لم يكن القرار الذي أصدرته الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب بحظر دخول مواطني السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال إلى الأراضي الخاضعة لسيطرتها مجرد إجراء إداري لتنظيم المنافذ الحدودية، بل بدا أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة في سياسة التعاطي مع ملف الهجرة، أحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في ليبيا خلال العقد الأخير. فالقرار جاء في توقيت بالغ الحساسية،
تتقاطع فيه الحرب السودانية المستمرة، مع تصاعد نشاط شبكات تهريب البشر عبر الصحراء، وازدياد الضغوط الأوروبية للحد من تدفقات المهاجرين عبر المتوسط، إلى جانب تنامي المخاوف الأمنية في الجنوب الليبي،
الذي تحول خلال الأعوام الأخيرة إلى إحدى أكثر المناطق هشاشة في شمال أفريقيا. وعلى رغم أن القرار اقتصر على أربع جنسيات أفريقية، فإن تداعياته تتجاوز حدود هذه الدول، لتفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل سياسة الهجرة في ليبيا،
وانعكاساتها على الاقتصاد والأمن والعلاقات الإقليمية، بل وحتى على المشهد السياسي الداخلي. نص القرار على منع دخول مواطني السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال عبر جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية الواقعة تحت سلطة الحكومة المكلفة من مجلس النواب، مع استثناء أعضاء البعثات الدبلوماسية وأسرهم،
إضافة إلى العاملين في القطاعين الصحي والتعليمي، شريطة حصولهم على الموافقات الرسمية وعقود العمل المعتمدة. وألزم القرار وزارة الداخلية باتخاذ الإجراءات اللازمة لترحيل المخالفين ممن لا يحملون إقامات قانونية، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو تشديد الرقابة على الوجود الأجنبي داخل البلاد.
ولم يقدم نص القرار تبريراً تفصيلياً لاتخاذه، لكن قراءات كثيرة لحيثياته تشير إلى أن المسألة تتجاوز مجرد تنظيم إجراءات الدخول، لتندرج ضمن استراتيجية أمنية أشمل تستهدف السيطرة على الحدود وإعادة ضبط حركة الهجرة. لماذا الدول الأربع؟
قد يبدو اختيار السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال انتقائياً، لكنه يرتبط بواقع الهجرة في ليبيا أكثر من ارتباطه بالعلاقات السياسية مع هذه الدول، بحسب الباحث السياسي المبروك الغزالي. موضحاً أن "السودان يعيش منذ أبريل (نيسان) 2023 حرباً مدمرة أدت إلى نزوح أكثر من 14 مليون شخص بين نازح ولاجئ وفق تقديرات الأمم المتحدة،
مما جعل ليبيا إحدى الوجهات الرئيسة لعشرات الآلاف من الفارين من النزاع، أما إريتريا وإثيوبيا والصومال فتعد منذ أعوام من أكبر الدول المصدرة للهجرة غير النظامية باتجاه أوروبا، بسبب الصراعات الداخلية والأزمات الاقتصادية والجفاف وعدم الاستقرار السياسي". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) الغزالي استند في تحليله إلى بيانات المنظمة الدولية للهجرة،
قائلاً إنها تشير إلى أن ليبيا تستضيف اليوم أكثر من 900 ألف مهاجر ينتمون لأكثر من 40 جنسية، يمثل السودانيون النسبة الأكبر منهم، يليهم مهاجرون من النيجر وتشاد ومصر وإريتريا وإثيوبيا، معتبراً أن "هذه الأرقام تفسر إلى حد بعيد سبب تركيز القرار على هذه الجنسيات دون غيرها".
أما الإعلامي الليبي فرج حمزة، فيرى أنه يصعب فهم القرار الذي اتخذته حكومة أسامة حماد بعيداً مما يجري في الخاصرة الرخوة للبلاد في الجنوب الليبي، الذي يمتد على مساحة شاسعة تتجاوز مليون كيلومتر مربع من الحدود الصحراوية المفتوحة مع ست دول أفريقية. ويتابع "تؤكد التقارير الأمنية أن مئات الكيلومترات من هذه الحدود يصعب مراقبتها بصورة كاملة،
مما جعلها ممراً مثالياً لشبكات تهريب البشر والأسلحة والوقود والمخدرات، وخلال العامين الأخيرين كثفت الأجهزة الأمنية وقوات الجيش عملياتها في مدن الكفرة وسبها ومرزق وغات، معلنة تفكيك عشرات شبكات تهريب البشر وضبط آلاف المهاجرين، ومن هنا،
يتبين أن قرار الحظر يمثل حلقة جديدة في سياسة أمنية بدأت بالفعل منذ أشهر، وليست خطوة منفصلة". ضغط أوروبي تشير قراءات أخرى إلى خلفيات القرار الذي اتخذته سلطات الشرق الليبي، وتقول إن من الصعب فصله عن السياق والضغط الأوروبي،
فالاتحاد الأوروبي يعد ليبيا خط الدفاع الأول في مواجهة موجات الهجرة المتدفقة من أفريقيا. وتشير أحدث تقارير الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل "فرونتكس"، إلى أن طريق وسط البحر المتوسط، الذي ينطلق معظمه من السواحل الليبية،
لا يزال أحد أكثر طرق الهجرة نشاطاً نحو أوروبا، ولهذا ضخت "بروكسل" خلال الأعوام الماضية مئات الملايين من اليوروهات في برامج دعم خفر السواحل الليبي وإدارة الحدود ومكافحة الاتجار بالبشر. وحتى مع عدم وجود ما يثبت أن القرار جاء استجابة مباشرة لضغوط أوروبية، فإن التوقيت ينسجم مع سياسة أوروبية متزايدة تشجع دول العبور على تشديد الرقابة قبل وصول المهاجرين إلى السواحل،
أثار بعضها جدلاً كبيراً في ليبيا خلال الأشهر الماضية، من بينها تلميحات إلى الرغبة في إنشاء مراكز لتوطين المهاجرين في الجنوب الليبي. مع أن القرار يبدو أمنياً بالدرجة الأولى، فإن بعض المحللين نوه بأن له أبعاداً اقتصادية لا يمكن تجاهلها باعتبار أن الاقتصاد الليبي يعتمد في عدد من القطاعات على العمالة الوافدة،
خصوصاً في البناء والتشييد والزراعة والخدمات والنظافة وبعض المهن الحرفية. المتخصص في الشأن الاقتصادي علي جمعة، يرجع استثناء العاملين في القطاعين الصحي والتعليمي إلى إدراك صعوبة الاستغناء الكامل عن الكفاءات الأجنبية، لكنه يحذر من أنه "إذا توسعت القيود مستقبلاً لتشمل جنسيات أخرى،
فقد تواجه بعض القطاعات نقصاً في اليد العاملة، وهو ما قد يرفع كلفة التشغيل ويؤثر في سرعة تنفيذ المشروعات، خصوصاً مع اتساع مشاريع إعادة الإعمار في شرق ليبيا". مخاوف حقوقية كما كان متوقعاً بدأ القرار الذي اتخذته الحكومة التابعة للبرلمان في شرق ليبيا يثير نقاشاً حقوقياً واسعاً،
فمنظمات دولية عديدة تؤكد أن البلاد تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين الفارين من الحروب، وبخاصة السودانيين، وتخشى هذه المنظمات من أن تؤدي عمليات الترحيل الجماعي إلى تعريض بعض الأشخاص لخطر الإعادة إلى مناطق نزاع، وهو ما يتعارض مع مبدأ "عدم الإعادة القسرية" المنصوص عليه في القانون الدولي الإنساني.
في المقابل، تؤكد السلطات الليبية أن سيادة الدولة تمنحها الحق الكامل في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة، وهنا تبرز المعضلة التقليدية التي تواجه معظم دول العبور وهي كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية الأمن الوطني واحترام الالتزامات الإنسانية؟
في هذا الإطار يعتقد الإعلامي فرج حمزة، أنه "إذا نظر إلى القرار ضمن سلسلة الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات خلال الأشهر الماضية فسيوحي بأن ليبيا تتجه نحو تبني سياسة أكثر تشدداً في إدارة ملف الهجرة، وقد تشمل هذه السياسة مستقبلاً تشديد منح التأشيرات وتنظيم سوق العمالة الأجنبية وزيادة عمليات الترحيل للمخالفين وتوسيع التعاون مع الدول الأفريقية في ضبط الحدود، إضافة إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مكافحة شبكات التهريب".
لكنه يتخوف من أن "لا يقتصر أثر القرار على الداخل الليبي، إذ يمكن أن يؤثر في علاقات ليبيا مع بعض دول القرن الأفريقي، وبخاصة إذا طال أمد الحظر أو توسعت إجراءاته، كما قد يدفع الدول المجاورة إلى المطالبة بضمانات في شأن معاملة رعاياها".