خلال عام 2025 تفشياً واسعاً لوباء الكوليرا نتيجة تداعيات الحرب وتدمير البنية التحتية وشح المياه النظيفة، حيث سجلت آلاف الإصابات ومئات الوفيات مع تركز 90 في المئة داخل الولاية،

بخاصة في محليات كرري وأم درمان وأم بدة، قبل أن تعلن وزارة الصحة السودانية خلال أغسطس (آب) الجاري عن احتواء الوباء في العاصمة، إلى جانب تسجيل عدد من الإصابات التراكمية بحمى الضنك ارتفع إلى 12886 حالة من بينها 20 حالة وفاة . وبينما تؤكد وزارة الصحة بولاية الخرطوم استمرار إجراءات الاستجابة والرقابة الصحية تضع الإصابات الجديدة بالكوليرا التحذيرات من عودة النشاط الوبائي السلطات الصحية أمام تحدٍ إضافي في العاصمة،

خصوصاً مع استمرار الضغوطات التي فرضتها الحرب على البنية والخدمات الأساسية.